انضم إلينا
اغلاق
هيمنة الشبكات التلفزيونية.. هل انتهى عصر السينما؟

هيمنة الشبكات التلفزيونية.. هل انتهى عصر السينما؟

  • ض
  • ض

"يذهب الناس إلى السينمات، ليس لجودة صوت أو صورة أو مقاعد أفضل، لكنهم يذهبون ليتشاركوا التجربة مع المشاهدين المحيطين بهم"

(رومان بولنكسي)

  

كان هذا هو رأي المخرج البولندي الشهير رومان بولنسكي تعقيبا على الأزمة التي أثارتها شركة "نيتفلكس" (Netflix) في مهرجان "كان" الأخير، وسبب الأزمة أن شبكة الإنتاج والتوزيع التليفزيوني التي تعرض إنتاجها حصريا لمشتركيها قد تولت توزيع فيلمين من الأفلام المرشحة لجوائز المهرجان، وبالتالي ستعرض كلا الفيلمين على لمشتركيها دون العرض سينمائيا في المهرجان، لأن القوانين الفرنسية تمنع الأفلام المعروضة بسينماتها من العرض على وسائط أخرى غير السينما قبل مرور ثلاث سنوات من عرضها السينمائي الأول.

 

هكذا حُرم الجمهور الفرنسي من مشاهدة فيلمين مشاركين بالمهرجان، وثارت ثائرته عن أحقية مثل تلك الأفلام التي لا تحترم العرض السينمائي في المشاركة بأهم مهرجان سينمائي بالعالم، وانتهى الأمر بأن قرر الفرنسيون تعديل شروط مشاركة الأفلام بالمهرجان من العام القادم لمنع الأفلام الموزعة حصريا على الإنترنت، لكن هيمنة وانتشار شبكات التليفزيون لن ينتهي، فكيف بدأ الأمر وإلى أين سيؤول؟

 

البداية
في بداية الانتشار عبر الإنترنت قدمت "Showtime" في عام 2010 على موقعها أربعمئة ساعة من البرامج التليفزيونية سابقة العرض (رويترز)
 
رغم أن شبكات شهيرة مثل "شو تايم" (Showtime) و"هوم بوكس أوفيس" (HBO) قد سبقتا "نيتفلكس" في الظهور والنجاح، وثبتتا أقدامهما كشبكات تليفزيونية تقدم أعمالا مميزة وناجحة فإن ظاهرة اجتذاب نجوم السينما للتلفزيون لم تظهر بكامل قوتها إلا مع ظهور المشاغبة "نيتفلكس".
 

في بداية الانتشار عبر الإنترنت قدمت "شو تايم" في عام 2010 على موقعها أربعمئة ساعة من البرامج التليفزيونية سابقة العرض، ثم لحق بها موقع "هوم بوكس أوفيس"، لكن كلا الموقعين كان يقتصر على تلك الأربعمئة ساعة من البرامج سابقة العرض، دون تقديم خدمات عرض مباشرة أو برامج تلفزيونية جديدة حصرية. لتظهر "نيتفلكس" بفكرة "فيديو عند الطلب" لتتيح لمشتركيها اختيار فيلم أو برنامج وعرضه ومشاهدته عبر موقعها، وذلك كتطور بديل عن تأجير إسطوانات الـ"دي في دي" (DVD) وشحنها، والذي كان أساس عمل الشركة منذ تأسيسها عام 1997. هكذا أصبح من الممكن لمشتركي "نيتفلكس" ومقابل أقل من عشرة دولارات في الشهر أن يشاهدوا ما شاءوا عبر موقعها، ثم عبر الهواتف الذكية، وكل وسائط العرض الأخرى المتاحة.

 

تتميز مسلسلات "نيتفلكس الأصلية" بعرضها لموسم كامل في عرضٍ مستمر دون فواصل، مع قدرتك على إيقاف العرض وإعادة تكملته وقتما تشاء، ما يوفر على متابعي المسلسل أزمة انتظار أسبوع كامل بين حلقة وأخرى

بعد قليل ستجد "نيتفلكس" أن هذا الانتشار وتلك الأعداد المتزايدة لمشتركيها تستدعي أن يكون للشركة عروضها الخاصة التي تميزها عن بقية الشبكات، هكذا ظهرت شركة إنتاج تحت اسم "نيتفلكس أوريجينالز"، وكانت البداية بظهور مسلسل "هاوس أوف كاردز" (House of Cards) على شاشتها في مطلع عام 2013. ورغم أن المسلسل إعادة إنتاج لعمل بريطاني الأصل لكن ارتباطه بأسماء دايفيد فينشر، وكيفن سباسي، وروبين رايت هو ماجعل الأنظار تلتفت لهذا الذي اجتذب نجوما سينمائيين كهؤلاء، وما زال المسلسل مستمرا في تحقيق نجاحات هائلة بموسمه الأخير الذي صدر في نهاية شهر (مايو/أيار) الماضي، حتى إنه يمكن اعتباره الفرس الذهبي لـ "نيتفلكس". الميزة الأخرى لمسلسلات "نيتفلكس الأصلية" هي عرضها لموسم كامل في عرضٍ مستمر دون فواصل، مع قدرتك على إيقاف العرض وإعادة تكملته وقتما تشاء، ما يوفر على متابعي المسلسل أزمة انتظار أسبوع كامل بين حلقة وأخرى.(1)


بعد الموسم الأول من "هاوس أوف كاردز" توالت التجارب التليفزيونية التي نجحت في ضم نجوم سينمائيين لامعين، فظهر ماثيو ماكونهي إلى جانب وودي هارلسون في مسلسل "ترو ديتيكتيف" (True Detective) الذي يعتبره البعض البداية الحقيقية لهذه الظاهرة، لنجاحه وتماسك روايته، والصورة السينمائية التي ظهر بها نتيجة لعمل المخرج كاري فوكو ناجا على إخراج حلقاتها بأكملها، وليس مجرد حلقتين منفصلتين أو أكثر كما هي العادة. المسلسل أنتجته شركة "HBO" وقُدم له جزء ثان بأبطال سينمائيين مختلفين وحكاية جديدة. شملت قائمة أبطاله أسماء مثل كولين فاريل، وفينيس فون، ورايتشيل ماك أدمز، ورغم أنه لم يحقق نجاحا كسابقه فإن الشركة أعلنت عن تقديم موسم ثالث لم يُعرف أبطاله بعد، وإن ترددت الشائعات عن أنه قد يضم بينيسيو ديل تورو.

 

الأسباب والمبررات

يصل المقابل المادي للنجمتين نيكول كيدمان وريز ويزرسبون في مسلسلهما "Little Big Lies" إلى 350 ألف دولار في الحلقة الواحدة

آي إم دي بي
 
يبرر بعض متابعي التليفزيون هذه الظاهرة لجودة الكتابة التلفزيونية في السنوات الأخيرة، ففي حين غرقت السينما في إعادة إنتاج أفلامها القديمة، وانهمك البعض الآخر في سلاسل الأبطال الخارقين التي لا تنتهي، لم يعد من السهل العثور على سيناريو سينمائي يغري بالتقديم.
 

أما مخرجو السينما ممن قد يضمن المشاهد معهم فيلما سينمائيا بعيدا عن التقليدية أو بعيدا عن الاعتماد على اللهاث خلف مؤثرات بصرية مبهرة فقد قلّت أعمالهم، وقد تمضي أربعة أو خمسة أعوام بين إنتاجين متتالين لهم. هنا يظهر جيل جديد من كتّاب التليفزيون، وتظهر شبكات الإنتاج التلفزيونية بأموالها الطائلة لتمنح نجوم السينما المصابين بالملل فرصة ذهبية للوجود داخل كل منزل عبر شاشات التلفزيون أو الحاسوب.

 

يوفر التليفزيون الآن انتشارا ممتازا لنجومه، وأجورا عالية، وكتابة متميزة لأعمال درامية يتابعها المشاهدون وقتما شاءوا، فلم المغامرة في شباك التذاكر في سينمات قل زوارها؟

بالنظر إلى هذه المبررات بتمعن ربما لا تقنعنا تماما، فالعديد من المسلسلات التي ظهرت على الشاشات مؤخرا هي إما إعادة استثمار لنجاح أفلام قديمة شهيرة، كمسلسل "Fargo" الذي أنتجته شبكة "FX" بمشاركة الأخوين كوين صاحبي القصة الأصلية، وكتبه للتليفزيون نواه هاولي، والذي رغم اختلاف قصص مواسمه الثلاثة عن قصة الفيلم الأصلي الذي صدر عام 1996 فإنه اجتذب نجوم السينما أمثال بيلي بوب ثورنتن وكيرستن دانست ويوان ماكجريجور، وما زال موسمه الثالث يحقق النجاح حتى لحظة كتابة هذه السطور. كذلك ظهرت نسخ أقل نجاحا لمسلسلات مستوحاة عن قصص أفلام ناجحة وشهيرة، فظهرت مواسم أولى لكل من "Snatch" و "12 Monkeys" و "A Series of Unfortunate Events"، وإما أنها مسلسلات أبطال خارقين مماثلة لما تقدمه السينما، فشركة "نيتفكلس" قد استحوذت على حقوق إنتاج مسلسلات لأبطال مارفيل وقدمت بالفعل عدة مواسم من "Agents of Shield" و "Daredevil" و "Flash" وغيرهم.

 

إذن فالكتابة الجيدة ليست هي المبرر الوحيد، لكن يمكن إضافة سببين قويين لها: الأول هو الجمهور الجديد للتليفزيون، فمع وجود هواتف ذكية أو حواسيب لوحية بين أيدي أغلب المشاهدين، وتلك المميزات التي توفّرها اشتراكات الشبكات من العرض والإيقاف وقتما شاء المشاهد، والمشاهدة دون فواصل إعلانية، فإن الأمر كله يوحي بأن عصور مشاهدة التليفزيون التقليدي إلى زوال، ما دعى إلى الحاجة لوجود تنوع في البرامج والمسلسلات التي تقدمها تلك الشبكات، خاصة وأن المنافسات محتدمة بين الشبكات المختلفة التي تتهافت على النجوم الأكثر شهرة وجاذبية للمشاهدين ليظهروا عبر شاشتها، مع وجود ميزانيات إنتاجية هائلة لا تبخل على تقديم الأعمال التليفزيونية بجودة سينمائية.(2)

 

السبب الثاني ربما يختص أكثر بنجوم السينما الذين أتيحت لهم الفرصة للظهور المستمر على شاشات مشاهديهم، والذين يحصلون على مقابل مادي ضخم وصل إلى 350 ألف دولار في الحلقة الواحدة في حالة النجمتين الحاصلتين على الأوسكار نيكول كيدمان وريز ويزرسبون في مسلسلهما "ليتل بيج لايز" (Little Big Lies) الذي أنتجته "HBO". إذن يوفر التليفزيون الآن انتشارا ممتازا لنجومه، وأجورا عالية، وكتابة متميزة لأعمال درامية يتابعها المشاهدون وقتما شاءوا، فلم المغامرة في شباك التذاكر في سينمات قل زوارها؟

 

من إنتاج المسلسلات إلى الأفلام

  
لكن هل تكتفي تلك الشبكات بما تقدمه من دراما تليفزيونية طويلة في مسلسلاتها؟ تبرز الإجابة بنفي كإجابة منطقية، حيث أن هناك الكثير من المشاهدين ممن يفضلون قضاء ساعة ونصف مع فيلم جيد دون الحاجة لمتابعة عشرات الساعات من مسلسل ما. هؤلاء المشاهدون حققت لهم "نيتفلكس" التوازن بإقدامها على توزيع أفلام تُعرض خصيصا على مشتركيها دون غيرهم من رواد السينمات أو مشتركي الشبكات الأخرى.

 

أول هذه الأفلام كان فيلم "Beasts of no nation" الذي أخرجه كاري فوكوناجا وقام ببطولته إدريس إلبا. ورغم التوزيع غير السينمائي للفيلم إلا عبر المهرجانات فإنه استطاع تحقيق النجاح على مستوى النقاد، والجماهير، ومنحته المشاركة في المهرجانات عددا من الترشيحات والجوائز.(3)

 

ثم كانت الخطوة المنطقية التالية أن تبدأ في إنتاج أفلامها الخاصة، وفي الوقت الذي يؤكد فيه بعض المخرجين على أن السينما تُقدم صورة مليئة بالتفاصيل تناسب العرض على شاشات عملاقة، يؤكد منتجو "نيتفلكس" أن هدفهم ليس المنافسة مع السينما، لكن تقديم إنتاج درامي مختلف يناسب مشاهدي التليفزيون ممن يبحثون عن قصة، لا مشاهد مغرقة في الإبهار كالأفلام الكوميدية الخفيفة أو الوثائقية. وشبّهوا الفارق بين المشاهدة عبر الشاشة بدلا عن السينما بمشاهدة المباريات الرياضية عبر الشاشة بدلا عن الإستاد.

 

نطاق العالم العربي
الموسم الرمضاني هذا العام تخطت تكلفة مسلسلاته العربية مليارا وربع، على حين لم تتخط تكلفة أفلام العام الماضي في موسمي عيد الفطر وعيد الأضحى مئة وثمانون مليون جنيه. تبدو المقارنة مجحفة بالنظر لنجوم السينما التي احتلت شاشات التليفزيون بين أحمد السقا، وكريم عبدالعزيز، وشريف منير، وآسر ياسين، وحتى الصاعدين كوميديا أمثال أحمد مكي، وأحمد فهمي، بالإضافة إلى النجوم الذين اعتادوا الظهور في مسلسلات رمضان بعد أن تركوا السينما، كعادل إمام، ويسرا، وغيرهم الكثيرين.

  

  

هؤلاء النجوم وغيرهم كانوا يتجنبون في الماضي الظهور في المسلسلات لاعتبارها أعمالا مرهقة لهم،  وكان أكثرهم يتحدث عن صعوبة خوض المغامرة، ويرجع ذلك لدخولهم شاشة المتابع دون طلب خاص منه، بينما لا يعد التلفزيون في وقتنا الحالي مغامرة يخشى عواقبها، بل صار توزيع المسلسلات في الموسم الرمضاني فرصة ذهبية مع ضمان بيع الدقيقة الإعلانية بمبالغ طائلة. فمسلسل "عفاريت عدلي علام" الذي يقوم ببطولته عادل إمام، وتكلّف إنتاجه ما يقارب 120 مليون جنيه، تُباع الدقيقة الإعلانية خلاله بـ 180 ألف جنيه. وهو المسلسل الذي أنتجته مجموعة قنوات "MBC".

 

بالمقارنة بين الإنتاج التليفزيوني العربي والأميركي، نجد أن أسباب وجود نجوم السينما العربية لم تختلف كثيرا عن نجومها الأميركيين، فجمهور السينما اختلف عن الماضي، والنجاح لم يعد مضمونا مع تناقص أعداد مرتادي السينما العربية، ما حجّم المنتجين عن الإقدام على إنتاجات ضخمة إلا فيما ندر، في حين أصبحت الأفلام الكوميدية الخفيفة قليلة التكلفة مضمونة النجاح -نوعا ما- في موسم الصيف الذي ضم موسمي العيدين، بالإضافة إلى ظهور ورش الكتب التليفزيونية التي تُخرج كتابة درامية بأفكار جديدة يغدق عليها المنتجون بتكلفة إنتاجية عالية مضمونة الربح.

 

في النهاية، يتصور الكثيرون أن التليفزيون سيستمر في فترته الذهبية، لكنه لن يتغلب على السينما بأية حال، حتى مع تناقص مرتادي السينما، حيث أن السينما تجربة اجتماعية كاملة لا مجرد وسيط لعرض إنتاج فني معين، وعلى كل حال فاستمرار المنافسة بين الشبكات المختلفة والوسائط المتعددة يصب لصالح المشاهد الباحث عن المتنوع والجديد فيما يُقدم له.

آخر الأخبار