هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
التنمر ضد أبنائك.. أفلام تشرح لك كيف تتلافى آثارها؟

التنمر ضد أبنائك.. أفلام تشرح لك كيف تتلافى آثارها؟

آية طنطاوي

كاتبة
  • ض
  • ض

 

"كنت أمزح مع جيسيكا فحسب مثلما فعلت تلك الفتيات، ربما هي من أخذ الأمر لحد بعيد، وهذا ليس ذنبي لأنها لم تتحمل المزاح"

فيلم "A Girl Like Her"

      

جلست أفيري أمام والديها ومدير مدرستها لتدافع عن الاتهامات الموجهة لها بأنها قامت بالتنمر على صديقتها السابقة جيسيكا وكان هذا سبب إقدام جيسيكا على الانتحار. قالت أفيري إنها كانت تمزح معها، والكل في المدرسة يفعل ذلك، يمزح ويلقي بعبارات لا تستهدف إيذاءها ولكن جيسيكا لم تقبل هذا المزاح وهذا ليس ذنب أفيري.

   

حجة المزاح مع الآخرين تبدو معتادة، لكنها سخيفة للغاية، عندما يضايق أحد صديقا له أو أحد إخوته يقول إنه يمزح ولم يتعمد الإيذاء، كلمة المزاح تجعل الأمر أهون وتستبعد شبهة التعمد، لكن الأمر دائما لا يكون مجرد مزاح. تعرف أفيري جيدا أنها تعمدت إيذاء جيسيكا، ولأن الشخص الذي يؤذي هو غالبا شخص تعرض يوما للإيذاء فإننا أمام ضحيتين، الأولى أنهت حياتها، والثانية ستعيش بذنب موت صديقتها مدى الحياة. 

  

   

يقدم فيلم "A Girl Like Her" معالجة جديدة لتجربة التنمر في المدارس الثانوية من خلال فيلم وثائقي في قالب فيلم درامي، فيصوّر لنا الفيلم على أنه تجربة لمخرجة شابه تقوم بتصوير فيلم وثائقي في مدرسة جنوب بروكديل بالولايات المتحدة الأميركية، والهدف من هذا هو ما يمكننا اعتباره تأكيدا على رسالة الفيلم، فالفيلم يريد أن يقدم حكاية متخيلة عن التنمر، لكنه يريد أن يوهمنا بمدى واقعيتها وبأنها تحدث كل يوم في المجتمع فصوّرها كأنها قصة حقيقية. وهذا ناقوس جديد يدق لينبهنا بأخطار التنمر الذي يتعرض له المراهقون في المدارس.

  

هذا ليس العمل الوحيد الذي تقدمه منصة نتفليكس عن قضية التنمر، فمنذ إطلاقها وحتى الآن قدمت نتفليكس ما يزيد على 12 عملا عن التنمر يتنوّعون بين الأفلام الروائية، والمسلسلات، وأفلام الرسوم المتحركة، والأفلام الوثائقية، بعضهم من إنتاج نتفليكس والبعض الآخر قامت بشرائه وعرضه على منصتها. وهذا الرقم متوقع أن يزيد بشكل أكبر.

     

    

يرتدي بوب أرمسترونج شعرا مستعارا، وتحت ملابسه يربط خصره بمشد، ليس لأنه مهووس بأناقته ومظهره، ولكن لأنه كان يتعرض في صغره للتنمر بشكل دائم لأنه كان زائد الوزن، وهو الآن يعمل مدربا للفتيات المراهقات لتأهيلهنّ للاشتراك في مسابقات ملكات الجمال. يجمع الحظ بينه وبين باتي التي طالما تعرضت للتنمر في المدرسة لأنها زائدة الوزن، مما تسبب في تعاستها وانعزالها، وما كان أمامها سوى الجلوس أمام التلفاز والأكل بشراهة، كانت تكره شكلها وجسدها لأنها اقتنعت بكل ما يقال لها بأنها سمينة وقبيحة. بدأ بوب معها رحلة ليغيّر منها تماما ليؤهّلها للفوز بلقب ملكة جمال، لكن ما مفهوم الجمال الحقيقي الذي يرنو إليه؟

  

في قالب كوميدي يقدم مسلسل "Insatiable" الصورة الجديدة التي تريد باتي أن تكون عليها لتتجاوز الماضي وتصبح ملكة الجمال الجديدة وتتحدى الجميع بوزن مثالي وخصر مشدود، ليس لأنها تنشد الأفضل لصحتها، ولكنها تريد الانتقام ممن آذوها من قبل، وكذلك بوب المدرب الذي يسعى معها إلى الانتقام من غريمه الأشهر والأوسم منه. عندما وقفت كيلي جين درينك واتر على مسرح "TEDx" سيدني تحدثت عن تجربتها كامرأة بدينة، وأنها قررت أن تواجه عالمها المحيط ليس بخسارة وزنها، ولكن بالتعامل مع مظهرها بشكل عادي، وبإظهار جسدها الذي تشعر بالتصالح معه، تحكي كيلي عن كلمات المدح والإطراء التي تلقتها بعد تنظيمها عرضا راقصا للبدناء، وكيف أن هذا العرض ساعد الكثيرين وشجعهم أكثر على التصالح مع النفس، وعلى جانب آخر تحدثت عن تلقيها تهديدات مجهولة بالقتل فقط لأن العرض الذي قدمته يركز على أجساد البدناء وحياتهم[1].

  

"خضعت لأول نظام غذائي وأنا في سن الثامنة. منذ الماضي البعيد وأنا أشعر بالجوع ولا أشعر بالشبع إطلاقا.. قضيت فترة مراهقتي كلها وأنا أكره جسدي، كنت موضوع كل تنمر وكل نكتة قاسية"

مسلسل "Insatiable"

    

  

لطالما كانت البدانة مجالا للتنمر على الآخرين، والممثلين البدناء أصبحوا مادة خصبة لتقديم محتوى ترفيهي أو كوميدي يسخر من بدانتهم، الأمر متجذر في علاقتنا كبشر بأنفسنا وبنظرتنا الدائمة لمظهرنا، لذلك فإن كل غريب هو مادة للسخرية، وليتجاوز الشخص البدين ذلك أصبح يسخر من نفسه أيضا، ولكن هذا ليس تصالحا مع النفس بقدر ما هو ترسيخ لمبدأ السخرية من الآخر المختلف عنا في المظهر، وأيضا ترسيخ لأن كل بدين هو مادة تصلح للسخرية.

  

إن معايير الجمال نسبية تماما، تختلف من بلد لبلد ومن ثقافة إلى أخرى، والمؤكد أن البشر أنفسهم هم من وضعوا هذه المعايير، فهي ليست قاعدة كونية محددة يجب أن نسير عليها، لكنها لا تسعى إلى انتشار الجمال بقدر تدمير الإنسان. إن الهوس بالجمال أصبح حالة اجتماعية خطيرة حولت الفرد منا إلى سلعة تقيَّم وفق مطابقتها لمعايير الجمال، وإذا خالفتها أصبحت غير صالح ومنبوذا من الجميع، بل ومحل سخرية وعرضة للتنمر[2]، وستتحول في نظرهم بشكل تلقائي إلى شخص قبيح، وللأسف ستقتنع بالأمر، وستنعزل عن محيطك.

     

إن الشخصيات في كارتون "Freddy Frogface" لا تتميز بالملامح الجميلة والبريئة ومعايير الجمال التي نعتادها في أفلام ديزني وبيكسار، والتي بشكل أو بآخر ترسخ في عقول الأطفال مقاييس زائفة للجمال قد تكون سببا في سخريتهم من بعضهم البعض في الواقع، وهذا جزء من الفكرة التي يقدمها الكارتون الذي يتناول حياة فيكتور الطفل الصغير ذي عشر السنوات الذي يتعرض هو وزملاؤه لمضايقات من فريدي لأنهم ضِعاف البنيان مما يجعلهم فريسة وعرضة للتنمر الدائم، وهذا ما نراه طوال أحداث الفيلم. الفيلم مقتبس من قصة الأطفال "سيرك بينيتو يأتي إلى المدينة" للكاتب الدنماركي أول لوند كيركجارد، ويستهدف الفيلم شريحة أخرى من الجمهور وهم الأطفال، فالمتعرض للتنمر هنا هو طفل صغير، وليس مراهقا كما اعتدنا في أغلب المعالجات الدرامية، وهذا وإن كان هدفا لنتفليكس في زيادة الشريحة العمرية المستهدفة للتوعية ضد التنمر، فإنه قد لا يكون أفضل الحلول. فيكتور هنا لا يواجه المتنمر بل يهرب منه ويجري بسرعة، وعلى الجهة الأخرى فإن فريدي المتنمّر يتعرض للسقوط والحوادث وغيرها من مفارقات، وكل هذه ليست طرقا لنقول بها إن المتنمر يواجه عواقب أفعاله، ولكن بمواجهته بأفعاله السيئة يكون انتصار المتعرض للتنمر.

   

  

"دائما ما كنت أظن أن المتنمرين هم الأشخاص الذين يضايقونك في المدرسة، لكن عندما نفعلها على الإنترنت لا تدرك حتى إنك تفعلها. فأنت لا يمكنك رؤية الطرف الآخر، ويمكنك أن تقول أو تفعل أي شيء، فلا تشعر أنه أمر مهم أو حقيقي، لكنه يكون حقيقيا إذا كنت الشخص الذي يتعرض للتنمر"

فيلم "Cyberbully"

  

تساعد آليات وسائل التواصل الاجتماعي على طمس هوية المشتركين فيها، مما يُشكّل مساحة يختبئ فيها المتنمرون ليمارسوا عادات سيئة، مثل إنشاء حسابات مزيفة وإرسال رسائل مجهولة للآخرين تحوي على سباب أو سخرية أو حتى نشر الإشاعات والتهديدات. ربما لم تكن هذه العادات موجودة من قبل، لكن التنمر الإلكتروني يكشف عن الوجه الجبان للمتنمر، والأسوأ أن هذا المتنمر قد يكون أقرب الناس لك، مثل ما حدث مع تايلور في الفيلم التلفزيوني "Cyberbully".

  

على جانب آخر فإن الاستخدام المفرط لوسائل التواصل يكون من قِبل الانطوائيين، وأيضا الأشخاص ذوي السمات النرجسية[3]، وهذه الشخصيات مع اختبائها في هويات مجهولة على الإنترنت فهذا يعزز من رغباتهم في ممارسة سلوكيات سيئة مع الآخرين. عندما دافع والد الفتاة المتنمرة إلكترونيا على تايلور في فيلم "Cyberbully" قال إن ابنته من حقها أن تقول أي شيء وتعبر عن رأيها فأميركا تدعم الحريات الشخصية، وهذا أسوأ دفاع من الممكن أن يقال عن المتنمرين بأنهم يعبرون بحرية عن آرائهم، لأن هذه الحرية يجب أن تقف عند حدود الآخر، وطالما تجاوزته وبدأت في إيذائه فأنت إذًا متنمر، ولا مناص من الأمر.

    

تساعد آليات وسائل التواصل على طمس هوية المشتركين فيها، مما يُشكّل مساحة يختبئ فيها المتنمرون ليمارسوا عادات سيئة

مواقع التواصل
  

"يتضمن التنمر على الإنترنت نشر أو إرسال رسائل إلكترونية (أحيانا دون ذكر الاسم)، بما في ذلك من نصوص وصور ومقاطع فيديو، بهدف مضايقة أو تهديد أو نشر الشائعات عن شخص آخر عبر مجموعة متنوعة من المنصات الرقمية مثل الشبكات الاجتماعية على الإنترنت وغرف الدردشة والمدونات والرسائل الفورية والنصية"

اليونيسيف

  

قد نلاحظ مؤخرا مع زيادة تفاعل المشاهير على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة فإن سيلا هائلا من التعليقات السلبية يُلقى عليهم في التعليقات، والبعض يتجاوز الأمر بالشتائم والألفاظ الخارجة، وفي الحقيقة يجهل أصحاب هذه التعليقات أنهم متنمرون، وأنهم في واقع الأمر لو رأوا هؤلاء المشاهير في الحياة العادية لن يخبروهم بآرائهم هذه أو لن يتحدثوا معهم بدرجة السوء نفسها تلك، ولكن هذا يعيدنا إلى صفة الجُبن التي تكسبها مواقع التواصل للمتنمرين الذين يضعون حوائط وحواجز قبل أن يمسكوا هواتفهم ويكتبوا أي تعليقات سلبية. ولهذا يلجأ الكثير من المشاهير، خاصة العرب، على موقع إنستغرام إلى إغلاق التعليقات على بعض صورهم التي يعرفون أنها ستجلب لهم سيلا من الشتائم، هذا لأنهم لم يعودوا يتحملون هذا التنمر، ولعل بعض الهدوء يريحهم من الإيذاء الإلكتروني.

  

وجهها لم يعد مألوفا فحسب، بل إن شعورا بالألم والحسرة يتسرب بداخلك عندما تراها حتى لو لم تكن تعرفها، وستجد نفسك على دراية بأسباب الحزن الذي يكسو نظرة عينيها إذا كنت تعرف هانا بيكر، فتاة نتفليكس التي أربكت العالم كله مع صدور مسلسل "13 Reasons Why" الذي أصبح النافذة الأشهر لنتفليكس التي تحدثت عن التنمر.

     

   

لم يكن مخططا للمسلسل سوى 13 حلقة فقط تسرد فيها أزمة هانا بيكر مع التنمر والذي أدى بها إلى الانتحار، لكن نظرا إلى نجاحه الكبير طالب الجمهور نتفليكس باستمرار المسلسل والتجهيز لأجزاء جديدة، وهو ما لم يكن في الحسبان، ربما لم يكتفِ الجمهور بالحكاية الحزينة والمخجلة لما تعرضت له هانا فأرادوا استكمال المسلسل ليروا الانتقام من المتنمرين، وليعرفوا مصيرهم. في الحقيقة، لم تكن هانا هي الوحيدة في المسلسل التي تعرضت للتنمر، بل إن أغلب أصدقائها تعرضوا له وما زالوا يتعرضون له حتى بعد موتها، وهو ما يؤكد أن التنمر لا يرتبط بشخص بعينه، بل هو فكره شريرة ستظل موجودة طالما لم تتم معاقبة الشخص المؤذي.

 

تشير إحصائيات منظمة الصحة العالمية عام 2012 إلى أن 803,900 شخص ينتحر سنويا، أي ما يعادل حالة وفاة واحدة كل أربعين ثانية، وأن نسبة كبيرة من المنتحرين هم الشباب من سن 15 إلى 29 سنة، وفي بحثهم عن أسباب انتحار الشباب كان العنف في العلاقات الشخصية واحدا من أسباب إقدامهم على الانتحار[4].

 

قد نختلف أو نتفق مع الأعمال الفنية التي تحمل رسائل توعوية للجمهور، لكن بالنظر إلى الفئة المستهدفة من جمهور نتفليكس، والشريحة العمرية التي تدور فيها دراما التنمر، نجد أن المراهقين والشباب والأطفال هم المستهدف الأول، وانتشار الأعمال التي تشين التنمر تساعد بشكل أو بآخر في اتساقهم مع الفكرة وتفهّمها وإدراك أخطارها عليهم بعمق، ويعطيهم ضوءا أخضر ليسيروا وراءه ليتغلبوا على ما يتعرضون له من تنمر. لو تذكرنا مكتب المستشار الاجتماعي في مسلسل "13 reason why" سنعرف جيدا معنى الخذلان الحقيقي، فهناك ذهبت هانا بيكر ولم تجد مساعدة، هكذا أشار المسلسل من جديد إلى الدور الذي يجب أن يلعبه المستشار الاجتماعي في المدارس، فلو أنه اهتم أكثر وكان شجاعا أكثر لما فكّرت هانا في الانتحار، وهو ما سنراه في الجزء الثاني من المسلسل حيث قرر المستشار أن يكفر عن ذنبه ويعود من جديد ليلعب دوره في دعم طلاب المدرسة مهما كلفه ذلك من ثمن.

 

إن التوعية بالتنمر أمر حتمي، يجب أن يبدأ من الأسرة إلى خارجها، وحملات التوعية التي نراها كل يوم على الإنترنت تذكرنا دوما أن هناك خطرا يتعرض له أبناؤنا يجب أن نلتفت له ونعالجه. ستستمر المنظمات المجتمعية في التوعية، وستقدم نتفليكس أعمالا تذكرنا بأنواع مختلفة من التنمر، ولكن هل سنهتم يوما بأن نمنع ممارسة فعل التنمر بدلا من الدعوة فقط إلى التصدي له؟

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار