هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
سينما "كريستوفر نولان".. كيف تنجو من الوحش القابع في قلبك؟

سينما "كريستوفر نولان".. كيف تنجو من الوحش القابع في قلبك؟

أحمد عزت

طبيب نفسي مهتم بالسينما
  • ض
  • ض

فيلسوف صيني من القرن الرابع قبل الميلاد يُدعى "تشوانغ تسه" رأى ذات ليلة في حلمه أنه فراشة ترفرف بجناحيها في مكان ما. طيلة الحلم كان "تشوانغ" على يقين بأنه فراشة من جميع الوجوه ولم يعرف أبدا أنه "تشوانغ تسه". حين استيقظ من حلمه تساءل في شك: لست أعرف الآن هل أنا رجل يحلم أنه فراشة أم أنني فراشة تحلم بأنها رجل؟[1]

     

شيء من هذه الحيرة يباغت المُشاهِد مع النهاية الغامضة لفيلم البريطاني المثير للجدل "كريستوفر نولان" "Inception"، يعود (كوب/ليوناردو ديكابريو) إلى وطنه أخيرا بعد أن كان ممنوعا من ذلك إثر اتهامه بقتل زوجته (مول/ماريون كوتيارد) وعبر صفقة مع رجل أعمال ذي نفوذ كبير يتمكن من العودة إلى بيته وأطفاله. يدخل كوب إلى البيت، يتلفت حوله متشككا، يخرج التميمة من جيبه، يضعها على الطاولة لتبدأ في الدوران (إذا استمرت في الدوران فما زلنا في الحلم، وإذا توقفت عن الدوران بفعل الجاذبية فنحن في الواقع)، لكن ماذا يفعل "نولان" هنا؟

    

يظهر الطفلان، يندفع كوب نحوهما مغمورا بمشاعره تاركا التميمة وراء ظهره، يخرج كوب والطفلان من الكادر بينما يقترب "نولان" بكاميرته من التميمة المستمرة في الدوران ثم قطع إلى الظلام لينتهي الفيلم دون أن نعرف على وجه التحديد هل عاد كوب إلى الواقع أم لا يزال عالقا في عالم أحلامه؟ المثير في نص نولان أنه يدعم كلا القراءتين، هو نص مفتوح يطرح من الأسئلة أكثر مما يمنحنا من إجابات. شَكّل سؤال الواقع والحلم هاجسا كبيرا لكل من شاهد الفيلم، كُتبت مقالات مطولة وخُصّصت مواد مرئية من أجل الوصول إلى يقين بشأن النهاية الملغزة.

    

  

لماذا إذن شغلت هذه النهاية كل هذه المساحة النقدية؟ وهل مهم فعلا أن نعرف على وجه التحديد إذا كان كوب قد عاد إلى الواقع أم لا يزال يحلم؟ من أجل الإجابة عن ذلك ينبغي أولا أن نلقي نظرة عامة على سينما "نولان" والتي تنتمي بجدارة إلى سينما المؤلف.

   

ملامح العالم السينمائي لكريستوفر نولان

  

هناك خيط سردي يربط أفلام نولان كلها، في قلب هذه الأفلام حدث صادم (Traumatic event) تدور حوله حياة البطل وعالمه المتاهي. في أفلام "memento"، "the prestige"، "inception"، يتعرض البطل لصدمة فقد زوجته في ظروف تراجيدية مع إحساس غامر بالذنب نتيجة الدور الذي يلعبه في حدوث هذه التراجيديا.

  

في "insomnia" نجد البطل أيضا يقتل صديقه في ظروف ملتبسة، حتى في ثلاثية فارس الظلام والتي تعتمد على شخصيات أيقونية في الثقافة الجماهيرية الأميركية نجد البطل الرئيسي (بروس وين/باتمان) أيضا يتعرض في طفولته لصدمة فقد والديه والتي تُمثّل حجر الأساس في بناء شخصيته وفي المسارات التي ستتخذها حياته فيما بعد.

    

يستغل نولان الاضطراب العقلي والخلل النفسي الذي يصيب أبطاله جراء الصدمة ليتلاعب بالسرد، يشوش الزمن ويشظّي الحكاية، نجد أبطاله ضائعين في عالم من الذكريات المستعادة، الهلاوس والأحلام. هنا العالم الفيلمي لنولان هو انعكاس للحالة العقلية لبطله، أكثر أفلام نولان شبها بـ "inception" هو فيلمه الثاني "memento"، حيث البطل (ليونارد/جاي بيرس) يعاني من فقدان للذاكرة مرتبط بالأحداث القريبة ما يحرمه من القدرة على تكوين ذكريات جديدة، وذلك من جراء إصابة بالرأس أثناء حادث سرقة أدى إلى اغتصاب ومقتل زوجته.

     

  

يدور ليونارد حول نفسه في عالم غريب وعدائي، حياته كلها هي ظل رغبته في الانتقام من قاتل زوجته. نكتشف قرب النهاية أن كل هذه الحكاية هي من نسج خيال البطل، وأنه خدعنا طيلة الفيلم وخدع نفسه، وحتى مع مواجهته بالحقيقة فإنه يختار أن يعيش حكايته الملفقة.

  

يقول له (تيدي/جو بانتوليان): إنك لا تريد الحقيقة بل تختلق الحقيقة التي تريدها. في "inception" نتعرف على حالمي القبو، مجموعة من الأشخاص يقضون شطرا من يومهم في أحلام عميقة، يتساءل (ايمس/توم هاردي): هل يأتون كل يوم للنوم؟ يتقدم عجوز من كوب هو يبتسم ابتسامة ذات معنى: كلا، بل يأتون ليتم إيقاظهم، لقد صار الحلم واقعهم. من أنت لتقول غير هذا؟

  

ربما معنى كلمات العجوز الذي يبدو أنه يعرف كوب: أن كوب في وقت ما كان أحد هؤلاء الحالمين، أو ربما لا يزال يحلم. كوب الذي سنعرف عبر السرد الفيلمي أنه قضى ما يقرب من نصف قرن من زمن الأحلام مع زوجته (مول) في عالم من صنعهما، وعلى شاطئ لا وعيهما شاخا معا في الحلم كآلهة منسية. كان كوب يعلم أنه لا شيء مما حولهما حقيقي، وهذا معناه أنه حلمها وليس حلمه، فالحالم لا يدرك أنه يحلم إلا حين يستيقظ ولاستعادتها من عالم الأحلام يزرع داخلها فكرة أنها تحلم وليست في الواقع، الفكرة التي تصير هاجسها الوحيد حتى بعد استيقاظها، ما يجعلها تفكر في قتل نفسها لتعود للواقع.

      

  

نعتقد هنا أن حكاية مول تشرح الفكرة التي يسعى نولان لإيصالها، فالواقع ذاتي تماما، فشخصية مول كانت على يقين من أن عالم أحلامها هو واقعها وليس العكس -تماما كحالمي القبو-، وقد فشلت كل محاولات كوب في تغيير ذلك. بالعودة لمشهد النهاية إذن نجد أن كوب اختار واقعه الخاص حتى لو كان حلما، وتركه للتميمة خلفه معناه أنه ترك سؤال الواقع والحلم خلف ظهره [2].

  

نولان إذن ترك السؤال معلقا، ليس إمعانا في الغموض وإنما لأنه لا يُفضي إلى شيء. تقودنا هذه النهاية المفتوحة إلى الفكرة الأكثر جوهرية وإلحاحا في سينما نولان، وهي أن ما يُسمى بالحقيقة الموضوعية هو واحد من أكبر الأوهام التي تسيطر على العقل البشري. ما نسميه حقيقة ليس إلا رؤية ذاتية، متحيزة وتحريفية للواقع [3].

   

العالم بدوره ليس أكثر من انعكاس لتركيبة عقولنا، فكلٌّ منا سجين إدراكه الذاتي للعالم، خارج هذا الإدراك لا يوجد شيء. في نهاية "memento" يردد ليونارد في مونولوجه الحائر: أريد أن أومن أن هناك عالما خارج عقلي. يجب أن أومن بأنني حين أغمض عيني فإن العالم سيظل موجودا. هذه هي لعنة البطل "النولاني" ومأساة الحالة الإنسانية كما تردد الحكمة التاوية: "مأساة الإنسان تكمن في أنه لا يعيش في العالم بل في عالمه" [4].

  

  

التأثيرات الأدبية والأسطورية على سينما "نولان"

"الحياة متاهة، وفي قلب هذه المتاهة يكمن السر"

(الكاتب الأرجنتيني بورخيس)

  

ربما تأثر نولان بقصة الأرجنتيني المولع بالمتاهات "خورخي لويس بورخيس" المعنونة بالأطلال الدائرية وخاصة في فيلمه "inception"، والتي تحكي عن رجل يحلم برجل آخر ليكتشف الحالم في النهاية أنه يعيش حلم رجل ثالث [5]، نولان أيضا مولع بالمتاهات والأحلام.

   

هناك أيضا أسطورتان من الميثولوجيا اليونانية ساهمتا في تشكيل العالم السينمائي لنولان. أولاهما: أسطورة "الميناتور"، وهو وحش يأكل البشر قابع في قلب متاهة. ثيسيوس البطل الأغريقي يقتل الميناتور وينجح في اجتياز المتاهة بواسطة خيط أريادني. (أريادني/الين باج) هي شخصية في فيلم "inception" يحاكي دورها في الفيلم تماما دورها في الأسطورة، فهي التي تساعد كوب في الخروج من متاهة أحلامه.

 

ثانيهما: أسطورة "أورفيوس"، "أورفيوس" الشاعر والمغني الذي فقد زوجته "يوريديس". لا يحتمل "أورفيوس" فراق زوجته فيقرر النزول إلى الجحيم لاستعادتها، لكن رحلته لا تفضي إلى شيء سوى مزيد من الحزن. بعد عودته من عالم الموتى يهجر النساء ويدير ظهره للحياة. تمزقه عابدات باخوس ويلقين برأسه في النهر.

 

تقول الأسطورة إن رأسه المقطوع والطافي على النهر ظل يردد أغنيته الحزينة. يتعامل البطل النولاني مع الصدمة/فقد الزوجة مثلما تعامل أورفيوس معها، يدير ظهره للحياة ليكون أقرب للموت الذي يضم محبوبته، يضبط ساعته على توقيت الموتى. ماذا تعني عدم قدرة ليونارد على تكوين ذكريات جديدة، إنها الحياة في الدرجة صفر. يقول (برودي/روبن وليامز) للمحقق (دورمر/آل باتشينو) في فيلم نولان "insomnia" بعد مقتل زميله: كل شيء يكمن في الدافع، ماذا رأيت هناك في الضباب؟ ما الدوافع التي تحرك أبطال نولان إذن؟ ما الذي يقودهم إلى مثل هذه المتاهات؟

 

قراءة فرويدية للبطل "النولاني"

"الحزن في ذاته لغز لا يمكن حله. ففي حالات الفقد يستحيل الآخر المفقود إلى خصم. فالحزن لا يكمن فقط في الحداد على ما هو مفقود، بل أيضا في المقاومة العنيدة التي يبديها ما هو مفقود في مواجهة النسيان"

(مارك فيشر)[6]

   

  

في فيلمه القصير "doodlebug" يحمل رجل في يده حذاء ضخما يقوم بواسطته بسحق نسخة مصغرة منه. ينتهي الفيلم بلقطة لحذاء أكثر ضخامة يسحق الرجل. هذا الفيلم يبرز الملمحين الأبرز للبطل في سينما نولان وهما: التكرار، والرغبة في تدمير الذات (self-destructive behavior)، وهي في جوهرها رغبة غير منطقية تحركها دوافع غير واعية، وهي تجسيد لغريزة الموت التي تتصارع مع غريزة الحياة داخل كل منا حسب فرويد.

 

تنشط غريزة الموت في حالة صدمات الفقد والتي تسكن كل أفلام نولان. يربط فرويد بين التكرار وصدمات الفقد المتعلقة بمرحلة الطفولة [7]. تغيب الأم عن الطفل فيشعر أنه فقدها للأبد. يشعر الطفل بالحزن، ثم يجدها فيشعر بالفرح، ومع تكرار ذلك يشعر الطفل على نحو سحري أن الحزن هو القربان الذي يستعيد به ما هو مفقود. هذا التكرار هو ضد التجدد والحياة. بعد كل صدمة فقد يدخل الإنسان في دائرة من التكرار، هذا التكرار هو حنين للآخر المفقود ورغبة في استعادته.

  

يبني لنفسه متاهة لا مخرج لها أو يخلق لنفسه لغزا لا حل له. شيء أشبه بنزول أورفيوس للجحيم من أجل استعادة زوجته، أو الدخول في متاهة يسكن في قلبها ميناتور متوحش والذي يمثل الآخر المفقود (تأمل التجسد الشرير والعدواني لشخصية مول في أحلام كوب). يظل البقاء بقيد هذا الجحيم المتاهي رهينا بمشاعر الذنب التي يشعر بها أبطال نولان تجاه من فقدوهم. هي رغبة مازوخية في تعذيب الذات كمن يخمش بأظافره جراحه التي التأمت لتوها كي تظل مفتوحة للأبد، لأن ذلك يضمن بقاء الآخر حيا في داخله.

   

  

بين "doodlebug" و"dunkirk" آخر أفلام "نولان" والذي يدور في أجواء حرب طاحنة حيث الحرب هي التجلي الأبرز لغريزة الموت بداخلنا، تبقى سينما نولان تجسيدا لهذا الصراع القائم فينا جميعا بين الحياة والموت. كيف ننجو من تلك الحرب التي تسكننا وتسكن العالم؟

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار