انضم إلينا
اغلاق
البائع المتجول ووجه المدينة الهش.. عن هشاشة العالم والإنسان

البائع المتجول ووجه المدينة الهش.. عن هشاشة العالم والإنسان

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
         
في رائعة الأديب الأمريكي "بول أستر" في بلاد الأشياء الأخيرة، يتجول الكاتب وسط ركام من النفايات، نفايات الأشياء، ونفايات البشر، عالم مجنون متسارع، يموت فيه الإنسان أحيانًا حين يضعف ويقل حجمه من الجوع فيصبح كورقة تبعثرها رياح الشتاء، وأحيانًا يموت من تضخم أناه، وغرائزه الحيوانية، عالم يختفي فيه كل ما هو إنساني وأخلاقي، وينبت البشر فوق الأرصفة كنباتات شيطانية مجهولة الأصل والهوية.

   

أما في روايته الأخرى "حماقات بروكلين" يتحول بطل الرواية الطموح المثقف إلى سائق تاكسي يتجول ليلًا داخل شوارع المدينة التي تبدو زاهية لكنها غارقة في الموت، ولأن البطل قادم من عالم الثقافة والأدب، فإنه دائمًا ما يركب تأملاته الفلسفية على مواقف المهنة البسيطة والبائسة، حيث يشرح توم مهنته المتجولة: "إنها تفتح أمامك درباً يوصلك مباشرة إلى فوضى الوجود. إنها مدخل نادر إلى البنى التحتية العمائية للكون. كل وجهة هي عشوائية، وكل قرار محكوم بالمصادفة. إنك تطفو.. تتمايل تصل إلى الوجهة بأسرع ما في استطاعتك، لكن لا رأي لك في المسألة. أنت دمية في أيدي القدر". (1)


    
إن هذا الإنسان المتجول، الذي يبحث ليل نهار عن رزقه بعد أن انهارت طموحاته الأولى وأحلامه الوردية، هو إنسان هذا العصر، هو "البائع المتجول" كما سماه "أصغر فرهادي" في فيلمه الأخير الحائز على جائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي. لكن فرهادي يختار أن يموت وجه بطله المتجول الحائر المنهك من أعباء الحياة وديونها قبل أن تكتمل ذروة المأساة في حياته الأخرى الحقيقية، وينسدل ستار المسرح الصغير على مشهد موت يشابه موت الأبطال في قصص بول أستر، ينسدل على زوجته العجوز تبكي، ولا نعلم على ماذا تبكي على زوجها البائع في المسرحية أم على حالها ومأساتها في الحياة، لكنها تقول في المسرحية والدموع تنساب على خديها الباهتين: "لقد سددنا ديوننا أخيرا وأصبحنا أحرارا". لماذا لا تتحقق الحرية والطمأنينية في هذا العالم إلا بالموت، إلا بعد فوات الأوان!

 

الحياة على شفا جرف هار
بدأ فرهادي فيلمه بالدخول بصلب الموضوع دون إضاعة أي وقت، يبدأ الفيلم بحدوث انهيار للبيت الذي يعيش فيه بطلا الفيلم المتزوجان "عماد ورنا"، حين يستيقظ السكان على رجات عنيفة تجتاح بيتهم ويهرع الجميع خارجه، ويتركوا كل شيء وراءهم مخافة أن ينهار البيت فوق رؤوسهم، ويظهر في مشهد سريع "عماد" وهو يطل من النافذة فيجد حفار ضخم يحفر أسفل منزلهم. إن من يرى المشهد يظن أن فرهادي قد بدأ فيلمه بلقطات راديكالية ثائرة على العالم كله.

 

رجل يجد بيته على وشك الانهيار وحفار ضخم أسفله، وفي خضم الأحداث يعلق رجل "لو استطعتُ، لدمّرتُ المدينة كلها وأعدتُ بناءها". أن فرهادي هنا يطلق صيحة غضب تجاه العالم الذي تستبيح آلالاته وحداثته التقنية أعز ممتلكات البشر ومنازلهم وأوطانهم وتتركهم في العراء مشردين لا يجدون ملجأ ولا مأوى، ليطلقوا العنان للعناتهم على هذا العالم.

 

كأن فرهادي يقتبس من تنظيرات عالم الاجتماع زيجمانت باومان، عن حياة الإنسان الحديث المهددة والتي أصبحت تحت الحصار، تستبيحها الحداثة، فيتحول المواطن إلى لاجئ والإنسان إلى فرد مستهلك (2). لكن يرد فرهادي في حوار صحفي معه فيقول: "أنا لا أرى هذا المشهد سياسياً. لا أنظر إلى العالم من وجهة نظر سياسية. أجدها نظرة ضيقة جداً، لا تستطيع أن ترى الكثير من خلالها. لكننا نعيش في بلد كلّ شيء فيه يتعرض للتسييس. مهما فعلتَ وأياً كان سلوكك، سيتم الردّ عليك بالسياسة. حتى مظهرك الخارجي في إيران، يُشرح من منطلق سياسي. إذا لبستَ بنطلون جينز، فسيتم تلقي هذا الأمر كموقف سياسي. لا أستطيع أن أفعل الكثير حيال القراءة السياسية لأفلامي، لكني أشدد أن النحو الذي أعبّر به عن أفكاري ليس رمزياً؛ أنا لا أستعمل الرمزية في أفلامي، كلّ شيء واقعي ومعقّد. ثم، أفضّل انتقاد المجتمع على انتقاد السياسيين، كوني أؤمن بأن بث الوعي في المجتمع يمنع وقوع البلد في يد الديكتاتورية". (3)

 

الواقعية والرمزية.. ما لا يمكن قوله

"المفكر يكبح سرد الروائي.. والفيلسوف يشرح ورد المغني"

(محمود درويش)
 

برغم أن فرهادي نفى لجوءه إلى الرمزية إلا أن أفلامه تزدحم بالرموز، وهي نفسها الرموز التي تحملها الحياة الواقعية، سواء كانت تراجيدية أو ساخرة، حيث ينتقل الفيلم مباشرة ودون أي مقدمات لقاعة الدرس السينمائي في مدرسة للفتيان، ويظهر عماد كمدرس يحاول شرح علاقة الحياة بالرمز عبر قصة أدبية يعرضها عماد على الفتية، ويتناقش الفتية مع عماد ليس فقط عن واقعية الرمز والقصة بل عن الرموز في حياتنا اليومية وإلى ماذا تشير، الأمر الذي ناقشه الدكتور عبد الوهاب المسيري في كثير من مؤلفاته. بما يتعلق بأن كل رمز أو سلعة تحمل فلسفة كامنة داخلها.

 

وبين الواقعية والرمز يوضح مشهد عودة الزوجان ومعهم زميلتهم أو جارتهم إلى البيت المنهار، ورؤيتها لكم التشققات في جدران وسقف غرفة النوم الخاصة بالزوجين، مدى اعتماد فرهادي على التوازن بين الرمز والواقع في فيلمه، حيث يجعل صورة غرفة النوم المشققة والمتهالكة إشارة إلى تقلبات العلاقة بين الزوجين عماد ورنا وهذا ما سيظهر بعد ذلك على طول الفيلم، حيث تظهر لحظات الانسجام بينهما قليلة ومليئة بالشرود والقلق.

 

فلا يكتفي فرهادي بعرض هشاشة عمران المدينة في حيهم القديم، لكن يربطه بهشاشة العلاقات البشرية، علاقة عماد ورنا القلقة، وعلاقتهما بالناس، حين يسألهم "باباك" زميلهم، عن احتمالية قدوم طفل، فتضحك رنا وتنفي. وحين تخبر رنا زوجها عماد بأن يدفع الأجرة كاملة للمستأجرين "لا نريد معروفا من أحد" حيث باتت العلاقات في المدينة لا تحتمل أن يؤدي أحدهم معروفا لأحد بدون سبب، ولا ينتظر بعدها أعباء منهم كأن المعروف قيد في عنق مستحقيه.

 

مسرحة المدينة ومسرحة الفيلم

يُعرف عالم الاجتماع مامفورد المدينة الحديثة بأنها (4) "مسرح للأفعال الاجتماعية" (5)، حين تبدو الحياة بتعقيداتها وعفويتها أبلغ من الصورة والفيلم والمسرحية، وقد اعتمدت كثير من الأفلام على المسرحية، وكان من أشهرها فيلم  bird man الذي تعتمد قصته بشكل أساسي على قصة حياة ممثل لمسلسل أبطال خارقة، ويحتل المسرح جزء كبير من مشاهد الفيلم، لكن فرهادي يعتمد هنا على المسرح ليس فقط اعتماد درامي، بل هو اعتماد تقني حيث يقول "تأهيلي مسرحي. علّمني المسرح أن أبلور شخصيتي الفنية. علّمني كذلك أن أنظر إلى الموضوع نفسه من وجهات نظر متعددة. عندما تجلس في المسرح، تختلف رؤيتك للأشياء بحسب المكان الذي تجلس فيه. في رأس كلّ مشاهد مسرحية مختلفة.. جذور كلّ شيء تعلّمته تضرب في المسرح.. تركتُ المسرح إلى السينما قبل نحو 20 عاماً، ولا تزال في داخلي رغبة أن أعود يوماً إلى الخشبة. ولكن للأسف، لا أجد سنة كاملة أهدي نفسي فيها إلى المسرح، وهذا يُشعرني بالكبت. فوجدتُ أن الطريقة الأنسب للتعاطي مع المسرح هي من خلال السينما." (6)
 

 

ففرهادي يعتمد على المسرح في بلورة أفكاره وتصوراته للقصة، كما أنه في فيلمه الأخير اعتمد عليه في إكمال الحبكة حيث يقول: "لسنوات، سكنت بالي قصة زوجين يتم "اقتحام" منزلهما. لكن الحبكة ظلت غير مكتملة، فلم أشعر بالرضى. كان ثمة ما هو ناقص. لم أجد المهنة التي تشغل الزوجين؛ كان في إمكانهما العمل في أي مجال، وهذا ما لم يقنعني كثيراً. ثم، خرجتُ بفكرة أن أجعلهما ممثلين".

 

وهذا ما يعتمد عليه فرهادي في بناء الشخصية، حين يظهر عماد كشخص متفهم للحياة، حتى عندما تحرجه امرأة داخل سيارة الأجرة، وتوجه له إهانة غير مباشرة، يتغاضى عنها ويتفهم شعورها، ففرهادي يرى الممثل إنسان متفهم لمشاعر الآخرين وآلامهم، لأنه يضع نفسه مكان الآخرين يعيش أدوارهم باستمرار "فالتمثيل ليس فقط مهنة بل هو يمدّ الممثل بقدرة كي يضع نفسه في جلد الآخرين. يشعر بالتعاطف تجاههم. لذلك، مع فكرة جعلهما ممثلين، شعرتُ أن الحبكة اكتملت." (7)

 

لا يكتفي فرهادي بتوافق الحبكة، بل يعمل على تقديم الحس الإيقاعي للفيلم من خلال عمل مسرحي وتأهيل مسرحي، وهذا ما يقدمه الفيلم ببراعة حين تنتقل مشاهده بسلاسة بين المسرح والحياة، بين مأساة البائع المتجول وأسرته المديونة وزوجته العجوز، وبين مأساة الحياة وآلامها وقسوتها وتقلبات القدر ومصائبه، كما تظهر التقنيات المسرحية بمنتهى الوضوح في مشهد الحوار بين رنا والطفل والممثلة الأخرى، حين تدمج الممثلة بين كلامها الجاد مع الطفل وضحكاتها العصبية الساخرة الخاصة بالمسرحية، وفي مشهد آخر يظهر عماد في بيته القديم مع الرجل المدان فيقف في المطبخ وهو ذو مستوى مرتفع عن الصالة التي يقف فيها الرجل، كأنه يملك القوة والسلطة عليه.

 

استباحة الجسد.. وانعدام الثقة

 "في مكتب من زجاج يطل على.. زئبق في الحديقة.. حيث تكون يد الفرضية بيضاء مثل ضمير الروائي.. حين يصفي الحساب مع النزعة البشرية.."

(محمود درويش)

 

في عصر الحداثة السائلة كما سماه الفيلسوف الراحل "زيجمانت باومان" أصبح الإنسان لا يملك شيئا، فحياته كلها وعمره كله مرهون لرزقه، ووقته كله منذور للاحتماء من قسوة الحياة، يعيش الإنسان بعدة وجوه في عالم هش متعدد الأوجه متغير المزاج متقلب الأحوال مضطرب الأوضاع. يعيش الإنسان في دور بائع متجول، وفي دور معلم ومربي، وفي دور الضحية المغدور بها وفي دور القوي المنتقم لكرامته، يتنقل الإنسان بين المكابدة والكدح فيقاوم ألمه لتستمر الحياة، لكن عندما تصبح كرامة الإنسان ومساحته الشخصية هي محل الصراع والاستباحة ومحل المعضلة الأخلاقية، فيجب أن تظهر المأساة.

 

لكن الحياة لا تسمح لنا بالتجريب وتصحيح الأخطاء، هي تمتصنا في دوامتها فتخنق الكلمات، وتتصلب الحناجر وتشخص العيون. يناقش الفيلم هشاشة المساحات في الحياة، فرنا زوجة عماد والتي تتعرض لحادث مأساوي نتيجة اقتحام أحد الأشخاص لبيتها وإصابتها في رأسها، تنهار أمام نظرة من متفرج في قاعة المسرح ذكرتها بتلك الحادثة، رنا هنا لا تستطيع أن تفصل بين دورين في الحياة، بين الزوجة المنتهَكة في الحياة وبين الزوجة التعيسة بالمسرحية، فتنهار باكية من أقل صرخة تصدر من زوجها.

 


نفس مثقفة ورقيقة وحساسة، قابلتها الحياة بمطرقة فوق رأسها بدون ذنب، فحين يمسي الإنسان في عالم شديد الوحشة تسوده علاقات مفككة وقلقة ويعمه عدم الثقة، حتى أن رنا ترفض أن تذهب وتشكي ما حدث لها للشرطة، فهي لا تثق بهم وتشعر أنهم ثقل زائد فوق رأسها بدلا من مؤسسة لحمايتها، يمسي هذا الإنسان في غربة تزيدها فقده لوطنه ولبيته المنهار فلا يتبقى له إلا مساحاته شديدة الخصوصية وجسده الذي صار أشد تلك المساحات خصوصيا، لكن عندما يستباح هذا الجسد، آخر ملجأ للإنسان في غربته، ماذا يتبقى له؟ تصبح الحياة ثقيلة لا تحتمل ويصبح الألم مضاعفا.

 

ضمور العام وتضخم الخاص

"عندما تأتي على ذكر الخصوصية، تفكّر في المنزل. عندما تصبح خصوصيتك مهددة، تشعر بذلك في عقر دارك. سؤال آخر لا أملك جواباً عنه: لمَ أمضي الكثير من الوقت في المطبخ في أفلامي؟
"

(أصغر فرهادي)

 

يتعمد فرهادي دائما مناقشة المعضلة الأخلاقية في سياق سينمائي أدبي متشابك فيقول: "فالصراع ليس من الضرورة أن يتصارع الخير مع الشر للوصول إلى خلاصة مفادها أن أحد الطرفين مخطئ والآخر محقّ، هو أمر ألهمني وتعلّمته من الشاعر الفارسي العظيم أبو قاسم الفردوسي. عندي، قد يقع الصراع بين الخير والخير" (8)، لكنه يتماهى مع العالم الحديث في صورته الحالية حين يخفي التضامن الاجتماعي، بحجة عدم تناول الحياة تناولا سياسيا، ويركز على الحياة الخاصة لإبطاله دون ربطهم بتمظهرات العالم المحيط وأوضاعه السياسية.

 

فحين ينزع القصة من إطارها ويغوص في أعماق حياة الإنسان بالمدينة، لماذا لا يتساءل أبطاله عن المسؤول عن كل ذلك؟ من المسؤول عن صورية القوانين وعدم قدرتها على تقديم حل، من المسؤول عن انهيار البيت، من المسؤول عن تشريدهم، من المسؤول عما حدث لزوجته؟ كل هذه الأسئلة لا يتطرق لها الفيلم لأنه يعلي الحياة، الحياة يجب أن تستمر لكن الحياة العامة تختفي، وتتضخم به الحياة الخاصة، وتصبح القضية الأهم. كمثل تضخم عناوين أسرار الممثلين والنجوم مقارنة بقضايا المجتمع والسياسة والفساد.

 

المواجهة مع الضمير
 
"لطالما سألتُ ما المعيار الذي يجب أن أستند إليه لمحاكمة سلوكيات الآخرين. هل عليه أن يكون معياراً أخلاقياً أو دينياً أو إنسانياً؟ الجواب الذي وجدته عن هذا السؤال هو أن المعيار الذي يجوز تطبيقه هو الضمير"

 (أصغر فرهادي)

 


كعادة المخرج فرهادي فهو يمتنع عن الإدانة في نهاية أفلامه، هو يحاول الاقتراب منهم وفهم أفعالهم عن كثب، ويتكرر ذلك مرة أخرى في البائع المتجول حين يظهر الرجل مرتكب الحادثة ومقتحم المنزل، مجرد رجل مسكين عمره كبير وشعره أبيض، تظهر على ملامحه علامات الإنهاك والمرض، يحاول كسب رزقه عن طريق أعمال متعددة في شوارع المدينة، لكنه يضعف أمام غريزته ويرتكب خطأ كبيرا في حق رنا زوجة عماد.

 

يواجهه عماد الرجل ويفسح فرهادي المساحة للمشاهد كي يدين هو، حيث يقول فرهادي: "أعتقد أنه عندما يمتنع المخرج عن الإدانة، فإنه يفسح المجال للجمهور كي يدين. إذا قلتُ مَن المُحقّ ومن المخطئ، فإنني أفرض على المُشاهد رأيي. فيختفي أي حوار بيني وبينه". (9) لكن المواجهة تزداد تعقيدا ويصر عماد أن تحضر زوجة الرجل وأبنائه ليعرفوا ماذا فعل. وينهار الرجل تحت وطأة الضغط النفسي ومرض قلبه.

 

لكن قلب الرجل الضعيف لا يشفع له عند عماد المجروحة كرامته، وتعيد رنا تهديدها بأنه إذا أخبر عائلة الرجل شيئا سينتهي كل ما بينهما، لكن علاقتهما تظل هشة وتنتهي حياة الرجل بصفعة انتقام على وجهه الذليل!

آخر الأخبار