هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
كيف أصبحت فكرة الخلود بالسينما مرادفة للتعاسة؟

كيف أصبحت فكرة الخلود بالسينما مرادفة للتعاسة؟

آية طنطاوي

كاتبة
  • ض
  • ض

"من أجل انكيدو، خِلّه وصديقه، بكى جلجامش بكاء مُرًّا

وهام على وجهه في البراري وصار يناجي نفسه

إذا ما مت أفلا يكون مصيري مثل انكيدو؟

ملك الحزن والأسى روحي

وها أنا ذا أهيم في القفار والبراري خائفا من الموت"

(ملحمة جلجامش)

 

لا يمكننا اختصار صدمة الملك جلجامش لموت صديقه انكيدو فقط في أنه خسر أعز أصدقائه للأبد، فمن هنا كانت بداية صراع جديد سيخوضه جلجامش، ليس مع الوحوش البرية كالعادة، ولكن مع فكرة مجردة أقوى منه جعلته عاجزا أمامها وهي الموت. لم يعرف الآلهة في الميثولوجيا القديمة الموت، لذا كان البشر أقل قوة منهم لأنهم مخلوقات فانية، ولأن جلجامش كان ثلث إله وثلثي بشر فهو لم يعتد على الشعور بالضعف والخسارة، وعندما أحاطه خطر الموت قرر أن يخوض رحلة هي الأصعب في حياته ليحصل على نبات ينمو في أعماق البحر يحوي إكسير الخلود، تلك الفكرة التي شغلت الإنسان منذ الأزل وأعادت تشكيل علاقته بمفهوم الحياة.

   

الخلود ليس فكرة أسطورية، بل إنه حقيقة عاشها بالفعل آدم في الجنة، لكن ما حدث أنه ملّ هذه اللانهائية كما ملّ الوحدة، فخلق له الله حواء لتتشارك معه حياة الخلود إلى أن حدثت الخطيئة وهبطا إلى الأرض فاختلفت مفاهيم كل شيء وأصبحت الحياة مرحلة مؤقتة تحمل في ذيلها الموت.

    

تقول جوي لين إن الخلود فكرة غير محتملة في عالمنا لأنها لا تتناسب مع معايير الكون والحياة الإنسانية، كما أن أجسادنا ليست مهيئة لأن تستمر لآلاف السنوات

الجزيرة
   

تُعلّمنا البدايات أن لكل شيء نهاية، فكل قصة أو حكاية لها نهاية تتوقف عندها، وكل فيلم نشاهده يختتم بعبارة "The end"، وكذلك حياتنا التي مهما طالت أو قصرت سيأتي الموت ليسدل ستائره عليها وسنقف عاجزين أمامه، لكن هذا لم يمنع إيمان بعض الحضارات القديمة بفكرة الخلود وأن الموت مجرد مرحلة توقف بين حياتين وليس فقط النهاية، فقد آمن القدماء المصريين بالبعث بعد الموت وأن الحياة الثانية هي الدائمة، لذلك كان التفكير في الحياة الأولى تمهيدا لحياة الخلود، وأضحت كل أفكارهم ومعتقداتهم وأسلوب عيشهم متبلورا حول التأهيل للخلود، فطوروا فن العمارة وبنوا الأهرامات ليدفنوا أجسادهم في أماكن آمنة، واخترعوا التحنيط ليحتفظوا بأجسادهم كما هي لتستقبل أرواحهم في الحياة الجديدة بعد الموت[1]. إن التفكير في الخلود هو جزء من حب الإنسان لذاته ولرغبته في الاحتفاظ بوجوده والانتصار على فكرة فنائه وأنه غير موجود، لكن هل فكرنا يوما إن كان الخلود فكرة جيدة أم لا؟

   

تقول جوي لين إن الخلود فكرة غير محتملة في عالمنا لأنها لا تتناسب مع معايير الكون والحياة الإنسانية، فالكرة الأرضية مثلا لن تستوعب أن يعيش عليها كل البشر منذ خلق آدم حتى الآن، كما أن أجسادنا ليست مهيئة لأن تستمر لآلاف السنوات ولتعمل بالكفاءة نفسها بسبب الشيخوخة التي تدمر ملامح الشباب ويقل معها أداء وظائف الجسد البيولوجية، كما أن ذاكرتنا لن تحتفظ بأحداث لا نهائية على مر السنين[2]. هذه الافتراضات صحيحة علميا، لكن شاشة السينما قدّمت أفكارا مختلفة تناولت فكرة الخلود في عدد المعالجات الدرامية بين التورط في الشيخوخة، وبين التوقف عن النمو البيولوجي، وبين الإصرار على مواجهة فكرة الفناء.

    

  

"بعض مصاصي الدماء يبلغون من العمر مئات السنين، وهم يعيشون على الدم الذي يأخذونه من الأحياء، وحتى بعد أن يتم دفنهم فهم يبقون على قيد الحياة، أما بالنسبة إلى ضحاياهم فهم يموتون عندما يفقدون دمهم كاملا، ثم يتحولون بدورهم إلى مصاصي دماء أيضا"

(رواية دراكولا - برام ستوكر)

 

كانت رواية "دراكولا" للأديب الأيرلندي برام ستوكر(1897م) هي العمل الأدبي الأول الذي يتطرق إلى عالم مصاصي الدماء، وقد استوحى ستوكر شخصيته من الفلكلور السلافي في القرن الحادي عشر حيث الظهور الأول لأساطير مصاصي الدماء والتي امتدت حتى القرن الثامن عشر، وأيضا من الحكايات المرعبة التي كانت ترويها لها أمه قبل النوم عندما كان صغيرا[3]. كان دراكولا هو الملهم الأول لعدد كبير من المعالجات الحديثة لأسطورة مصاصي الدماء والتي تشترك كلها في أنهم جميعا لا يموتون.

  

مقابلة مع مصاص دماء

  

عندما ماتت زوجته وابنته لم تعد لحياته معنى، راح "لويس/براد بيت" يسهر في البارات ويتشاجر كل ليلة لعل ضربة قوية في صدره تنهي حياته، كان ضعفه واستسلامه هو الباب الذي أدخله عالما جديدا سيغير حياته للأبد، فعندما هجم عليه "ليستات/توم كروز" ليمتص دماءه عرض عليه أن يغير حياته البائسة إلى تجربة استثنائية بأن يحوله إلى مصاص دماء فيستطيع العيش إلى الأبد؛ وافق لويس والدموع تملأ عينيه لأنه أراد أن يتحدى الموت الذي أخذ منه أسرته الصغيرة، لكن ما حدث أن لويس لم يكن سعيدا أيضا، كان يشعر بالملل كما شعر آدم في الجنة، وما كان يؤرقه أيضا أنه يتغذى على دماء الآخرين، وأن حياته تتوقف على موت ضحاياه.

  

"لقد رأيت معاناتك، أنت تموت عندما تَقتُل، تشعر بأنك تستحق الموت ولا تستطيع فعل شيء، ولكن هل هذا يجعلك شريرا؟ وعندما تشعر بالندم ألا يجعلك ذلك طيبا؟"

(فيلم مقابلة مع مصاص دماء)

    

لم يفهم ليستات سبب حزن لويس الدائم، فالحياة وإن بدت له في البداية جديدة ومحمسة فإنها مع الوقت أضحت لا فرق بينها وبين الموت، فهو يعيش كالميت، محاطا بالموتى وبداخله دماء الأموات، وأثناء النوم كان يرقد في تابوت. الظلام كان رفيقه لأنه لا يستطيع العيش في ضوء الشمس، كانت حياة كالموت. سافر لويس إلى كل البلاد، يتنقل من مكان إلى مكان ومن زمن إلى زمن. وفي لقائه الأخير مع الكاتب الشاب الذي دعاه ليسجل قصة حياته تعجّب من حزنه أيضا، بل إنه طلب منه أن يكون رفيقه وأن يحوله مثله إلى مصاص دماء، فانبهر الشاب بالقوة التي يملكها لويس، لكنه كان طامعا في القدرات الخارقة ولم يهتم بحياة سخيفة قائمة على القتل من أجل العيش الأبدي.

    

نوستالجيا الفناء

  

في عام 2092 يرقد نيمو على سريره الخاص في المستشفى، لا يعاني من أي أمراض عدا الشيخوخة، لكنه محجوز كحالة نادرة لأنه آخر شخص فانٍ على وجه الأرض. يقدم فيلم "MR. Nobody" معالجة خيالية لفكرة فلسفية معقدة تتداخل فيها دوائر الحيرة والاختيار، الحياة والموت، الحقيقة والخيال، وكان عالم الخلود واحدا من المصائر التي يتخيل بطل الفيلم نيمو أنه سيتعرض لها. يستعرض الفيلم حياة نيمو منذ ميلاده مرورا بصباه ومراهقته إلى ثلاثينياته حيث توقفت ذاكرته، هنا يضعنا الفيلم أمام سلسلة من الأسئلة الفلسفية التي تتدفق على مدار الفيلم، فلم يهتم بالغوص في سر الخلود في هذا العالم الافتراضي، لكنه وضع تساؤلا فلسفيا حول اختيارات الإنسان الفاني في عالم خالد للأبد، ربما لم يكن هذا العالم الخالد سوى مجرد رمز للعالم الأكبر، للكون اللانهائي، ونحن في خضمّه مجرد ذرة صغيرة فانية مثل نيمو بطل الفيلم، وهذا الفناء لن يؤثر في الكون، فهو ماضٍ في مساره، ونحن سنكون مجرد ذكرى لأُناس كانوا هنا وانتهوا ولم تكن تشغلهم سوى اختياراتهم الشخصية وحيواتهم التي لا تزن نقطة في بحر الكون.

  

- كيف كان الحال عندما كان البشر يموتون؟

- كنا نركب السيارات التي تلوّث الهواء، وندخن السجائر، ونأكل اللحوم، كنا نفعل ما نشاء في هذه المزبلة وكان هذا رائعا. معظم الوقت لم يكن هناك أحداث مثل الأفلام الفرنسية

(فيلم "MR. Nobody")

   

عندما تسلل أحد الشباب خلسة إلى غرفة نيمو بالمستشفى بدأ يجري معه حوارا ليسأله عن حياته وعن مشاعره عندما كان العالم فانيا، لكن نظرة شوق وحنين لم تفارق قسماته وهو يستمع إلى نيمو، لم يتحدث الشاب عن حياته وعن مشاعره في ظل العالم الخالد، لكن هناك شعور داخلي وربما فطري كان بداخله متطلع لحياة قصيرة حافلة بالإنجازات، وأنها أفضل من حياة لا نهائية قدمها الفيلم كأنها حياة آلية أشبه بلعبة يغلب عليها درجات الأبيض والرمادي، بلا روح، وبلا أي مظهر حقيقي للحياة. لم يكن هذا الشاب سعيدا مثل نيمو الذي كان يسرد ذكرياته المفعمة بالحياة ليقول وهو على فراش الموت إنه بالفعل كان حيًّا.

  

  

لأننا يجب أن نشيخ

قد يفكر البعض في أن الخلود سيكون أكثر جاذبية لو أننا لم نتقدم في العمر، فالشيخوخة ستكون عائقنا في الاستمتاع بالحياة اللانهائية. عندما أحبت إيوس إله الفجر واحدا من البشر طلبت من الإله زيوس أن يمنحه حياة أبدية، وافق زيوس واستجاب لطلبها، لكنها نسيت أن تطلب منه أن يمنح حبيبها الشباب الدائم بجانب الخلود، فما حدث بمرور السنوات أنه راح يكبر ويشيخ إلى أن أصبح كهلا وأخذ حجمه ينقص ويقل إلى أن أصبح بحجم حبة العنب. وزاد حزن إيوس على حبيبها الذي اختفى رغم أنه سيحيا للأبد. تشبه أجسادنا السيارات، تعمل بكفاءة شديدة في البداية، لكنها بمرور الزمن تقل فاعليتها ويضعف أداؤها وتصدئ مكوناتها، ليس لأنها رديئة الصنع، بل لأن لها عمرا افتراضيا لن تصبح بعده كما كانت في البداية حتى لو حاولت إعادة إصلاحها، لن تعود لمثل ما كانت عليه في البداية، وكذلك نحن، تضعف مناعتنا وعظامنا وتتجعد بشرتنا وتقل ذاكرتنا[4]، لكن ماذا لو لم نتقدم في العمر؟

      

    

في فيلم "The Age of Adaline" تتعرض أدالين بومان لحادثة غريبة في شبابها لتصبح بعدها "anti-aging" أو ضد الشيخوخة، هذه الحالة وإن كانت تبدو مثيرة لأي امرأة تخشى الكبر في السن وتأمل أن تحتفظ بالشباب الدائم فإنها حوّلت حياة أدالين إلى مأساة. كانت أدالين تكبر في العمر، بل إنها عاشت ما يقرب قرنا من الزمن، لكنّ جسدها وأعضاءها ما زالوا في مرحلة الشباب وستستمر على هذه الحال للأبد، عاشت أدالين حياة طويلة لكنها مختبئة في جسدها الزائف وتخشى أن ينكشف أمرها، لذلك أصبح الهروب الدائم من كل حياة مؤقتة تعيشها هو حلها الوحيد، فلم تستمر علاقاتها العاطفية، ولم تستطع تكوين صداقات حقيقية، فشغلت نفسها بالبحث في حالتها لعلها تجد مخرجا لهذا الوضع الذي حولها إلى امرأة تعيسة. في مرحلة من عمرها أنجبت أدالين فتاة جميلة، ومرت السنوات وبقي السر بين أدالين وابنتها إلى أن كبرت الابنة وأصبحت عجوزا، وأدالين تراقب شيخوخة ابنتها وبداخلها تتمنى لو أن حياتها تعود للفطرة الطبيعية أو تتوقف للأبد.

  

العالم يطلب منا أن نرحل الآن

"ولدت البشرية على كوكب الأرض، ولا يعني ذلك أن تموت عليه"

  

لم تعد الحياة على كوكب الأرض محتملة، العواصف تلتهم كل شيء، والأرض لم تعد تزرع سوى الذرة، والتفكير في الفرار هو الحل الوحيد لينجو البشر بحياتهم. ليس التفكير في الخلود هو الفكرة التي تشغل أبطال فيلم "Interstellar"، لكنهم يبحثون عن مأوى جديد لهم، لذلك كانت وكالة ناسا هي العقل المدبر للتفكير في الفضاء واستكشاف كواكب تصلح للحياة عليها بعد أن أضحت الحياة على الأرض مستحيلة. رحلة شيقة نخوضها مع كوبر الذي يسافر لاستكشاف مكان آخر ملائم لإنقاذ البشرية ونقلها إليه. تبدو الفكرة مخيفة لأنها وُظّفت في الفيلم بشكل حقيقي لاستنادها إلى نظريات فيزيائية علمية صحيحة، لكن الشعور الذي يصاحبنا أثناء مشاهدة الفيلم لم يجعلنا فقط نندمج مع الأحداث ونشعر بالقلق على الأبطال وهل سيجدون كوكبا جديدا يصلح للحياة أم لا، بل إن جزءا من هذا الاندماج كان خوفنا نحن من هذا المصير الذي قد يحدث لنا، فالأرض التي تحتوينا إن فكرت يوما أن تلفظنا لن نجد ملجأ آخر، وبالتأكيد لن نستسلم لذلك، وما سيدفعنا هو رغبتنا في البقاء والاستمرار في الحياة، لن نقول الخلود، لكن أن نستمر في الوجود حتى آخر نفس.

    

  

الخلود هو العدو الأول للموت، لكنه ليس حقيقيا مثله، وفي أغلب المعالجات التي تناولت فكرة الخلود لم يكن أبطالها سعداء، فهم يخالفون قوانين الحياة التي لم يجدوا لها دليلا يساعدهم على العيش بسعادة إلى الأبد، كما أنهم أشخاص اختبروا الحياة الطبيعية ثم اختبروا الخلود لكنهم لم يجدوا فيه أي ملاذ. الموت فكرة مخيفة، ونحن نعلم أن وجودنا محدود، وربما هذه المحدودية تجعلنا نستمتع أكثر بحياتنا، لأننا لا نعرف ما الذي يحمله لنا المستقبل، أما العيش الخالد فلن يجعلنا نهتم للمستقبل، فمهما حدث سنعيش إلى ما لا نهاية، وهي حقا فكرة شديدة الملل والتعاسة.

  

عندما قرر جلجامش أن يخوض رحلة طويلة من أجل الحصول على سر الخلود واجه الصعاب، بل إنه واجه الموت والأخطار، ولم يهتم سوى بالوصول إلى هدفه مهما كلفه الثمن، وبعد العديد من الصراعات، وبعد أن حصل على سر الخلود بيده، سرقته منه الحيّة، وبالفعل تبدل جلدها وأصابها إكسير الخلود. بكى جلجامش لأنه بعد كل هذه الرحلة فقد الإكسير، وعادت من جديد مخاوفه من الموت، وماتت كل مساعيه للخلود، وندم على ما حدث له، وتمنى لو كان سمع لما قالته له صاحبة الحانة:

"إلى أين تسعى يا جلجامش

إن الحياة التي تبغي لن تجد

إذا لما خلقت الآلهة البشر قدرت الموت على البشرية

واستأثرت هي بالحياة

أما أنت يا جلجامش فاجعل كرشك مملوءا

وكن فرحا مبتهجا ليل نهار...

هذا هو نصيب البشر"

     


تقارير متصدرة


اّخر الأخبار