هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
لفهم هذه المرحلة "المضطربة".. كيف تناول الأدب والسينما حكايات نضج المراهقين؟

لفهم هذه المرحلة "المضطربة".. كيف تناول الأدب والسينما حكايات نضج المراهقين؟

رحمة حداد

محرر فن
  • ض
  • ض

يواجه تليماخوس أولى عقباته عندما يمتلئ بيته بالرجال الصاخبين، خُطّاب جاءوا لعرض الزواج على أمه بعدما سافر أبوه الملك الإغريقي أوديسيوس ليواجه الوحوش والصعاب، يخترق الرجال خصوصية المنزل، يلتهمون الطعام ويتجرّعون الخمر كأنه لا يوجد من يحاسبهم طالما أن الملك ليس موجودا، تليماخوس شاب صغير واجه الموقف بالشكوى والنحيب، لا يأخذ أي خطوات جدية لمنع ما يزعجه، أي لا يُقدم على الفعل، لكن سرعان ما ستبدأ رحلته الحرفية والمعنوية للنضج، تزوره الإلهة أثينا متنكرة وترشده وتخبره أن لديه الإمكانية ليصبح ملكا عظيما مثل أبيه، يتأثر تليماخوس ويقرر أن يجمع الجماهير كفعل مقاومة ليساعدوه في طرد الرجال من منزله، ولكن لأنه لا يزال على عتبة النضج يجهش بالبكاء لأنه لا يملك الثقة الكافية ليخطب هكذا فيمن يعتبرونه طفلا، لاحقا يهرب دون علم أمه مع مرشدته أثينا ويقابل ملوكا من أصدقاء والده، يقصون عليه حكاية الملوك العظام ويحثونه على التشجع ليصبح مثل أبيه، رجل عظيم يتخطى الطفولة ليخطو خطواته الأولى نحو الرجولة الكاملة.(1)

 
جزء من أوديسيا هومر تحكي قصة تليماخوس الشاب الأرعن الشكّاء ورحلته الداخلية والنفسية لكي يتحول إلى رجل، تلك الرحلة التي يمر بها الجميع بصعوبات بالغة لا يشترط أن تكون صعوبات إغريقية ملحمية ولكن كل شخص يمر بها يشعر أنها كذلك.

 
قصة تليماخوس يمكن تسميتها "رواية تشكيل"، وهو مصطلح صاغه العالم في فقه اللغة كارل مورجينسترن عام 1819، يعبر المصطلح عن القصص الأدبية التي يمر بطلها بمرحلة التحول من الصبا للرجولة وما يصاحبها من تغيرات نفسية وروحية وأخلاقية لكي يصبح الرجل الذي يجب أن يكونه، حديثا طبّقت السينما المصطلح النوعي بكل ما يميزه فيما يسمى أفلام "قصة البلوغ".(2)

  

كارل مورجينسترن (مواقع التواصل)

 

غزال صغير يحاول الاتزان على شريحة من الأرض الجليدية الزلقة، يتعثر عدة مرات وتتخبط حوافره، ولكنه ينجح في النهاية بمساعدة أصدقائه ويتخطى جزءا من مخاوفه.

  
يعتبر ذلك المشهد من فيلم الرسوم المتحركة "بامبي" مجازا لفكرة تخطي الخوف التي يتناولها الفيلم بشكل أعم كقصة بلوغ أو نضج، فبامبي يصلح كمثال ناجح على نظرية مورجينسترن، بطل حساس يافع يواجه صعوبات وخصوصا خسارة شيء عزيز عليه، بامبي يخسر أمه، لكن بعد أن يكسره هذا يقويه لكي يصبح فردا ناضجا يعلم هويته ودوره كشخصية بالغة.
  
إعطاء مثال بفيلم رسوم متحركة للأطفال يبدو غريبا، لكنه تكرر مرة أخرى عندما قررت ديزني إنتاج واحد من أهم أفلامها، "الأسد الملك"، نسير مع سيمبا الشبل الصغير خطوة بخطوة في رحلة نضجه، نشعر بتعثراته وأخطائه، تجاهله للنصيحة ثم أخذه بها، حتى يجد ذاته الحقيقية ويصبح فردا فعالا في مجتمعه، محملا بكل الخسارات التي لاقاها في طفولته ومراهقته.

 
للسينما تاريخ طويل من تناول قصص المراهقين ورحلات نضجهم، في عام 2012 أخذ المخرج ريتشارد لينكلاتر تلك الفكرة إلى ذروتها، تتبع لينكلاتر قصة نضج الطفل ماسيون بشكل حرفي في فيلمه صبا "بويهود"، بمعنى أنه تم تصوير الفيلم على مدار اثني عشر عاما ليصبح مجازا لمرحلة من حياة هذا الشخص على شاشة السينما وفي الواقع أيضا، دون كسر الإيهام عن طريق إحضار ممثلين متعددين لتأدية دوره في مراحل مختلفة، نختبر قصة ميسون معه، أي الممثل نفسه إيلار كولترين، فهو يكبر أمامنا على الشاشة، نرى عثراته في الطفولة والمراهقة ومحاولاته لإيجاد المعنى عاما بعد عام.
       


    

لم يكن لينكلاتر الأول في تناول قصة بلوغ بذلك الشكل الصادق زمنيا وقصصيا، ففي عام 1960 صنع أحد رواد الموجة الفرنسية الجديدة فرانسوا تروفو فيلمه الأشهر "الأربعمئة مصيبة" وفيه يحكي قصة مراهق متمرد ساخط على الدراسة والأهل والحياة، لا يكتفي تروفو بذلك لكنه يتتبع قصته لثلاثة أفلام قادمة باستخدام الممثل نفسه في مراحل نضجه المختلفة واكتشافه للحب واكتشافه لذاته.
   

هل تكون كل قصص النضج إيجابية؟

"إذا كان هناك شيء أكرهه، فهو الأفلام، لا تذكرهم أمامي حتى، أستطيع تفهم أن يذهب أحدهم لمشاهدة الأفلام لأنه لا يوجد شيء آخر يفعله، لكن عندما يريد شخص ما الذهاب حقا، لدرجة أن يمشي سريعا لكي يصل باكرا، ذلك يسبب لي اكتئابا لعينا، خاصة عندما أرى ملايين الناس يقفون في أحد تلك الصفوف الطويلة الملعونة، متراصين بعرض الشارع، منتظرين بهذا الصبر الباهر ليحجزوا مقاعدهم وما شابه"

 

في عام 1951 صدرت رواية "الحارس في حقل الشوفان" لكاتبها "ج.د سالينجر"، أحدثت الرواية دويا ثقافيا، وأصبحت مرجعا لأدب وسينما قصص النضج، على الرغم من اضطراب ردود الأفعال تجاهها، نظرا لأسلوب بطلها العنيف والساخط، ونظرا لعدم نضجه الكامل نحو نهايتها، فإنها أيقونة ثقافية شعبية للتعبير عن قلق المراهقين الوجودي، وطبيعة الاغتراب وعدم الانتماء، خاصة للذكور منهم.

       

الكاتب ج.د سالينجر (مواقع التواصل)

   
قيل الاقتباس بالأعلى على لسان هولدين كلوفيلد بطل رواية سالينجر، الشاب الساخط ذي السادسة عشر ربيعا، يكره الأفلام، يحتقر السينما ومن يحبها، لكن هل يشعر سالينجر نفسه بما يشعر به بطله تجاهها؟ منذ صدور "الحارس في حقل الشوفان"، يحاول المخرجون والمؤلفون اقتناص حقوقها من المؤلف، يستمر سالينجر في الرفض بشكل قاطع، حتى إنه بدا كهولدين كلوفيلد، محتقرا للأفلام وصانعيها، لكنه نفى ذلك، بل وامتعض من فكرة افتراضه، سالينجر فقط لا يهتم بشكل خاص بكتابة الأفلام أو المسرحيات، ولا يريد لروايته أن تتحول إلى أحدها.(3)

 
لم يمنع رفض سالينجر لبيع حقوق روايته روح هولدين كلوفيلد من الحوم دوما حول أفلام النضج وأبطالها الذكور، ربما أشهرها "متمرد بلا قضية" لنيكولاس راي، جيم بطل الفيلم يحتقر جبن والده ويلجأ للشرب لكي يتحمل واقعه، ينجرف في العنف أحيانا لكنه ينضج لينبذه ويتعلم كيف يكون رجلا، أو حتى فيلم "البرتقالة الآلية" الشهير لستانلي كوبريك حيث يأخذ غضب المراهقين منحى كابوسيا، في عالم مستقبلي مرعب، حيث تُفرّغ جماعة من المراهقين كرهها للمؤسسات والمنظمات في هيئة عنف شديد ومنظم، لكن التحول والإدراك المعرفي الذي يميز رواية التشكيل يأخذ مناحي مختلفة وساخرة هنا، لهذا يرى دارس الأدب فرانكو موريتي، أن هم رواية التشكيل الأكبر هو الصدام بين الحداثة والشباب، والمعايير والقيم الكلاسيكية للسعادة، فهي صدام بين الأهل والأبناء، الطالب والمدرسة، وبشكل أعم الشاب ومجتمعه.(4)

    

     
في الثمانينيات ظهر المخرج الذي سوف يستحوذ على عقول البالغين والمراهقين بقصصه المفعمة بالخفة والحياة؛ "جون هيوز"، الذي اتخذ طلبة المدارس موضوعا أثيرا لأعماله، أعطاهم اهتماما خاصا، سواء كانوا أولادا يكرهون العالم، أهلهم، مدارسهم، أو فتيات يستكشفن أنفسهن وعلاقتهن بذواتهن وبمن حولهن، سطعت الفتيات في أفلام هيوز بشكل ملحوظ، سواء في الأفلام التي يكتبها أو يخرجها، في تلك المرحلة صدرت عدة أفلام بطلاتها من الفتيات وتناولت رحلة نضجهن، لكن توقفت تلك العادة لفترة ثم بزغت من جديد مؤخرا في أفلام مثل "ليدي بيرد"، أو "على حافة السابعة عشر"، لكن هل استُخدم ذلك النوع الروائي والفيلمي لقص نضج الفتيات قبل هذا؟(5)

 

ألا تنضج الفتيات أيضا؟

يتغنى الجميع برومانسية قصة الفتاة إليزابيث القارئة المتمردة، ومستر دارسي الرجل البارد المتزن، يتم اقتباس قصتهما في عشرات الأفلام والمسرحيات، لكن هل قصدت جين أوستن، وهي واحدة من أشهر روائيات القرن التاسع عشر، أن تكتب رواية رومانسية عندما دونت صفحات روايتها "كبرياء وإجحاف"؟

  
تجادل الباحثة أميلي سفيندسن أن رواية "كبرياء وإجحاف" الشهيرة يمكن اعتبارها رواية تشكيل، أو قصة نضج لأنها تستوفي الكثير من العلامات المميزة لهذا النوع، ما يجعل هذا الطرح متميزا هو كون البطل الذي سوف تدور الأحداث عن نضجه أنثى في القرن التاسع عشر، حيث الأدوار الملزمة للفتيان والفتيات في المجتمع مختلفة كل الاختلاف.

    

رواية "كبرياء وإجحاف" الشهيرة (مواقع التواصل)

    
رواية التشكيل كما سبق التوضيح تحوي صراعا يبدو ملحميا بين الفرد الذي يمر برحلة التحول، والكيانات السلطوية من حوله: الأهل، المدرسة، المجتمع والتوقعات التي يضعها كل منها عليه، في طرح سفيندسن تثبت نقطتها بفكرة تمرد إليزابيث على الدور المفروض عليها كأنثى ويتم توضيح ذلك عن طريق وضعها في تضاد مع أختها جين، الفتاة الأجمل شكلا لكن أقل طموحا، بينما إليزابيث شخصية صدامية تعبر عن آرائها بوضوح وثقة وتتطور خلال مسار القصة: "حتى تلك اللحظة، لم أكن أعرف نفسي أبدا"، فتحوّل البطلة هنا يعبر خلال القصة الرومانسية ذاتها، فهي تنضج مع نضج قصة حبها مع العنصر الأكثر كبرياء منها.(6)

 
تناول قصة مثل "كبرياء وإجحاف" كقصة نضج يجعلنا نفكر فيما إذا كان احتفاؤنا بالأفلام والقصص الأحدث التي تتناول نضج فتاة ما في محله، عندما كتب جون هيوز "جميلة في الزهري"، أو "نادي الإفطار"، كان يتناول قصص نضج فتيات لكن من وجهة نظره كرجل، أما في القرن التاسع عشر في وقت لم يكن من المرحب به وجود سيدات كاتبات، كتبت أوستن روايتها الشهيرة وحكايات أخرى عن قصص فتيات ينضجن في مجتمعات محافظة مستوحاة من تجاربها الشخصية، مثلها كانت إميلي برونتي عندما كتبت "جين إير" واستخدمت فيها تقنيات مثل "الفلاش باك" لكي تحكي قصة نضج جين منذ كانت طفلة مرورا بمراهقتها كفتاة مكافحة تعرضت لخسارات ثم تخطتها لكي تنضج في عالم موحش دون أهل أو رفقة، فتلك الأمثلة هي قصص نضج فتيات محكية على ألسنتهن دون تدخل أو تكهن.

       

"حتى المحامون كانوا أطفالا يوما ما"

بعد سنوات وسنوات تأتي روائية أخرى لتسرد قصة نضجها الشخصية، على خلفية التفرقة العنصرية في أميركا ومعايير الحق والباطل، في عام 1960 صدرت رواية "قتل طائر محاكٍ" لهاربر لي، تُحكى من وجهة نظر طفلة صغيرة، تتشكّل شخصيتها من عناصر من طفولة لي الحقيقية، تنضج الطفلة في ظل أب محب ومحام أمين صادق، وتنمو شخصيتها مزروعة بقيم مثل تقبل الآخر وعدم التسرع في إلقاء الأحكام، بعد صدور الرواية بعامين، اقتبسها المخرج روبرت موليجان في فيلم بالاسم نفسه، ليلاقي نجاحا كبيرا ويعتبر واحدا من أهم الأمثلة على أفلام قصة النضج، خصوصا وأن التطور ومعرفة الذات يحدثان فيه بصورة إيجابية وفعالة، حتى إن الأطفال يكون لهم دور كبير في إنقاذ عالم الكبار.

    

  

تجذب قصص النضج الروائية والسينمائية المتلقين من جميع الأعمار، نظرا لسهولة تفاعلنا مع أبطالها وتمردهم أو تمردهن، ورؤية أنفسنا بمراحل حياتنا المختلفة أمام أعيننا في صفحات كتاب أو شريط سينمائي، لذلك لا تكف الأستديوهات عن طرحها في دور العرض، ولا تكف الروايات الجديدة عن قص قصص الفتيان والفتيات في قوالب متعددة، سواء كانت قصصا رومانسية عن الموت والحب مثل "الخطأ في أقدارنا"(أ)، أو قصصا مرعبة تكشفنا أمام مخاوفنا مثل "الشيء" لستيفن كينج(ب)

_________________________________________________

الهوامش:
أ- the fault in our stars, john green
ب- it, Stephen king

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار