هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
برغم تفاهتها أحيانا.. لماذا تنجح أفلام الأرواح الشريرة؟

برغم تفاهتها أحيانا.. لماذا تنجح أفلام الأرواح الشريرة؟

رحمة حداد

محرر فن
  • ض
  • ض


أمام دور العرض السينمائية في لوس أنجلوس في عام 1973 تصطف الجماهير من أعمار وخلفيات متفاوتة، سيدات عجائز ذوات شعر فضي، شابات مرتديات الجينز وشباب ورجال من أعراق متنوعة، ينتظرون في الأمطار أو في الجو المشمس لخمس أو ست ساعات إذا تطلب الأمر فقط ليحصلوا على فرصة مشاهدة هذا الفيلم المثير للجدل بشكل فضائحي، "طارد الأرواح" (ذا إكسورست)1.

 

شعر ويليام فريدكن مخرج الفيلم بالأسف تجاه الحشد فقام بتعيين بعض الشباب لعرض المشروبات على الناس بينما ينتظرون في الصفوف التي تبدو بلا نهاية، على الرغم من الحماس غير المسبوق لمشاهدة الفيلم يفر الكثيرون مسرعين خارج قاعة العرض بقلوب نابضة بشدة أو دموع غير قابلة للتوقف.

 

يرتمي شاب منكفئ على وجهه على إحدى الأرائك في مكان الاستراحة، ويتوجه أخوه بالكلام للكاميرا، لأن الآخر لم يتحمل المشاهدة حتى النهاية، لا يشعر الهاربون بعد الساعة الأولى بالندم، حتى بعد تكبدهم عناء الانتظار لساعات طويلة، فقد كانت تجربة متميزة لم يسبق وأن مروا بها من قبل.

 

بعد ذلك النجاح التاريخي لفيلم "طارد الأرواح" وتأثيره الثقافي والاجتماعي لم تتوقف عادة صنع أفلام عن المس الشيطاني ومحاولات القساوسة طردها أبدا، فلماذا تُفتتن الجماهير بالوجوه المشوهة والإفرازات الشيطانية المنفرة حتى وقتنا هذا؟

 

  

افتُتح فيلم "الراهبة" (ذا نان)2 في دور العرض بداية شهر سبتمبر/أيلول بإيرادات باهرة هي الأعلى بين كل أفلام سلسلة الاستحضار "ذا كونجورينج"3 الذي يعتبر الإضافة الأخيرة لها إذا لم يعلن المخرج أو المنتجون عن أجزاء جديدة، وهي سلسلة تسير على نهج فيلم "طارد الأرواح" والثيمات المتعلقة به، لكن على الرغم من نجاح أول أسبوع من عرض "الراهبة" فإن بريقه خفت في الأيام التالية مع تقييمات متدنية من النقاد تضعه كأسوأ أفلام السلسلة الناجحة جماهيريا.

 

يحكي الفيلم عن راهبة تنتحر شنقا خوفا من أن يتلبسها شيطان يبدو مثل بقية راهبات الدير، فتعيّن الكنيسة "صائد معجزات" وهو راهب يبحث في الخوارق، تعمل معه راهبة صغيرة السن تحت التدريب، ويشاركهم رحلتهم شاب وسيم من أصل فرنسي وهو من اكتشف وجود الراهبة المنتحرة.

 
تسير أحداث الفيلم بشكل متوقع يمر على كل كليشيهات أفلام الرعب وينفذها دون مفاجآت لجماهير الرعب المعتادين أو غيرهم، لكن ما يُحسب له هو خلق أجواء قاتمة مميزة باستخدام التصوير والتباين بين الظل والنور، وملابس الراهبات السوداء وملابس الفتاة تحت التدريب البيضاء، لكنه يقع في فخ السذاجة فيجعل من البطل المستخف حسن المظهر المنقذ والضحية، بشكل ملتوٍ للتلاعب بالجمهور فقط لدر الأموال.

  

    

سلسلة الاستحضار وإبقاء روح طارد الأرواح حية

"الراهبة" ليس الفيلم الوحيد الذي يصدر دون تحضير أو تفكير كافٍ فقط ليتغذى على نجاح أجزائه السابقة، فوقت صدور "طارد الأرواح" في السبعينيات ومع نجاحه غير المسبوق (ترشح لتسع جوائز أوسكار) صدر جزء ثانٍ منه عام 1977 تقوم فيه الفتاة الصغيرة التي أدّت الدور الأيقوني للمراهقة الممسوسة بالرجوع لدورها بعدما أصبحت شابة أكبر سنا.

 

لاقى الجزء الثاني فشلا كبيرا، لكن هذا لم يوقف أحدا عن إصدار جزء ثالث ورابع. لكن فشل كل تلك المحاولات لم يزحزح "طارد الأرواح" عن مكانته، فهو يمكن اعتباره صانع نوع فيلمي، نوع متفرع من الرعب ويشار إليه بأفلام طرد الأرواح، في 2008 صدر فيلم "1920" وسمى صانعوه "طارد الأرواح" مصدرا لإلهام عملهم، ثم اشتهر النوع أكثر مع فيلم "طرد الأرواح من اميلي روز"4 ثم "طرد الأرواح الأخير"5 الذي لم يكن الأخير بالطبع.

  

بُثّت روح جديدة في النوع الفيلمي المستحدث عند صدور أول أجزاء فيلم الاستحضار "ذا كونجورينج" عام 2013، لاقى نجاحا نقديا وجماهيريا هائلا فتم إتباعه بأجزاء تقفز بالزمن إلى الأمام والوراء وأصبح عالما سينمائيا يُضاهي أفلام الأبطال الخارقين، لكن مع الجزء الأخير يسهل ملاحظة محاولة صناع السلسلة إقحام التداخلات بين الشخصيات والأحداث، ولكي نفهم هذا يمكن أن نمر على الخط الزمني لتلك السلسلة.

     
  

على الرغم من كون "ذا نان" آخر أفلام السلسلة فإن أحداثه تقع في بدايتها وتعتبر قصة للتعريف بأصل واحد من الأرواح المهمة التي سوف تظهر أكثر من مرة في الأجزاء الأخرى لتطارد الشخصيات، على مدار السلسلة يتم وضع دلالات وإشارات سوف يتم استخدامها لاحقا أو الرجوع لها في دهشة.

   

يحدث هذا في نهاية فيلم "ذا نان" حيث يكشف الشاب الذي يساعد الراهب والراهبة على حل اللغز وإنقاذ الدير من الدنس عن اسمه الحقيقي وهو موريس، فيتضح أنه هو الشخص الذي كانت تجري عليه عملية الطرد في بداية فيلم "ذا كونجورينج"، لكن يبدو ذلك الربط كسولا ومبتورا حيث إن موريس الأصلي كان أكبر سنا ويلعب دوره ممثل مختلف، وعندما قرر صناع الفيلم إدراج ذلك الربط استبدلوا وجهه بوجه الممثل الذي يلعب دوره في فيلم "ذا نان". (1)

    

ما الذي يفتن الناس في أفلام طرد الأرواح؟

نرى التفاصيل نفسها في كل الأفلام منذ بدأ فيلم ويليام فريدكن حمّى النوع الجديد من الرعب، المقاعد المتحركة، أصوات الخربشة في الأخشاب، وصرير الأبواب البطيء المزعج، ثم الشك في أن أحدهم تم السيطرة عليه من قِبل شيطان وخاصة الأطفال والمراهقين، فتبدأ الأعراض، تغيير في الصوت من الطفولي الناعم إلى صوت غليظ منفر، ويتغير شكل الوجه ويتحول لونه الحيوي النابض إلى لون مائل للخضرة وتضطرب ملامحه، تبدأ التشنجات العضلية والحركات المستحيلة جسديا، التصرفات غير المحسوبة وإرهاب الجميع وحتى السباب المقذع والتقيؤ.

   

  

يعتبر بعض الدارسين، ومنهم تيم سنيلسون أستاذ تاريخ الميديا في جامعة شرق أنجيلا، أنه عادة ما تكون أفلام المس الشيطاني وطرد الأرواح الشريرة مجازا للبلوغ وآلام التحول من طفل إلى شخص ناضج وبالغ، التحول من مرحلة أكثر نقاء إلى مرحلة عاصفة بالمشاعر الجديدة والتغيرات الجسدية والعاطفية العنيفة وترك البراءة والدخول في قسوة العالم الحقيقي.

 

الآباء والأمهات في أفلام طرد الأرواح دوما يتساءلون عن ماهية هذا الطفل الجديد، وكيف يفهمونه، وماذا حدث له، وما الخطأ الذي صدر منهم أو منه لكي يتحول إلى هذا الكائن المروع، يمكن تفسير تلك الأفلام تبعا لسنيلسون أيضا بفكرة كابوس جميع الآباء، التأثير السيئ والمدمر الذي من الممكن أن يفسد طفلهما الذي أنشآه بالطريقة المثلى من وجهة نظرهما. (2) يمكن الجدال في صحة تلك النظرية من عدمها، لكن يوجد تفسيرات أكثر شمولية لسبب افتتان الناس اللامتناهي بتلك النوعية من الأفلام رغم الصور الجارحة التي تتركها في أدمغتنا.
 

"مات الإله"، أعلن فريدريك نيتشه موت الإله أول مرة عام 1882 في كتابه السعي المبهج للعلم والمعرفة، أصبحت المقولة نقطة فاصلة في تاريخ الفلسفة ونظرة الإنسان للعالم، ذلك التصريح الصادم يعتبر مجازا للتعبير عن قتل التنوير والعلم لفكرة الإيمان بالآلهة والغيبيات.

     

فيلم طارد الأرواح (مواقع التواصل)

   

أخرج رومان بولانسكي فيلمه "طفل روزماري"7 عام 1967 والذي ينتصر فيه الشيطان مؤكدا على فكرة استشراء الشرور في العالم وأن الشيطان أصبحت له اليد العليا، لكن في 1973 ومع صدور "طارد الأرواح" أرجع هذا بعض الأمل للجمهور العام أن هناك إلها في مكان ما يحبنا ويحمينا من الشرور ويمكنه الانتصار على الشيطان أو يمكننا نحن فعل ذلك بمساعدته، بل إن التفسيرات العلمية للمس مثل المرض النفسي والعقلي والتهابات الأعصاب والشيزوفرينيا يتم دحضها لصالح الخوارق التي كان يصدّقها أناس العصور الوسطى.

  

بعد "طارد الأرواح" انتصرت قوة الإيمان بالإله، وخاصة بالشكل الكاثوليكي في معظم الأفلام عن الموضوع نفسه، فسلسلة الاستحضار كلها وحتى الفيلم الأخير "الراهبة" تنتصر فيه دماء المسيح على الشيطان المتشبث بالحياة الذي يبحث عن وعاء لينتقل إليه دون كلل، بالطبع يبقى تأثير شيطاني على البشر وينتصر ويتلبس أوعية أخرى من جديد في نهاية الأفلام، ويُعزى هذا إلى قوة تلك الأطياف تحت الأرضية التي تقاتل بكل قوتها للانتصار على الإله وأبنائه من البشر الذين يحميهم، ومثلما لا يكلّ الشيطان عن المحاولات لا يمل الرهبان والأناس المؤمنون بالقوى العليا من نثر المياه المقدسة عليه ورؤيته يحترق ويتألم.(3) 

      

_______________________________________

الهوامش:
1-the exorcist 1973
2-the nun 2018
3-the conjuring 2013
4-the exorcism of Emily rose 2005
5-the last exorcism 2010
6-annabelle creation 2017
7-rosemary’s baby 1967

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار