هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
لماذا لا يزال مستر بين يضحكنا؟

لماذا لا يزال مستر بين يضحكنا؟

رحمة حداد

محرر فن
  • ض
  • ض
استمع للتقرير

   

"رجل يركض في الشارع، يتعثر فيسقط، يضحك المارة، لن يضحكوا منه حسب ما أعتقد إذا افترضنا بأنه خطر له فجأة أن يجلس على الأرض، إنهم يضحكون لأنه جلس رغما عنه، وليس التغيير المفاجئ هو الذي يضحكهم، بل التغيير غير الإرادي، إنها الرعونة وانعدام الرشاقة، ربما كان على الطريق حجر، وكان من الواجب تغيير المسار أو تفادي العقبة، إنما لنقص في الليونة، السهو أو معاندة الجسد، بفعل التصلب أو السرعة المكتسبة، ظلت العضلات تقوم بالحركة نفسها في حين تطلبت الظروف شيئا آخر، ولهذا وقع الرجل، مما أضحك الناس".

 

يرى الفيلسوف هنري برجسون في كتابه "الضحك" أن مفهوم السهو أو السرحان هو من العوامل الأساسية التي تجعل المواقف كوميدية، فالضحك يبدأ عندما يتوقف الإنسان عن الاكتراث والتركيز في الواقع، ويسرح في شيء لا يعلمه غيره، كلما ابتعدنا عن الموقف يصبح أكثر إضحاكا، فالسهو هنا هو سمة الضاحك نفسه، المتلقي الذي يستجيب للعمل الكوميدي، وهو كذلك سمة المضحك المؤدي، فكلما كان ساهيا غير مبالٍ، تعالت الضحكات، ولهذا نضحك عندما يسقط شارلي شابلن من درجات سلم عالٍ، أو عندما يتهدم منزل بأكمله، بينما يقف باستر كيتون في المنتصف متحيرا، أو حديثا عندما نرى روان أتكينسون يسير في الشارع غير عابئ ثم يصطدم فجأة بشجرة.(1)

 

  
يعرف معظم الناس من مختلف البلدان والثقافات "روان أتكينسون" باسم مستر بين، وهو اسم شخصيته الأشهر، التي ظهرت في مسلسلات وأفلام ورسوم متحركة، ونجحت لفترة طويلة من الزمن، على غرار شخصية الصعلوك لشارلي شابلن، والذي يمكن اعتباره أكثر الشخصيات الكوميدية شهرة، يتعامل روان أتكينسون مع الكوميديا كوسيط بصري، على الرغم من أن بداياته كانت على المسرح يؤدي النكات وحده، بأسلوب معين أمام جمهور حي، فيما يسمى "ستاند أب كوميدي"، فإنه سرعان ما لفت نظره فكرة الكوميديا شبه الصامتة، عائدا لأصلها حينما كانت السينما صامتة والضحك لغة عالمية.

 

لم يعمل أتكينسون مخرجا لأفلامه مثل باستر كيتون أو شارلي شابلن أو مثل ملهمه الفرنسي جاك تاتي، لكنه مؤد موهوب يتحكم في جسده وتعبيرات وجهه ببراعة ودقة شديدتين، نتج عن تعاونه مع السيناريست ريتشارد كيرتز شخصية مستر بين بعد مجموعة من الشخصيات والتجارب والأداءات المسرحية والتليفزيونية المختلفة، عندما وصلا لفكرة الكوميديا البصرية دون حوار أو كلمات، كتب كيرتز سيناريو من صفحة واحدة: رجل يسير في الشارع، يلحظ أن هناك كاميرا تراقبه يبدأ في الارتباك ثم التفاعل معها وعندما يبدأ في اكتساب الثقة يصطدم بشجرة فجأة.(2)

     

   

شكّل ذلك الاسكتش البسيط بداية توجه فريق العمل هذا للكوميديا الجسدية، حيث لا يعتمد السيناريو على الحوار بل يعتمد على لغة الجسد والإيماءات البسيطة، التي تحوي في الوقت نفسه مبالغات مضحكة، تميز ما يقدمونه عن معظم الأعمال الكوميدية المعاصرة.

   

والآن مع انتشار الكوميديا المعتمدة على الحوارات المحتدمة المطولة بين الشخصيات والتلاعب بالألفاظ، واستخدام المؤثرات البصرية وبدائل الممثلين للقيام بالخدع الجسدية، لا يزال روان أتكنسون يتصدر بطولات أفلام سواء بشخصية مستر بين أو شخصيات أخرى مثل جوني إنجليش، لكنه عندما عاد للكلام لم ينجح النجاح السابق نفسه ولا يزال العالم ينظر إليه كمستر بين، بل إن قلة من الناس تعرف اسمه الحقيقي، فما الذي يجعل الكوميديا البصرية والجسدية مؤثرة لهذا الحد؟ وهل لم يعد لها مكان في العصر الحديث؟

  

بدايات الكوميديا الجسدية

  

"الكوميديا هي محاكاة لأشخاص رديئين، أي أقل من المستوى العام، ولا تعني الرداءة هنا أي نوع من السوء أو الرذيلة، وإنما تعني نوعا خاصا من الناس، فيهم شيء مثير للضحك والذي يُعد نوعا من أنواع القبح، ويمكن تعريف الشيء المثير للضحك بأنه الشيء الخطأ أو الناقص، الذي لا يسبب للآخرين ألما أو أذى، مثل الأقنعة الكوميدية، فيها قبح وتشويه ولكننا لا نتألم عندما نراها".(3)

 

هكذا يعرف أرسطو الكوميديا في كتابه "فن الشعر"، الذي ينظَر فيه إلى الدراما بأنواعها من تراجيديا وكوميديا وملاحم، لطالما كانت الكوميديا تعبيرا يخص الفئات الأقل في المجتمعات، وليس فقط بالمعنى الطبقي، فالشخصية المضحكة ليست ذكية كفاية فلا تنفك تقع في المتاعب، أو ذكية بشكل زائد يسمح لها بأن تدبر المقالب لكنها تعمل لدى من هم أعلى منها في الطبقة.

 
اعتمدت الكوميديا في بدايتها على حركة الأجساد المبالغ فيها وتعبيرات الوجه الغريبة أو الأقنعة عوضا عن ذلك، بدأ ذلك في إيطاليا فيما يسمى كوميديا المحترفين "كوميديا ديلارتي"، وهي عروض كوميدية قائمة على شخصيات ذات أسماء محددة لا تتغير، وسمات شخصية تجعل التفاعل بينها ديناميكيا ومضحكا، يعتمد الممثل على حركات جسده، من رقص وخدع، لكي تصل الفقرة المضحكة بوضوح وخفة للجمهور، أخذت كوميديا المحترفين شكل ولباس شخصياتها من سيرك العصور الوسطى، وأسست لما يمكن تسميته بالكوميديا الجسدية.(4)

  
تتخطى الكوميديا الجسدية حواجز مثل اللغة والثقافة، وتلعب على المشاعر الإنسانية الموحدة، يضحك المتلقي على الإخفاقات المتكررة للبطل، على سهوه الدائم وعجزه عن اتخاذ المواقف الملائمة في الأوقات الملائمة، أشياء يمكن للجميع التماهي معها أيا كانت ثقافتهم أو خلفيتهم المعرفية، لكن على الرغم من استمتاع المشاهدين بذلك النوع من الكوميديا، الذي يتجاوز حتى شارلي شابلين أو هارولد لويد، ويصل إلى الرسوم المتحركة مثل توم وجيري، فإنه نوع متراجع جدا أمام تطور التلفزيون والسينما، وتفضيل الحوار على الصورة، وتفضيل الصورة المطورة على الصورة الطبيعية.

        

خرج أتكينسون من شخصية "بين" في 2003 عندما قدم بارودي على أفلام جيمس بوند بشخصية تسمى جوني إنجليش

مواقع التواصل
      

يرى ريتشارد برودي، الكاتب في النيويوركر، أن تراجع الكوميديا الجسدية في السينما والتلفزيون الحديث سببه أن الجمهور الأقدم للكوميديا كان يتقبل فكرة المخاطرة والقرب من الموت، ما كان يجعل تلك الأفلام مؤثرة ومهمة هي واقعيتها وصدقها مع المشاهد، فالخدع التي تحدث والحركات الجسدية الجامحة تعتبر شبه مستحيلة، لكننا نراها أمامنا كاملة، ينفذها الممثل بنفسه فنقلق على سلامته ولكننا نجده مضحكا لأن ما حدث قد حدث له بالفعل.(5)

  
غير الحركات التي تتطلب المخاطرات والتي أصبح تنفيذها نادرا لأنه يستعاض عنها بالمؤثرات البصرية الحاسوبية، أصبحت الكوميديا كلامية بشكل كبير، تنحّت حركة الممثلين والكاميرا بشكل كبير لصالح الحوارات اللاذعة والإشارات للثقافة الشعبية، لا يجعل ذلك الكوميديا الحديثة أسوأ ولكنه يجعلها أقل عالمية ومتجذرة في ثقافات محددة يصعب التفاعل معها إذا كنت صاحب ثقافة مغايرة.

    
لذلك حين صعد نجم روان أتكينسون بشخصيته شبه الصامتة مستر بين كان بمنزلة متنفس جديد في مفهوم الكوميديا الحديثة، يعبر أتكينسون بوجهه أكثر من جسده عكس الرواد مثل كيتون الذي كان يحتفظ بملامح وجهه ثابتة، لكن مستر بين استغل ملامحه المميزة وقدرته على التحكم فيها لخلق تعبيرات لمشاعر مختلفة ومتنوعة ويمكن للجميع التفاعل معها وفهمها، كأنه كاريكاتير متحرك، فالكاريكاتير يعتمد على المبالغة في الملامح والمشاعر الموجودة سلفا ليبرزها أكثر، وهذا هو ما كان يفعله مستر بين، ولذلك يحبه الناس ويصعب عليهم تذكر أن له شخصية أخرى أو أنه شخص مستقل عن ذلك الكاريكاتير الذي يتلبسه.(6)

    

  

خرج أتكينسون من شخصية "بين" في 2003 عندما قدم بارودي على أفلام جيمس بوند بشخصية تسمى جوني إنجليش، لا يملك حماقة وارتباك "بين" ولا يتعامل بصمت مثله، فخرجت الكوميديا التي يقدمها من إطار البصريات إلى المغامرات والأحداث والحبكات التي تشبه أفلام الحركة التي يسخر منها، يوجد الكثير من الأفلام في ذلك النوع لكنه ليس ما يتميز فيه روان أتكينسون، في عام 2018 قدم جزءا آخر لسلسلة أفلام جوني إنجليش لكنه لاقى نجاحا محدودا، عبّر عنه ناقد فارايتي اوين جليبرمان بقوله: "جوني إنجليش يضرب من جديد، لكنه ليس مستر بين"، يمزح روان أتكينسون بشأن كونه مستر بين الشهير حيث يوقفه الناس في الشوارع ليخبروه أنه صورة طبق الأصل من شخصيتهم الكوميدية المفضلة، فربما يريد الجمهور حقا عودة تلك الشخصية رغم تكرارها الذي حاول أتكينسون التملص منه، لكن بمجرد ما سمعنا صوته الحقيقي فقد جزءا من سحره وبريقه الصامت.(7)

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار