هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
"سارقو المتاجر".. في مديح الأشياء البسيطة

"سارقو المتاجر".. في مديح الأشياء البسيطة

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض

"يبدو أن الحياة مصنوعة بحيث لا يمكن لأحد منا أن يشعر بالرضا وحده؛ فالحياة تحتوي غيابها الخاص، وذلك الغياب لا يقدر على ملئه سوى شخص آخر. ويبدو أن العالم هو مجموع حيوات الآخرين، ومع هذا، لا نعرف وحدنا ولا حتى يخبرنا أحد أن الواحد منّا يستطيع أن يملأ ذاك الغياب في حياة الآخر، فنعيش جميعا حيوات مبعثرة، غير واعين على الإطلاق بوجود الآخر، أو قد يُشعرنا ذلك الوجود بالضيق أحيانا، فلماذا على العالم أن يكون فوضويا هكذا؟ "

فيلم "الدمية الهوائية"،هيروزاكو كوريدا (1)

     

قد نستخلص الكثير من الرؤى الكبيرة حول الحياة والعالم من أفلام المخرج الياباني هيروزاكو كوريدا الحاصل مؤخرا على سعفة "كان" الذهبية، وقد تدفعنا للتفكير في مُسلّماتنا ومحاولة تقليبها على مختلف أوجهها. وكي يصل بنا إلى هذا، لا يتعالى كوريدا على تفاصيل اليومي المُعاش، لا يلجأ إلى الحوارات الفلسفية ولا إلى اللقطات البانورامية، بل يتخذ من الأشياء العابرة والصغيرة المادة والروح لسينماه، فتجد طريقها لأرواحنا بذات اليُسر والبساطة.

  

يبدأ كوريدا فيلمه الأخير "سارقو المتاجر" بمشهد لرجل، أوسامو، وطفل، شوتا، يعبّئان حقائبهما بكل ما يستطيعان الحصول عليه من فوق أرفف متجر دون أن يلحظهما أحد. وعندما تتم المُهمة بنجاح، يخرجان مُسرعين مُتلهفين للعودة إلى البيت، حيث ستصنع لهما الجدة من غنيمتهما وليمة صغيرة، يتقاسمونها مع آكي ونوبويو زوجة أوسامو.

     

   

وفي الطريق، يتناهى إليهم بكاء طفلة ضئيلة، يرق أوسامو لحالها ويشفق عليها من البرد، فيحملها على كتفه لتشارك الأسرة العشاء، مُقررا أن يُرجعها مع زوجته للبيت الذي وجداها أمامه بعد أن تفرغ من تناول الطعام. لكن الندوب والحروق المُنتشرة فوق جسد الطفلة، وصوت الشجار العنيف الذي يسمعانه أمام بيتها يجعلان أوسامو ونبيو يعودان أدراجهما، مقررين الاحتفاظ بالطفلة. يقنعان أنفسهما بأن هذا ليس اختطافا، فأنت إن لم تطلب فدية لا تُعتبر خاطفا حقا، أليس كذلك؟ لسوء الحظ، فللسُلطات رأي آخر.

  
من ذلك الخط، الذي قد يظهر في البدء بسيطا نسبيا، يصنع كوريدا نسيج فيلمه، وينطلق في سرد أحداث لا تبدو منشغلة بالتركيز على عقدة أو بناء حبكة، بقدر انطلاقها مع نفسها كضربات فرشاة رقيقة، تهدف لرسم صورة حيّة لأسرة تعيش على حافة الفقر فيلجأ أفرادها للسرقة، وذلك دون إطلاق أحكام أو لجوء لمبالغات. لكن ما بدا بسيطا ليس بالبسيط إطلاقا، فخلال الفصل الثالث من الفيلم، تتكشف لكل الشخصيات حقائق من شأنها أن تغير نظرتهم لكل ما عاشوه من قبل، وتتحدى مفهومنا نحن المشاهدين حول الكثير مما كنا نعتبره مُسلّمًا. وخلال كل هذا، لا يحيد كوريدا لحظة عن أسلوبه في الاحتفاء بالأشياء الصغيرة.

  

   

في مديح الأشياء البسيطة

يتبع فيلم كوريدا "الحياة الأخرى" بعضا من الأموات في محطة انتظار تقف بين عالمنا والعالم الآخر. وفي تلك المحطة، يكون على كل ميت أن يختار ذكرى واحدة يراها الأسعد في حياته، وسيحوّلها العاملون هناك إلى فيلم قصير ينتقل الميت ليعيش داخله حالما يراه. يأتي الدور على فتاة ماتت وهي على أعتاب المراهقة، تختار في البدء أن تعيش داخل ذكرياتها وهي تلعب في قطار الملاهي بديزني لاند. وعندما تُنبّهها الموظفة هناك أنها قد تندم على ذاك الخيار لاحقا، تتراجع وتختار ذكرى أخرى: "أعتقد أني كنت في الثالثة حينها، كنّا في الصيف والغسيل الأبيض يُنشّفه النسيم، مالت رأسي على حُضن أمي بينما كانت تُنظف أُذني. ما زلت أتذكر رائحتها حينها، وملمس خدّي على ركبتيها، كانت ناعمة جدا، ودافئة، شعرت بُألفة شديدة". (2)

  

هذه هي رؤية كوريدا للحظات الأهم التي تستحق أن تُعاد وتُعاش للأبد، لا صخب فيها ولا جلبة، ولا إثارة أو تسارع في ضربات القلب، فقط تلك الدقائق التي تأتي وحدها دون ترتيب، ترتسم بانسيابية على صفحة الحياة كارتجال جميل، وتحيطنا بدفء نشعر معه أن كل شيء مؤلم قد صار الآن بعيدا. بعذوبة شديدة، تنطبع تلك اللحظات في ذاكرتنا، وتصبح مرفأنا الآمن حينما يتقلب بنا موج حياة، وفي حالة أبطال فيلم "الحياة الأخرى"، نلجأ إليها حتى بعد أن يُغرقنا الموت.

 

يتبع كوريدا ذات الرؤية في فيلمه الأخير "سارقو المتاجر"، حيث تحتل المشهد اللحظات العابرة، وتتأخر الدراما حتى آخر وقت ممكن. فيبدأ الفيلم بأوسامو وشوتا يسرقان الطعام، ما يتلوانه بشرائهما لفطائر ساخنة رخيصة من متجر قريب يأكلانها بلذة، ثم نصل أخيرا لبيت الجدة التي تطهو العشاء ويلتف الجميع على الأرض حول المائدة يتشاركونه.  قد يبدو هذا عشوائيا، ولا يُضيف إلى القصة شيئا يُذكر، لكنه ليس هكذا على الإطلاق. حيث تتكرر مشاهد الطهو والطعام في أفلام كوريدا، وقد يتخذ منها لقطاته الافتتاحية كما فعل في فيلم "ما زلت أسير".
       

  

فللأكل في أفلام كوريدا وظيفة تتعدى كونه مجرد ملء للمعدة وسد للجوع، حيث تتحول كل وجبة عنده إلى طقس صغير تمارس فيه العائلة نوعا من التواصل أعمق من ذاك الذي تحققه الكلمات. يُعطي المخرج الصيني وونج كار واي للطعام وتناوله دلالة مُقاربة، لكنه يعكس تناول كوريدا؛ ففي أفلام كار واي لا يجد الأبطال الدفء أو الأُلفة في المنزل، فيذهبون خارجه ليأكلوا وحيدين وسط غرباء طعام أعدّه غرباء. أما في أفلام كوريدا، يندر أن نرى شخصا يأكل وحده، فكل وجبة عنده هي مساحة يتشارك فيها الجميع شيئا لا خلاف بينهم على حُبه. وقد كان بمشاركة العشاء أن أعلن كوريدا ضمنا أن الطفلة "يوري" قد صارت الآن جزءا من تلك الأسرة سيصعب عليهم التخلي عنه.

  

وكذا تأتي اللحظات التي تمثل ذروة السعادة لشخصياته في إطار بسيط للغاية، على العكس من سينما هوليوود التي عادة ما تضع تلك اللحظات في أُطر احتفالية كبيرة. فعلى شاطئ ناءٍ أو حديقة بعيدة عن الزحام، تذهب الشخصيات مع بعضها البعض، ويقضون نهارا من اللهو الدافئ غير المكترث لشيء. توجد في رأس معظمنا ذكريات لمثل تلك اللحظات، لنهارات قضيناها ونحن أطفالا مع عائلتنا نلعب ونلهو في مكان بعيد؛ وعندما تأتي مثل تلك المشاهد في أفلام كوريدا، تلفنا بشعور غامر بالألفة نحس معه كما لو أنه قد صنعها من مادة ذكرياتنا نفسها.
 

وينتقل شغف كوريدا بالبساطة لأسلوبه السينمائي في "سارقو المتاجر"، كما في باقي أفلامه. فيُؤْثِر كوريدا الانسحاب إلى الخلف، ليدع الأحداث تتوالى على الشاشة بانسيابية طبيعية لا نشعر معها بتدخله، فلا يلجأ إلى مناورات أسلوبية أو جماليات صاخبة، بل يجعل كل شيء يظهر بواقعية شديدة نشعر معها أننا نشاهد قطعة من الحياة تتكشف أمامنا. فتأتي معظم مشاهده في لقطات مُتوسطة، ويحتفظ باللقطات القريبة للحظات الأهم. كما يستخدم الموسيقى بحذر وتقشّف، فلا يُكثر منها حتى لا تُعطي مَشَاهِدَه تأثيرا دراميا أكثر من اللازم، ويلجأ إليها أيضا فقط عند الحاجة؛ وحتى عندما يفعل، يبتعد عن الموسيقى الأوركسترالية، ويستخدم غالبا البيانو.

    

ولا يُمثّل "سارقو المتاجر" امتدادا لرؤية كوريدا فقط على مُستوى الأسلوب، فتتكرر فيه أيضا التساؤلات التي طالما طرحها، بمختلف الأشكال وفي معظم أعماله، حول الأسرة: ما الذي يُحددها، وما الذي تعنيه لكل منّا حقا؟

    

  

تساؤلات حول الأسرة

ربما لم تظهر تساؤلات كوريدا في أي من أفلامه حول طبيعة الصلة التي تجمع أفراد الأُسرة ببعضهم البعض وما الذي يحددها بمثل ذلك الوضوح الذي ظهرت به في فيلم "الابن سر أبيه". ففيه يكتشف أب وأم بعد أن أتم ابنهما ست سنوات أنه ليس ابنهما حقا، وأن ابنهما الحقيقي يعيش مع أسرة أخرى، والصبي الذي عاش معهما هو ابن تلك الأسرة؛ فعند الميلاد، استُبدل الرضيعان اللذان ولدا في المشفى نفسه، فرحل كل زوج مع ابن الزوج الآخر.

 

قد تبدو تلك الفكرة معتادة ومُتكررة، وكان من الوارد جدا أن تنزلق إلى الميلودراما على يد أي مخرج آخر أقل براعة من كوريدا. لكنه في فيلمه لا ينشغل بالقرار الذي ستتخذه الأسرة سواء بالاحتفاظ بالفتى الذي كان بالفعل ابنا لهم لسنوات ست، أو استبداله بابنهما البيولوجي الحقيقي الذي نشأ في كنف أسرة أخرى، بقدر انشغاله بطرح سؤال مفاده، ما الذي يجعل رباط الأبوة والبنوة ينشأ بين طفل وذويه؟ أهي الرابطة الجينية التي تجعل من وجه الطفل وقسماته وربما الكثير من طباعه وتصرفاته انعكاسا لأبويه، أم هي رابطة النشأة والتربية التي يتطبع خلالها الطفل بطباع أهله ويصير جزءا لا يتجزأ منهم؟

    

  

ذلك السؤال نفسه يُعاد طرحه مرة أخرى وإن بشكل أكثر مواربة شيئا ما في فيلم "سارقو المتاجر". فالأسرة التي تظهر أمامنا على الشاشة لا نعرف بالضبط الصلة التي تجمعهم ببعضهم بعضا، لا نعرف من ابن من، ومن أخو من، أو أخت من، ولا يتم الإشارة إلى أن أولئك الأشخاص تربطهم صلة دم أصلا بأي شكل مُباشر طوال الفيلم. ما نعرفه بشكل واضح هو أن الفتى شوتا ليس ابن أوسامو، وإن تصرفا كأب وابنه؛ فشوتا لا ينادي أوسامو أبدا بـ"أبي"، وأوسامو لا يتوقف عن الإلحاح على شوتا كي يفعل هذا. وما نراه خلال الأحداث هو أن يوري أيضا ليست ابنة نبيو، وليست أخت شوتا، ومع هذا، يدفعها الكبار أن تنادي شوتا بـ"أخي"، وتجد هي نفسها تلقائيا ترتبط بنبيو كأُمٍّ لها.

  

نعرف من المشاهد الأولى أن عائلة يوري البيولوجية تُسيء معاملتها وأن شخصا من أفرادها يهوي على جسدها بالضرب. وفي مشهد يأتي منتصف الفيلم تقريبا، تستحم نبيو ويوري مع بعضهما البعض، وتلحظ يوري ندبة على ذراع نبيو تشبه الندبة على ذراعها. "ما سبب تلك الندبة؟" تسألها، فتجيب نبيو: "حرق مكواة"، لترد عليها يوري: "أنا أيضا عندي واحدة مثلها من حرق مكواة". وفي تعبير بصري بليغ، تضع المرأة والفتاة ندباتهما جنب بعضهما البعض؛ إن ما يربطهما في تلك اللحظة أعمق من الدماء، إنه ماضٍ مُشترك من الإساءة ورغبة تتحرك في الاثنين في أن يضعوا ذلك الماضي جانبا ليعيشا غدا، سيكون بحياتهما معا كأم وابنتها، أفضل.

  

كما يتمتع الأطفال في أفلام كوريدا ببراءة تجعلهم لا يدركون حقا ما الذي تعنيه رابطة الدم، هي شيء معقد بالنسبة إليهم، لا يفهمونه ولا ينتمي إلى عالمهم من الأصل؛ يرتبط الأطفال ببساطة بمن يحبونه ويشعرون أنه يحبهم، ليس بمن ولدهم وجاء بهم إلى الحياة. مثلما فعل الولد الصغير في فيلم "الابن سر أبيه" ورسم عائلته التي عاش معها طوال طفولته عندما طُلب منه أن يرسم صورة لأسرته، ترسم يوري نفسها مع أوسامو ونبيو وآكي وشوتا في أكثر لحظاتها سعادة على الشاطئ عندما يُطلَب منها الشيء نفسه. تلك هي أسرتها الحقيقية، أولئك هم الناس الذين شعرت معهم بالأُلفة والحب، بجانب هذا، هل يهم أي شيء حقا؟ 

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار