انضم إلينا
اغلاق
"قضية رقم 23".. الاعتذار كان سيحلّ كل شيء!

"قضية رقم 23".. الاعتذار كان سيحلّ كل شيء!

إسلام السقا

محرر سينما
  • ض
  • ض

مساء يوم الأحد العاشر من أيلول/سبتمبر الماضي، كان عدد من أفراد الأمن اللبناني في مطار رفيق الحريري ببيروت بانتظار هبوط الطائرة التي تحمل بداخلها المخرج زياد دويري القادم من إيطاليا، بعد أن نال واحد من أبطال فيلمه الأخير "قضية رقم 23"، الممثل الفلسطيني كامل الباشا، جائزة أفضل ممثل في مهرجان البندقيّة السينمائي.

       

صُودرت جوازات سفر المخرج اللبنانية والفرنسية، واحتجز ليُحال بعدها إلى محكمة عسكريّة للتحقيق على خلفيّة دخوله الكيان الصهيوني عام 2012 لتصوير فيلمه "الصدمة" The Attack. صباح الاثنين خرج دويري من المحكمة بعد أن قررت الأخيرة عدم وجود "نيّة إجرامية" في فعلته تلك.

          

ينصّ القانون اللبناني على تجريم أي تعامل أو زيارة لدولة الاحتلال الإسرائيلي دون موافقة من البرلمان اللبناني، كل ما طُلب من دويري هو أن يعتذر عن زيارته تلك وهو ما أصرّ على عدم فعله. يرى دويري أنّ كل ما يحدث لا يعدو كونه محاولة لتشويهه هو وفنّه، أمّا بالنسبة إليه فهو قد "رضع حب فلسطين مع حليب أمّه"(1) ولا يسمح لأحد باتهامه بالتطبيع!

       

زياد دويري حاملا جوازي سفره بعد انتهاء التحقيق معه

مواقع التواصل
      

ينفي دويري تهمة التطبيع رغم مكوثه أحد عشر شهرا في الأراضي المحتلة واستعانته بممثلين وطواقم اسرائيلية للعمل معه ودفعه الضرائب لدولة الاحتلال وإجراء مقابلة مع القناة الثانية الاسرائيلية، وهو ما يعتبره الكثيرون سقطة أخلاقية كان يجب على زياد دويري الاعتذار عنها للشعب اللبناني.. ولكنّ دويري رفض الاعتذار واستمر في نهجه حتى قرر مركز صهيوني في الولايات المتحدة استضافته للإجابة على أسئلة الجمهور بعد عرض الفيلم.(2) رفض دويري الاعتذار كان سببا لاعتبار الكثيرين أن المصالحة المجتمعية التي يدعو إليها فيلم "قضية رقم 23" مجرد زيف غير قابل للتحقق.(3)

         

"كل اللي بطلبه هو اعتذار"

(طوني حنّا، أحد شخصيات الفيلم)

            

طوني حنّا مواطن لبناني مسيحي ينتمي تنظيميا لحزب القوات اللبنانية، الحزب الذي أسسه القيادي بشير الجميل عام 1976 كمليشيا عسكرية ضاربة عُرفت بارتكابها لمجازر قاسية بحق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وتحالفها المثبت مع الاحتلال الاسرائيلي(4) قبل أن يتعرض الجميّل للاغتيال قبيل تسلّمه منصب رئيس الجمهورية اللبنانية في سبتمبر/أيلول من عام 1983 على يد اللبناني حبيب الشرتوني الذي حُكم عليه في أكتوبر/تشرين الأوّل الماضي بالإعدام بعد 33 عاما قضاها في السجن.

 

يبدو أن التاريخ الذي يحمله طوني حنّا والذي يؤدي دوره بمهارة غير متوقعة الفنان اللبناني عادل كرم، ثقيل للغاية، ولكن هل يسمح هذا الثقل الذي انتهى زمنه أن يُفسد المسكوت عنه ويحرّك الضغائن الدفينة في الوقت الحاضر؟ كان طوني على موعد غير سار مع أحد المهندسين التابعين للشركة التي تشرف على أعمال البلديّة في الحي الذي يعيش فيه.

               

ذات يوم لاحظ ياسر سلامة، المهندس الفلسطيني المُشرف على سير العمل، تسرّب الماء وسقوطه على رؤوس عمّاله من شُرفة أحد المواطنين. يصعد سلامة ويدقّ باب الجار ويعرض عليه بهدوء إصلاح الخلل في شرفته. هنا ينتبه طوني حنّا إلى لهجة سلامة فيدرك أنه فلسطيني ومع هذا الإدراك تظهر فجأة عدائية طوني حنّا فيطرد سلامة.

                  

               

عند بداية الفيلم يتخمنا دويري بمشاهد تحمل رسالة واحدة في مجملها تتعلق بتعصّب طوني حنّا السياسي. يحضر الرجل مؤتمرات "حكيم" الحزب، ويستمع لأغاني الحزب في سيّارته ويعلّق صورة للحكيم فوق سرير ابنه المُرتقب وصوله في وقت قريب ويستمع لخطابات مسجّلة لبشير الجميّل في مرآبه أثناء عمله وبصوت عال.

 

حتى هذه اللحظة فإنّ عالم طوني حنا الذي نعرفه هو عالم سياسي مشحون بغضب غير مفهوم يتضح لاحقا أنه ينتمي لعائلة ارتكب الفلسطينيون بحقها مجزرة أدت إلى تهجيرهم من بلدتهم "الدامور" في سنوات الحرب الأهلية.

         

رغم مرور كل تلك السنوات على حادثة "الدامور" لايزال طوني حنّا يشعر بالمأساة وكأنها حدثت بالأمس، هذا الإحساس لم يكن موجودا لدى ياسر سلامة الفلسطيني المحروم من أدنى حقوقه في لبنان والذي يعيش في مخيّم يفتقر لأدنى مقومات المعيشة الكريمة، والذي سيفقد عمله في مرحلة لاحقة من الفيلم لا لشيء سوى لكونه لاجئ فلسطيني في لبنان.

                       

في عالم الفيلم هناك شخصيتان بماض عنيف وحاضر صعب، ينتمي كلاهما للطبقة المتوسطة ويعتبر كلّ واحد منهم نفسه لاجئا مُشرّدا من مسقط رأسه ولا يبدو أن أي منهما على استعداد لتفضيل أي أمر على حساب كرامته الشخصيّة. مع ذلك لم تكن معالجة دويري لفيلمه على نفس القدر من المساواة، رغم خلقه لتشابهات فردية بين الرجلين، مبادئهما وتطلعاتهما والتزامهما التاريخي، ولكنه تحيّز لصالح اللبناني المسيحي كما قال في واحدة من مقابلاته.(5)

         

 

"عندما كبرت اكتشفت أن الافكار التي كان يطرحها بشير الجميّل كانت وطنية للغاية وانا لم أفهمها عندما كنت معاديا لتوجهاته قديما ربما لأنني كنت طفلا" قال دويري الذي شارك اللبنانية جويل توما كتابة سيناريو الفيلم وقام هو بكتابة مشاهد طوني حنا على وجه الاختصاص.

        

يتعدّى ارتباط دويري بشخصية طوني حنّا بالفيلم إلى محور أكثر دراماتيكية عندما يفصح بأن الحدث الذي بني عليه الفيلم (سقوط المياه على العامل وشتم صاحب المنزل للفلسطيني بجملة شارون موضع الخلاف وسبب الانفعال) حصلت بالفعل مع زياد دويري قبل عدة سنوات. (6)

                                

في الفيلم يقول طوني حنا جملة قاسية لياسر الفلسطيني تتسبب في هدم أي فرصة للصلح بين الرجلين كان من شأنه أن يُساعد على تدارك الأزمة. تؤدي تلك الجملة إلى تصاعد الأمور لتتحول في غضون أيّام إلى قضيّة رأي عام يتجيّش مع كل طرف فيها عدد كبير من المؤيدين حتى تصل إلى مواجهات واحتجاجات في شوارع بيروت.

            

"ياريت شارون محاكن عن بكرة أبيكن"

(طوني حنّا، أحد شخصيات الفيلم)

                  

         

رغم الكتابة التشاركية لسيناريو الفيلم ولكنه لم يخل مما قد يعتبره البعض سذاجة على مستوى النص، كوجود لبناني لا يعرف حدود التعامل الأمني الرسمي مع المخيمات الفلسطينية داخل لبنان أو وجود قاض قادر على الحكم بما وراء الكلام لا بما أمامه من حقائق ومعلومات واتهامات، أو مشهد استدعاء رئيس الجمهورية لكل من طوني وياسر من أجل إجبارهم على الصلح، أو على مستوى العرض المُسطّح للشخصيات التي تبدو حياتها متمحورة حول الحدث الأساسي في الفيلم قبل بدئه، لا أن يكون الحدث هو ما أثر على خطوط سير معيشتهم الطبيعية بقدر كاف.

           

قد يبدو خطاب دويري في هذا الفيلم مشابها لما عرضه في فيلمه السابق محلّ الجدل والخلاف "الصدمة"، من ناحية التركيز على قضايا وتجاهل أخرى في ما يتعلق بالموقف السياسي من حدث ما. في "قضية رقم 23" يركز دويري في الربع الأخير من فيلمه على مجزرة "الدامور" من بين كل المجازر التي حصلت في لبنان، وهو الموضع الحقيقي الذي يُمكن للمُشاهد أن يفهم فيه تصريحات دويري عندما قال إنه تحيّز للمسيحي اللبناني. فبكل بساطة، لو قلب دويري الآية واختار أي مجزرة أخرى، لظهر أن الحقّ يهرول نحو الناحية الأخرى، وهو تلاعب ذكي من رجل يدرك تأثير السينما. تماما كما فعل مع استدعاء جانب واحد من قصّة وأحداث "أيلول الأسود" في الأردن.

         

تجري معظم أحداث الفيلم داخل قاعة المحكمة التي يلجأ إليها طوني حنا للنيل من ياسر سلامة الذي لم يتملّك غضبه وقرر لكم حنّا في معدته بعد أن شتمه الأخير قائلا "ياريت شارون محاكن عن بكرة أبيكن" فيما كان بشير الجميّل يصرخ عبر مكبر الصوت "الفلسطيني داير على بلاد العالم عم بخرّب ببلاد العالم عم يشرب من بير بلاد العالم وعم يرجمها بحجر". ولكن لم يُفلت دويري من الفخ السينمائي الأصعب والمتمثل بالخطابيّة داخل قاعة المحكمة، أي تحوّل قاعة المحكمة من مكان لاستعراض الحقائق إلى مكان لإلقاء الخطب الوعظية والأخلاقية والحكم التاريخية وهو ما يغمس دويري كلتا يديه فيه طيلة الفيلم.

           

في مقابل ذلك، فإن ما ظهر في الفيلم على أنه ثنائيات متضادة يتضح لاحقا أنها واحد يجمع الشتيتين، الفلسطيني واللبناني، اللاجئ وابن البلد، الأب المأدلج وابنته التي تريد محو أفكار الجيل القديم، المسيحي والمسلم .. وطوني وياسر. كل منهم يجد في داخله ما هو مشترك مع الآخر الذي يساعده رغماً عنه على فهم ذاته. وقد يتضح هذا في الخط الدرامي الذي جمع بين المحامي المغتر بذكائه وجدي وهبي (كميل سلامة)، الذي يدافع عن طوني، بالإضافة إلى ابنته (ديامان بوعبود)، التي تتحداه، مدافعة عن ياسر.

          

            

يتضح أن الموقف النسائي في الفيلم، وهو الموقف الذي يتلقى تجاهلا لعدم بروزه بتأثر على الأحداث،(7) هو الأكثر قرباً لفهم واقع الأزمة. زوجات الرجال تفهمن ما يحدث تماماً ويعتبرنه مجرّد تنفيس عن غضب داخلي قديم لدى شخصيات كانت تعتبر أنها تجاوزت هذا الحنق التعصبي المدمر. الفلسطيني الذي يعمل في حي مسيحي بحذر ويأمر رجاله بالصلاة بعيداً عن الأنظار والمسيحي الذي حضر للتو اجتماعا لزعيم حزبه يعلن فيه الانتقال إلى العمل السلمي.

       

حاولت كاميرا دويري أن تكون كاشفة للمجتمع اللبناني متفهمة لدوافعه ومتخوفة من انفعالاته القابعة على طرف الأشياء دوماً، ولكنه فشل في ذلك عندما قرر إختتام فيلمه بمشهد ابتسامات متبادلة بين كلا الخصمين المسيحي والفلسطيني،(8) فيما يشتعل الشارع والتلفزيون والقضاء من حولهما؛ نهاية رومانسية ركيكة تؤثر بكل تأكيد على شكل الفيلم ولكنها لن تنتقص من أداء أبطاله، عادل كرم وكامل الباشا.

          

بعد العرض الأول للفيلم في بيروت بأقل من شهرين عاصفة أخرى ستثور في رام الله بعدما كان عدد من الشباب قد أسس لحملة مقاطعة ومنع عرض الفيلم في المدينة ضمن فعاليات "أيام سينمائية في فلسطين" وهو ما تمّ في نهاية الأمر، بعد أن قررت  بلدية رام الله وعلى لسان رئيسها موسى أبو حديد منع الفيلم من العرض "استجابة لأصوات العقلاء"،(9) الأمر الذي أدى إلى عاصفة مضادة من المثقفين الفلسطينيين والكتّاب الذين رأوا في هذه الخطوة تحولا خطيرا على صعيد الحريات.

            

في النهاية، يبدو أن الفيلم فشل في إيصال رسالته إن كانت المصالحة هي إحدى رسائله بالأساس كما يقول دويري دوما. خالقا المزيد من الاختلاف في كل من لبنان وفلسطين اللتين لا يزال الكثير من مثقفيها ينتظرون اعتذارا من زياد دويري كان من الممكن له أن يحلّ أزمة كبيرة، تماما كما كان اعتذار ياسر سلامة لطوني حنا في فيلمه سيحلّ أزمة مشابهة.

  

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار