انضم إلينا
اغلاق
الإنسان بين الملائكة والشياطين.. سعي لتحطيم الغرور الإنساني

الإنسان بين الملائكة والشياطين.. سعي لتحطيم الغرور الإنساني

محمد مدحت

محرر فن
  • ض
  • ض

"ربما أرى الموت بشكل مختلف, لقد عملت في مشرحة لفترة, رأيت المشنوقين و المحروقين أحياء و مقطعي الأطراف و لهذا أرى الأشباح الصناع الحقيقيين للتاريخ" (1)

(خيلرمى ديلتورو)

       

منذ رائعته (Pan's labyrinth) انشغل ديلتورو بهوليوود على مدار العشرة أعوام الماضية ليصنع أفلاما لا تحمل أيا من ملامحه، خيبت جمهوره ولكنها أسعدت شباك التذاكر. هذا العام يعود ديلتورو لعالمه الأصيل الذى أتى منه وصنع مجده عالم الأساطير اللاتينية والخيالات اللامحدودة، حيث يتقاطع الواقع مع الخيال صانعا خليطا أصيلا لا تراه إلا من مخرجي أميركا اللاتينية. يعتبر شكل الماء آخر ثلاثية ديلتورو فى هذا العالم بعد (The devil backbone) ورائعته(Pan's labyrinth) . لقي الفيلم ترحيبا نقديا لم يلقاه ديلتورو منذ فترة طويلة وترشح لسبع جوائزgolden globe  ليكون أكثر المرشحين هذا العام. (2)

 

تدور أحداث الفيلم في بدايات ستينيات القرن العشرين حيث تصنع الحرب الباردة سخونة يمكن تمييزها فى كل أنحاء أميركا، وصل الروس للفضاء أولا فيعد كينيدي العالم أن يصل الأميركيون للقمر أولاً و يخلف هذا السباق عاصفة من الكراهية نحو أي حديث مخالف للقطيع، صوت اليمين أعلى من أي وقت مضى وتهم الشيوعية تطارد أي صوت يدعو للتعقل، يصور الإعلام الأميركي السوفييت كأنهم أوغاد بالفطرة واليسار المثقف باعتباره طابورا خامسا يقطع أوصال المجتمع من الداخل، كل هذا لا يصلح لتجاوز أزمات حقيقية داخل النسيج الأميركي، فحقوق الملونين أصبحت قنبلة موقوتة وفي ظرف شهور يقف مارتن لوثر كينج ليقرأ على الجماهير المحتشدة إنجيل عهد الملونيين الجديد، بينما جماعات الفهود المسلحة تجمع عدادها لتبدأ القتال فالخطب لن ترفع الظلم، الرجل الأبيض داخل أميركا يشعر لأول مرة بتهديد حقيقى للحق الإلهي الذى حباه به الله، فما بال هؤلاء يريدون تغيير نواميس الكون، وعلى الجانب الأخر تتكون داخل الجامعات بداية مجموعات الهيبيز التي قررت اعتزال كل هذا الجنون وتكوين مجتمعها الجديد.

              

            

وسط هذه العاصفة يحكي لنا ديلتورو قصة الأميرة التي لا تتكلم كما وصفها. ((Sally Kawkins التى شاهدناها مع وودي الين في  (The blue jasmine) تقدم دور إليسا، فتاة بكماء غريبة الأطوار تعمل كعاملة نظافة في هيئة تابعة لسلاح الجو الأميركي حيث قادها قدرها لتجد نفسها صدفة داخل أحد المختبرات السرية في مواجهة مع كائن تم اصطياده من الأمازون حيث كان يُعبد كإله من قبل السكان المحليين، فيتم اقتياده لدراسة كيفية قدرته على التنفس تحت الماء فربما يساعد في تحقيق الحلم الأمريكي للصعود للفضاء، ليحدث ما لا يمكن توقعه وتقع الفتاة غريبة الأطوار في حب الكائن المخيف ذي الخياشيم والعيون الكبيرة ثلاثية الجفون.

       

الفيلم مأخوذ عن فيلم أميركي قديم يدعى (Creature from the black lagoon) شاهده ديلتورو في صغره حسبما أدلى في أحد لقاءاته وتأثر بطريقة تقديمه ككائن متوحش يستحق القتل، كما حدث في النسخة الأصلية. "طابو" العلاقة بين فتاة ووحش لا يمكن اعتباره شديد الأصالة فقد تكرر في عدة مناسبات مثل كينج كونج ومسخ فرانكشتاين، لكن الأمر امتد هذه المرة لتصبح علاقة كاملة بين نوعين مختلفين من الكائنات.(3)

         

تعاطف ديلتورو مع الوحوش في أفلامه ليس وليد اللحظة بل يمكن اعتباره امتدادا لكل أفلامه السابقة فنجده في(The devil backbone) شديد التعاطف مع شبح الفتى الصغير وفي (Blade) يمثل الخير مصاص دماء ويستمر الأمر في (Hell boy) فقدم ديلتورو ابن الشيطان باعتباره إنسانا يحب و يمزح وليس شريرا كما يمكن أن نتصور كائنا أحمر بقرون وذيل!

                

يفسر ديلتورو علاقته بوحوشه بعقد طفولته وتوحده في خياله داخل عالم من الوحوش وطلب العون منها في مقابل العرفان بالجميل، ويبدو أنه مازال على عهده وهو في العقد السادس من العمر.(4)

              

          

ما وراء الأسطورة .. عن أميركا التي يريدونها
"الفيلم عن أمريكا الستينيات التي يراها البعض أميركا العظيمة و يريدون إعادتها, ستلاحظ أنها مقسمة و ليست بالجمال الذى يمكنك أن تتصوره"  
(ديلتورو) (5)
           

يعرض ديلتورو بذكاء صورة المجتمع الأميركي في بدايات الحقبة الستينية، تبلغ الصورة أشدها في تصوير الضابط الأمريكي الذي لعب دوره (Michael Shannon) وهو مثال للعسكري الأميركي الأبيض الفاشي مع الجميع والمعادي لأي شيء غير أميركي. كرر ديلتورو هذه الصورة في كل أحاديثه مع تعليقات خبيثة تتصل بالإدارة الأميركية الحالية وتوجهاتها اليمينية. (6)

           

الآخر هنا ليس الروس فقط، بل والسود بطبيعة الحال وتمثلهم زميلة في العمل ولعبت دورها ببراعة  (Octavia Spencer)  بل والمثليون أيضاً ويمثلهم هنا (Richard Jenkins) جار إليسا العجوز العاطل عن العمل والباحث عن الحب ويمكن اعتباره أفضل أدواره منذ فيلم الزائر 2007 الذي ترشح عنه للأوسكار.

      

يستمر الفيلم في الخط العام لأفلام ديلتورو فأبطاله دائما غريبو الأطوار ومنبوذون اجتماعيا وواسعو الخيال كأن ديلتورو ينتصر لنفسه عندما ينتصرلأبطاله في أفلامه. وتستمر الرمزية أيضاً في تشبيه الكائن بالمسيح الذي يحيي الموتى ويعالج الجرحى ويعيد الشباب، ومسيحنا هنا أيضاً تم تعذيبه وقتله -حسب الرواية المسيحية- لكنه قام من الموت أيضا إلها كاملا. خلفية ديلتورو الكاثوليكية لازمته في معظم أفلامه حتى في محاولاته لإنكارها ويمكن اعتبارها الملمح الثاني لسينما ديلتورو بل وسينما أميركا اللاتينية بشكل عام.

            

ربما نلاحظ ضعفا في القصة في الجزء الأخير من الفيلم وإضافة مشاهد لا تفيد كثيراً في التصاعد الدرامي، ولكن لم يصل الأمر لحد الملل، ويمكن اعتبارها محاولة منه للتركيز على باقي الشخصيات لأن العلاقة بين إليسا والكائن استهلكت معظم أجزاء الفيلم.

         


                     

أكثر ما يثير في الفيلم قصة الحب غير المألوفة بيت فتاة صماء وكائن لا يتكلم أيضا بطبيعة الحال، و كيفية التواصل بينهما وبالتأكيد الاتصال الجنسي الغريب كقصة حب من عالم هاروكي موراكامي و ماريو يوسا ولكنه استطاع تقديمها دون إثارة حفيظة المشاهد.

      

دليل ديلتورو لصناعة مشاهد خالدة
يمثل شكل الماء ذروة ديلتورو التقنية وتأكيد أن جعبته السحرية لم تفرغ بعد، تطلب الأمر ثلاث سنوات، حسبما أعلن ليفرغ من التصور النهائي لشكل الوحش لإصراره على عدم استخدام تقنيات الـ CGI  في تصوير الوحش والالتزام بالأساليب القديمة، مما صنع واقعية لم تكن تبلغها أبدا التقنيات الرقمية، لا يقتصر الأمر على التقنية فقط بل ويمتد للصورة.
 
أصبح من الممكن أن نقول إن لديلتورو أسلوب تصويره الخاص الذي تطور من أول أفلام رعبه المكسيكية ثم اندماجه مع التقنية الحديثة في هوليوود في رحلته التي بدأت مع (Guillermo Navarro) في  (Pan's labyrinth)و  (Hell boy)ثم استمرت مع (Dan Laustsen), استخدم الكادر المتحرك ببطء في مشاهد طويلة مع صبغ الكادرات بلون بعينه جعلها أشبه بلوحات انطباعية من بدايات القرن العشرين، فاللون الأخضر داخل البيت يوحي بالسلام و رمادي قوطي داخل المؤسسة العسكرية ليوحي بالقلق والأزرق أثناء مشاهد الحب يوحي بالصفاء، صانعا أهم عناصر الفيلم وأجمل مشاهد هذا العام، ربما كان عدم ترشحه للـ golden globe  أفضل تصوير أول مفاجآت موسم الجوائز، ولكن ترشحا متوقعا للأوسكار يبدو في الأفق.(7)

                         

           

تستمر الكلاسيكية مع موسيقى (Alexandre Desplat) البديعة مع استخدام أغان من الستينيات وهي عادة قديمة عند ديلتورو، وكان موعدنا تلك المرة مع أشهر أغاني سيرجي جاينسبرج (La Javanaise) و (You will never know) كل هذا أضاف إلى شاعرية الفيلم مما طغى على أي عيوب للقصة، و يمكن فهم هذا التوجه منذ أعلن ديلتورو أن النية المبدئية للفيلم أن يكون موسيقيا و ليس دراميا، ليذكرنا بمقولة فرانسس كوبولا: يحب المشاهدون التأثر بالأفلام وليس التفكير في معانيها، يمكنهم التفكير بعد ذلك ولكن غرض السينما هو تكثيف المشاعر. (7)

              

عندما يختلط الواقع بالخيال: المشاهد يحدد مصير أبطاله
"لقد ولدنا بالخطيئة الأولى - حسب اعتقادي الكاثوليكي - و باءت كل محاولاتنا للكمال بالفشل, أجد نفسي أتحرر من تلك الخطيئة مع الوحوش,  نحن أقرب للشياطين منا للملائكة" (8)
      

كعادة ديلتورو يتركنا في النهاية في حيرة من أمرنا دون أن يحسم النهاية بخط فاصل بين الواقع والخيال ويترك لمشاهده الحق في تخيل النهاية التي يريد، ولكن المؤكد أنه استطاع إحراز انتصار حقيقي في منطقة شائكة،ر بما لا يروق للبعض التفاعل مع الفكرة غريبة الأطوار القائمة على علاقة عابرة للأنواع، ولكن المعنى الأهم وراء الفكرة أن نتقبل الغرائبية حتى لو لم نستوعبها.

               

يرى ديلتورو أن "شكل الماء" أقرب الأفلام له، وله الحق في الاعتزاز به فقد شهد قمة إنتاجه في الكتابة و الإخراج وسار به خطوة أخرى نحو أوسكار طال انتظارها. يمكننا اعتبار "شكل الماء" انحيازا للحب ضد الكراهية وللتسامح ضد التعصب وللغرائبية ضد الاعتيادية، ولوحوش ديلتورو ضد وحوش هوليوود.

آخر الأخبار