هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
"مولد نجمة"..  هل نجاح المرأة يعني هزيمة الرجل؟

"مولد نجمة".. هل نجاح المرأة يعني هزيمة الرجل؟

آية طنطاوي

كاتبة
  • ض
  • ض

صعدت على المسرح لتتسلم جائزة الإيمي لأفضل مغنية، وهي أول وأهم جائزة تحصل عليها في مسيرتها الفنية، في هذه اللحظة شعرت إلي بنجاحها، وبأنها أصبحت حقا نجمة. وأثناء إلقائها كلمة الشكر دخل زوجها جاكسون ماين يترنح على المسرح، ويبدو أنه شرب جرعة كبيرة من الخمور، وأمام الجميع تبوّل على نفسه، وأفسد عليها كل مشاعر السعادة والفخر التي كانت تختبرها لأول مرة على المسرح أمام العالم كله.

 

هذا هو المشهد الذي تنقلب فيها علاقة الزوجين ببعضهما البعض في فيلم "A star is born" في النسخة الحديثة التي أُطلقت في دور العرض الأسابيع الماضية، وتكرر أيضا في النسخ الثلاث السابقة من الفيلم التي تم عرضها بالعنوان نفسه في أعوام 1973، 1954، 1976. وهذا يدفعنا إلى التفكير، لماذا يتكرر إنتاج فيلم "A star is born" دائما لنصل به الآن إلى أربع نسخ سينمائية مختلفة؟

     

 

لا يفضل أغلب الجمهور مشاهدة أفلام الـ "Remake" (وهي الأفلام التي يتم إعادة إنتاجها اقتباسا من نسخ أفلام سابقة)، فيرى البعض أن اللجوء إليها يعني فقرا في الخيال الإبداعي، فما معنى أن أُعيد صناعة فيلم يعتمد على قصة وحبكة وسياق درامي قُدّم من قبل؟ ما الجديد الذي سيقدمه الفيلم إذًا؟ في حين يرى بعض صناع الأفلام أن هذه الأفلام تنجح جدا لأنها تعتمد على فيلم تم تقديمه للجمهور كتجربة سابقة اختُبِرت وأثبتت نجاحها، مما يعني أن النسخة الجديدة ستحظى بنجاح أيضا. لكن هناك ما هو أبعد من هذه الأفكار، وفي حالة فيلم برادلي كوبر وليدي جاجا الأخير، فإن هذه التجربة بالتأكيد تحمل دوافع أخرى.

   

لمدة خمس وعشرين دقيقة وقفت ليدي جاجا في ثبات تحكي عن كونها امرأة في الوسط الفني تعرضت للتحرش الجنسي والعنف والمضايقات وهو ما كانت تخشى أن تصرح به. كان ذلك في حفل "Elle Magazine" لتكريم نجمات هوليوود وكانت ليدي جاجا مكرمة في هذا الحفل لكونها "امرأة".

    

  

ما الذي يحدث عندما تتفوق امرأة في مجال عملها بينما يستمر سهم زوجها أو شريكها في الهبوط؟ هل هذا مقبول؟ وهل ستكون مضطرة أن تتنازل عن نجاحها في مقابل نجاحه هو لكي تحافظ على كرامة زوجها؟ وماذا عنها إذًا وعن الخسارة التي ستتعرض لها؟ كل هذه الأسئلة هي محور قصة "A star is born" التي يمكننا اختصارها في التأثير السلبي لنجاح الزوجة على زوجها خاصة وأنه هو الذي قادها إلى الشهرة والنجومية في حين أن نجوميته هو تنطفئ، وهذا هو الجوهر الذي يجعل الفيلم مادة متكررة على مر السنين. إن معادلة المرأة والرجل في موازين النجاح والفشل دائما ما تثير الجدل والأحاديث، وإن كنا نعتقد أننا مع تقدم الزمن تجاوزنا مثل هذه المفاهيم فإن الواقع يثبت أنها ما زالت موجودة ومؤثرة على الرغم من أننا نتحدث عن إشكالية تُثار في مجتمع غربي، فما بالكم بمجتمعاتنا العربية؟

  

"نحن لسنا مجرد أشياء للترفيه عن العالم، نحن لسنا مجرد صور لجلب الابتسامات والتجهم على وجوه الناس.. نحن، النساء في هوليوود، نحن الأصوات، الأفكار العميقة، القيم حول العالم، ولدينا القوة حتى نتكلم ونُسمَع ونقاتل حتى عندما يتم إسكاتنا"

(ليدي جاجا)

 

إن النسخة الكلاسيكية من فيلم "A star is born" تنتمي إلى الميلودراما، فهي محملة بفيض من المشاعر المتناقضة، الحب والغضب، الفخر والحقد، النجاح الشديد والفشل الشديد، وهذا هو عماد الميلودراما الذي يقوم على تنويعات لصراعات متناقضة مع شخصيات ليس لها أبعاد نفسية حقيقية،[1] وهذا النوع السينمائي رغم كلاسيكيته فإنه يُثبت نجاحه دائما بين شرائح مختلفة من الجمهور ممن يتأثرون بهذا الفيض من المشاعر ويتماهون معها، كما أنها تسمح لنا بالاطلاع على أكثر الزوايا غموضا في حياتنا وعلاقاتنا.

    

  

النساء من المريخ والرجال من الزهرة

يقلب الفيلم موازين المعادلة الذكورية والنسوية، فالمرأة تلعب الدور الناجح المتزن، بينما الرجل هو الخاسر الذي يدمر بحزنه وبإدمانه للكحول كل شيء، وبحسب تعريف  ستيفاني زاكاراك يصبح الرجل في الفيلم هو ملكة الدراما (Drama Queen)، وهو بعكس المعالجات الدرامية التي تضع المرأة دائما في هذه الخانة، في حين تلعب المرأة هنا دور سندريلا المجتهدة الناجحة التي لا تبكي ولا تشكو وهو ما لم نعتده من قبل[2]. في نسخة برادلي كوبر نرى البطلة تقاوم من أجل نجاحها، تحاول أن تُثبت مكانتها كامرأة في عالم الشهرة الذي يسيطر عليه الرجال، وهو ما افتقدته النسخة السابقة، وهذا ما يحسب لصالح الفيلم في إضفاء بُعد درامي جديد للشخصيات بعكس السابق.

    

  

إن النسخ الأربعة من الفيلم تدور في فلك عالم الشهرة والنجومية في هوليوود، تلك البقعة الأميركية التي تلمع بالنجوم، وبشكل ما تؤرخ لطبيعة الساحة الفنية في الفترات الزمنية المختلفة، فالفيلم الأول تدور أحداثه عام 1937 وهي فترة مهمة في تاريخ السينما في هوليوود، فالحرب العالمية الثانية على وشك الاندلاع، وأستوديوهات هوليوود كان لها ثقلها لازدهارها بصناعة الأفلام والنجوم، وكان الفيلم يشهد رحلة صعود فتاة قررت أن تخترق عالم هوليوود لتصبح نجمة في التمثيل، وهو جزء من دافع الفيلم لتسليط الضوء على صناعة النجوم كنوع من تقديم التحية لسينما هوليوود التي تدعم النجوم الشابة من خلال حلم هذه الفتاة البسيطة في النجومية، حلم هوليوود الذي يراود العديد من الفتيات، والخطوات التي سارت عليها بطلة الفيلم فيكي لايستر والتي تغيرت تماما من شكلها وتصرفاتها هي ما سارت عليها نجمات هوليوود بالفعل في تلك الفترة مثل: كارول لومبارد، جوان كراوفورد، ريتا هيوارث، فيفيان لي، وغيرهن .

   

قرر الكاتب موس هارت أن يعيد تقديم نسخة الثلاثينيات في قالب جديد يعتمد على القصة نفسها ولكن في قالب غنائي، والأبطال هنا ليسوا ممثلين، بل مغنّون. من أواخر الأربعينيات وحتى أوائل الخمسينيات قلّت أعداد ذهاب الجمهور إلى السينما بنسب ملحوظة، كان ظهور التلفاز سببا رئيسا في انخفاض هذه النسبة، وهوليوود لم تكن في حالة ترغب فيها في إعادة الحديث مرة أخرى عن دورها في صناعة النجوم. كانت الأفلام الاستعراضية تلقى نجاحا كبيرا من قِبل الجمهور، وعالم الأغاني في السينما لا يزال جاذبا للمشاهدين.

  

  

كانت أفلام "Singing in the rain" ،"American in Paris" ،"the king and I" وغيرها هي الأفلام الأشهر والأهم في عالم الأفلام الغنائية الكلاسيكية والتي كانت تلقى نجاحا كبيرا، وجاءت النسخة الجديدة من إخراج فرانك بيرسون لتخلق معالجة جديدة للفيلم يتحول فيها حلم التمثيل إلى حلم الغناء، والانتقال من الميلودراما إلى إطار درامي آخر تمتزج فيه الأحداث بالاستعراضات على خشبة المسرح. وكان اختيار جودي غارلند -بطلة الأفلام الاستعراضية في هذه المرحلة في السينما الأميركية- ذكيا للغاية ويضفي بريقا جديدا لهذه النسخة الجديدة من حياة فيكي ليستر. لكن السمات الشخصية لفيكي ما زالت كما هي، فهي المرأة التي تختار أن تتراجع إلى الخلف من أجل زوجها، والتي نراها في مشهد النهاية بعد موت زوجها تعرف نفسها أمام الجمهور بأنها "حرم نورمان سين" ولا تقول اسمها "فيكي ليستر".

 

 وفي مشهد من أهم مشاهد الفيلم تنفجر فيكي بالمشاعر التي تخبئها عن علاقتها بنورمان وبأنها تكرهه لأنه يكذب ولا يتوقف عن شرب الكحول وأنها بدأت تكره نفسها أيضا؛ هنا بدأت فيكي تلقي باللوم على نفسها وهذا تصرف منطقي لأنها ضحية بالفعل، والضحية الضعيفة لا تستطيع سوى لوم نفسها على ما يحدث لها، لأنها لا تجرؤ على إلقاء اللوم عليه، والاعتراف أن فشله يجب أن يسقط عليه وأن نجاحها لا علاقة له بفشل زوجها[3].

 

انتهى عهد فيكي الضعيفة، وفي السبعينيات، حيث كل المفاهيم في العالم اختلفت، وأصبحت المرأة تفكر في حقوقها ككيان مساوٍ للرجل وبأنها قوية ويمكنها الاعتماد على نفسها، كانت باربرا سترايساند هي البطلة الجديدة التي ستخلع الثوب الكلاسيكي لفيكي ليستر. أعلنت منظمة الأمم المتحدة أن عام 1975 هو العام العالمي للمرأة، حيث انتشار الحركات النسوية والتظاهرات التي تدعو المرأة الأميركية إلى البحث عن الحرية والمزيد من الثقة بالنفس والاستقلال، وضرورة القتال من أجل تحقيق ذلك، وكانت النسخة الثالثة من فيكي ليستر تتسق مع الصورة التي تنشدها المرأة الأميركية في تلك الفترة، وهذا ما نلحظه في التغير الدرامي لشخصية فيكي، فأصبحت أكثر جرأة وخلعت رداء الكلاسيكية، فنرى فيكي في أكثر من حفلة موسيقية لها ترتدي بذلة رجالية، وهي من أخذ الخطوة وعرضت على نورمان الزواج، وفي أحد المشاهد يصفها نورمان بأنها "محبة للشجار"، وهي صفة لم نكن نراها في فيكي من قبل إذ اعتدنا عليها كفتاة مسالمة، لكننا الآن أمام امرأة جديدة لا تخضع للخسارة أو الضعف.

   

 باربرا سترايساند (مواقع التواصل)

    

الجديد في الفيلم أن فيكي ونورمان أصبحا نجوم روك، وهو تغيير جديد ومنطقي في هذا السياق الزمني، حيث مرحلة السبعينيات لم تكن لتقبل بفيلم استعراضي لأن بريق هذا النوع من الأفلام قد انطفأ، ومن هنا فإن اختيار موسيقى الروك وتوظيفها في الفيلم جعل هذه النسخة تضفي حالة جديدة ومختلفة وتقترب من الجمهور أكثر[4]. وتم تصوير عدد من الحفلات المباشرة بالفعل وعرضها في الفيلم مما أعطى جانبا أكثر حيوية وتفاعلا في الفيلم، ورغم حصول باربرا على أوسكار أفضل أغنية فيلم، فإن الفيلم بشكل عام لم يحظ بالنجاح الجماهيري المتوقع.

   

"أردت أن أصنع فيلما عن العائلة، عن ذكريات الطفولة، وهذه العناصر لم تكن موجودة في النسخ الأخرى من الفيلم"

(برادلي كوبر)

      

ولادة نجم (مواقع التواصل)

    

هل تذكر وجه ليدي جاجا؟ ملامحها بدون أقنعة أو ملابس صارخة وريش وإكسسوارات و شعر مستعار؟ على الأغلب لا، لكنك تشاهدها بدون كل هذا الزيف في النسخة الحديثة من فيلم "A star is born"، هذه المرة هي ليست فيكي ليستر، بل إلي، وبرادلي كوبر أصبح جاسكون. تلعب النسخة الأخيرة على القصة نفسها بالتأكيد، واحتفظت بكون الأبطال نجوم روك، لكنها هنا أضفت بُعدا دراميا أكبر لشخصية النجم الذي ينطفئ وللنجمة الجديدة التي تلمع مكانه.

   

يتمحور الفيلم حول القوالب المزيفة التي تُكْسِبها الشهرة للنجوم، جاكسون هنا ليس رجلا خارقا، لكنه يُخفق في نجاحه، ليس فقط لأنه مدمن كحول، ولكن لأسباب شخصية ونفسية أضفت لشخصيته أبعادا واستطاعت أن تُخرج الفيلم من قالب الميلودراما التي اعتدناها سابقا، وعلى جانب آخر فإن إلي مضطرة أن تنساق وراء مظهر براق لا يشبهها لتستمر في نجوميتها، وهذا يذكرنا بليدي جاجا نفسها، الفتاة الموهوبة التي بدأت بكتابة الأغاني وتعرضت للتنمر لأنها ليست جميلة بما يكفي لتكون مغنية، فعندما سلكت طريق النجومية ارتدت كل ما يجعلها تختبئ خلفه لتجذب الجمهور بغرائبيّتها لا بملامحها البسيطة، وهو الشيء نفسه الذي تتعرض له إلي في الفيلم، نموذج الفنانة الموهوبة التي تتزين بما لا يرضيها لتصبح نجمة.

   

لاقت النسخة الرابعة من الفيلم نجاحا كبيرا، وهي ما زالت تُعرض الآن في دور العرض السينمائي، ربما خلقت نجومية برادلي كوبر وليدي جاجا هالة ساهمت في نجاح إلي وجاكسون، وأصبحوا بحسب آراء الجمهور من أوائل المرشحين المتقدمين بقوة لمنصة الأوسكار، ربما ستنجح هذه المعادلة ويقتنص الفيلم الجائزة لتكون الأولى في تاريخ السلسلة، ليس عن الغناء فحسب، بل عن التمثيل أيضا، وسيبقى القالب الدرامي للفيلم مستعدا لنسخ جديدة تُضفي عليه معالجات جديدة تعطي لفيكي ليستر نجومية جديدة، وتحديات أكبر.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار