انضم إلينا
اغلاق
"ذا بوست".. هوليوود تهاجم ترمب بأثقل أسلحتها!

"ذا بوست".. هوليوود تهاجم ترمب بأثقل أسلحتها!

محمد مدحت

محرر فن
  • ض
  • ض

ليس من باب التجني لو اعتبرنا أن هوليوود عزفت عن الساحة السياسية في السنوات الأخيرة، بالتحديد مع حالة الاستقطاب داخل الولايات المتحدة وصعود اليمين المتطرف، كما يمكن أن نضيف لهذا العزوف ابتعاد المخرجين الكبار من فئة أوليفر ستون وسبيلبرج عن الإنتاجات الكبيرة لظروف السن ربما، ولشعور مستقر داخل شركات الإنتاج منذ فترة بابتعاد المشاهدين عن حضور الأفلام الجادة مع تغير الفئة العمرية التى ترتاد السينمات، ويأتي ذلك بالتزامن مع ضعف الإقبال على قاعات السينما بشكل عام بعد ظاهرة نيتفلكس، كل ما سبق بهوليوود للجنوح ناحية الاستثمار الآمن في أفلام الأكشن والدراما الرومانسية وسلاسل الأفلام في الفترة الماضية.(1) كل هذه الظروف شكلت أهمية ظهور فيلم "The post" في هذا الوقت من العام. 

        

نيكسون: رجل البيت الأبيض الذي لا يمكن إيقافه
تدور أحداث الفيلم في نهاية عهد الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون في ظروف متشابهة بصورة قد تثير استغرابا مع الوضع السياسي الحالي القائم في أميركا مع التحقيقات الجارية مع ترمب. في الزمن الذي يستعرضه الفيلم، لم تكن قد هدأت بعد عواصف الغضب ضد الحرب الفيتنامية، عشرات الآلاف من القتلى على بعد آلاف الأميال من وطنهم في حرب طال أمدها بشكل غير مفهوم، بالإضافة إلى تلميحات واضحة برغبة الولايات المتحدة في البقاء فترة أطول. شوارع العاصمة لا تخلو من المظاهرات المطالبة بوقف الحرب، والرئيس الأميركي يتحدث بعنجهيته المعهودة عن أعداء الداخل والخارج. وسط كل هذا، تتسرب آلاف الصفحات شديدة السرية من خزينة وزارة الدفاع، المسماة إعلامياً بأوراق البنتاغون. تتحدث الأوراق عن وضع الحرب، لتكتشف أن الحكومة الأميركية تخدع مواطنيها بخصوص تطور الحرب وعدد القتلى وأمد العمليات العسكرية.(2)

          

تقوم ميل ستريب بدور "كاثرين جرهام" صاحبة جريدة واشنطون بوست؛ سيدة انتقلت لها ملكية الجريدة بعد وفاة زوجها، لتصبح أول امرأة تملك جريدة فى تاريخ الولايات المتحدة، تحيط بها شكوك عدم الكفاءة والعجز عن اتخاذ القرارات. في حين يقوم هانكس بدور بيل برادلي -مدير تحريرالواشنطون بوست- الذي وقعت تحت يديه الأوراق المسربة، لتدور أحداث الفيلم حول الدراما المصاحبة لتلك الأحداث التي أدت في النهاية لـ"فضيحة ووترجيت" ونهاية عهد نيكسون المشؤوم. ترشح الفيلم لـ 6 جوائز "golden globe" لم يحقق منها الفيلم شيئا، ومن المتوقع ترشحه لجوائز الأوسكار كأفضل فيلم وسيناريو وممثل وممثلة، وبالنظر إلى خريطة الأوسكار لهذا العام؛ ربما لا تكون حظوظه الأعلى، وإن كان الفيلم يعد الأهم حتى الآن.

              

                     

ما أشبه اليوم بالبارحة.. مجنون في البيت الأبيض
"عندما عرضت علي القصة اندهشت كم هي مناسبة لوضعنا الحالي وكم يكرر التاريخ نفسه"

(سبيلبيرج) (3)

            

بهذا التصريح؛ لا يترك لنا سبيلبرج أي مساحة لنفي النية وراء صناعة الفيلم هذا العام. موجة العداء ضد ترمب داخل هوليوود ليست حالة فردية. آخرها كان تصريح توم هانكس برفضه عرض الفيلم في البيت الأبيض ليضيف بعدها "أعتقد أننا في وقت يجب علينا الانتخاب بالمواقف قبل الانتخاب بالتصويت".

           

وبالعودة للفيلم، تدور الفكرة الرئيسية عن الصراع النفسي لـ"كاثرين جرهام" بين اختيار السلامة الشخصية والمهنية من ناحية والقتال من أجل حرية الكلمة من ناحية أخرى، يتجلى الصراع في أهم مشاهد الفيلم عندما يلتف الجميع حولها في انتظار قرار النشر من عدمه. يعد دور "ستريب" أبرز الأدوار النسوية في الأعوام الماضية ويتفوق على دورها في "السيدة الحديدية" (The iron lady 2011). ربما تكون جملة مكررة لو قلنا إن ميرل قدمت أداء مذهلا يليق بصاحبة الخمس أوسكارات. لا يقتصر الأمر بطبيعة الحال على ميرل؛ بل يمتد لكامل فريق العمل وخصوصا "Bob Odenkirk" الذي عرفناه في دور المحامي الفاسد في مسلسل "Breaking bad"، جسد توم هانكس "بيل برادلي" بصورة احترافية مستدعيا تأزم الملامح وحدة الأسلوب المعروفة لأهل وسط وغرب أميركا والتي عرف بها برادلي.

          

استمر سبيلبرغ في العمل مع "جينسن كامنسكي" (Janusz Kaminski) مدير التصوير لآخر أفلامه، لا يمكن اعتباره أفضل أفلامه من ناحية الصورة، ولا يمكن أن نتوقع هذا من فيلم يدور معظمه داخل الغرف المغلقة، استخدام الكاميرات المتحركة في شكل نصف دائرة داخل حيز مغلق أعطانا رؤية واسعة لكل الشخصيات دون الحاجة للقطع المتكرر. شاهدنا نفس الطريقة في أفلام الغرف المغلقة مثل إثني عشر رجلا غاضبا ومحاكمات نورمبرج. ويستمر سبيلبرغ أيضا مع جون ويليامز مؤلف الموسيقى التصويرية لكل أفلامه. ساهمت الموسيقى في إضافة الأجواء المتوترة ولكنها مجرد خلفية للحوار ولا يمكن اعتبارها أعظم إنتاجات ويليامز صاحب موسيقى "Jaws" وقائمة شيندلر.

          

يتشابه الإطار العام للقصة مع فيلم "كل رجال الرئيس" (All the president's men) عن فضيحة ووترجيت وإن لم يصل لمستواه الفني للأسف.(4)

                

صورة من فيلم كل رجال الرئيس (مواقع التواصل)

            

كيف ضاعت فرصة صناعة تحفة سينمائية
يعيب الفيلمَ بطء في الأحداث في النصف الأول منه بالإضافة إلى العيوب المعتادة في أفلام سبيلبرغ مثل المباشرة في السرد، حيث لا يترك للمشاهد مساحة للاستنتاج، ليتحول الحوار لمواضيع إنشائية تستنزف المشاعر مع موسيقى جون ويليامز التي أدت دورها كالعادة.
          

 ربما شابت القصةَ جوانب ضعف أثرت على المحتوى نتيجة للمنظور الذي استندت إليه، فاعتماد الكتاب مذكرات جرهام خلق شعورا خلال الفيلم أن شخصا أو مجموعة من الأفراد قادرون وحدهم على إحداث تغيير كبير دون النظر لتأثيرات ضغط التظاهرات فى ذلك الوقت، وحركة الحقوق المدنية، هذه التأثيرات التي اقتصر إيرادها في الفيلم على مشهد واحد مشبها إياهم بمجموعة من "الهيبز".

             

احتاج الفيلم لأن ينظر للأحداث والشخصيات بمنظور أوسع، وبالتأكيد يتبع ذلك الحاجة لوقت أطول ليتحول من مجرد فيلم عن حدث إلى تحفة سينمائية وهو ما لم يحدث. ربما يرجع ذلك لانشغال سبيلبرغ بفيلمه القادم "Player one" وربما لطبيعة الأفلام السابقة التي كتبها "Josh Singer" في ميدان الصحافة الاستقصائية، وتكمن الملاحظة الأساسية -في هذا الصدد-  في افتقاد الحوار للأصالة ليميل نحو الخطابة بصورة أكبر. (5)

          

السؤال الذي يثير الدهشة في الفيلم، هو كيف ترك سبيلبرغ خيط القصة الرئيسي يفلت منه وهو دانيال سبيلبرغ؛ الشخص الذي قام بتسريب الأوراق من وزارة الدفاع بدون حضور حقيقي في الأحداث؟ لا يقتصر الأمر على دانيال بل إن حضور الخصوم من الحكومة الأميركية في الفيلم أيضا كان شبه معدوم؛ مما خلق بترا واضحا في طرح الأحداث كان يمكن استبداله بالحوارات عديمة الفائدة في أكثر من موضع بالفيلم.

             

صورة لجرهام وبيل برادلى خارج المحكمة العليا (مواقع التواصل)

          

محاولات لإيقاظ التيار العام فى أميركا
"الصحافة الحرة تخدم الأفراد وليس الحكام"

(جزء من حكم المحكمة العليا في القضية) (6)

              

يمثل الفيلم احتفاء بالصحافة بشكل لم نره منذ أعوام. خلق سبيلبرغ حالة من الترقب وتعاطف المشاهدين مع أحداث قديمة لا تهم المواطن متوسط الثقافة في الولايات المتحدة، وهذا يحسب له. في المشهد الأهم في الفيلم تدور تروس ماكينات الطباعة صانعة هزة في مبنى الجريدة، ولكن الهزة المقصودة هنا هي أثرها، يذكرنا سبيلبرغ بالأيام العظيمة للصحافة الحرة القادرة على الوقوف في وجه أكبر المؤسسات. يمكن اعتباره جزءا من الاتجاه العام لسبيلبرغ في الأعوام الماضية منذ فيلم "Lincoln" و"Bridge of spies" وكأنه أخذ على عاتقه التذكير بالروح التي بنيت بها الدولة قبل أن تقع في أيدي المؤسسات.

           

تمثل القضية حجر أساس في كرة النار التي كبرت وشوهت سمعة الرئيس الأميركي حتى انتهت بعزله، بل إن أهميتها تمتد ليومنا هذا، وهي ذات الأفكار التي اعتمد عليها جوليان أسانج مؤسس موقعي "ويكلكس" و"Edward Snowden" في تبريرهما لنشر أوراق سرية تخص الحكومة الأميركية. (7)

               

صورة لدانيال ايلسبرج خارج المحكمة العليا (مواقع التواصل)

             

يستحضر "The post" لحظة خاصة من تاريخ أميركا؛ عندما كان مصير الدولة على محك الانزلاق داخل نفق السلطة الكاذبة والموجهة من قبل المؤسسات والمصالح لولا تماسك التيار العام، بل يناشد بطريقة غير مباشرة الجميع للوقوف ضد من يحاول النيل من أسس المجتمع الأميركي، ويخص برسالته النخبة الأميركية التي أصابها التكلس في الأعوام الماضية فانحسر دورها بعيدا عن الشأن العام، واكتفت بقاعات المحاضرات والجلسات المغلقة تاركة الإعلام الموجه من المؤسسات ورأس المال يغذي الجهل والاستهلاك والادعاء صانعا أجيالا لا تعرف، وإن عرفت فإنها لا تهتم بمعرفتها. يُظهر بوستر الفيلم الأساسي صورة لميرل وهانكس يصعدان سلم المحكمة العليا، ويبدو السلم طويلا يملأ كل مساحة البوستر، مما يشي بأن الطريق الطويل بدأ في السبعينيات وأن على أجيال المستقبل أن تكمل المسير.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار