هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
فيلم "فيرست مان".. الوجه الآخر لنيل أرمسترونغ

فيلم "فيرست مان".. الوجه الآخر لنيل أرمسترونغ

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض

عندما ألّف الموسيقيّ النمساوي يوهان ستراوس مقطوعة "فالس الدانوب الأزرق" عام 1866، فإنه على الأرجح تخيّل مجموعة من رجال ونساء الطبقة الأرستقراطية في أوروبا يرقصون عليها في أحد قصورهم كما كان من المعتاد أن يحدث مع مقطوعات الفالس. أما ما فعله المخرج الأميركي ستانلي كوبريك بها، فقد كان شيئا يفوق خيال أي شخص؛ استخدم كوبريك الموسيقى بالفعل في رقصة، لكن تلك الرقصة لم يؤد خطواتها أشخاص، بل مركبات فضائية وأقمار صناعية في فراغ السماء الشاسع في واحد من أشهر مشاهد فيلمه الأيقوني "أوديسة الفضاء" عام 1968. هكذا إذن كانت رؤية كوبريك للفضاء الخارجي والتكنولوجيا التي تقودنا إليه، مساحة تفيض بالنظام والتناسق، غير إنساني صحيح، لكنه يبقى باهرا وخلابا. أما الأميركي داميان شازيل، فعندما أراد أن يُصوّر الشيء نفسه عام 2018، جاءت رؤيته مختلفة كثيرا.

     

  

نجد أنفسنا في اللحظات الأولى من فيلم "فيرست مان" مُحتجزين مع رايان جوسلينج، بطل الفيلم الذي يؤدي شخصية رائد الفضاء "نيل أرمسترونج"، في كبسولة ضيقة تهتز بعنف وتتحرك في كل الاتجاهات؛ ولا تمضي سوى بضع دقائق من التوتر حتى تخرج الكاميرا من إطارها الضيق ذاك، لنعرف أننا كنا في القلب من مركبة تجريبية اخترقت الإطار الجوي، وارتدت بشدة عن إطارها، لترتطم بالأرض وفي داخلها أرمسترونج.

  

يؤسس ذلك المشهد الأول لأسلوب شازيل الإخراجي الذي سيستمر طوال الفيلم، من تأطيره الضيق للغاية مُعظم الوقت للمشاهد، لاستخدامه الكاميرا المحمولة التي تهتز كثيرا وبشدة فتُضفي إحساسا بالضيق وعدم الراحة. لا شيء إذن من رؤية كوبريك لذلك العالم الواسع الواقع خارج حدود الأرض، لا موسيقى كلاسيكية تنساب بسلاسة ولا لقطات واسعة باهرة للفضاء، بل لحظات من التوتر المُتصاعد والخوف والترقّب. رؤية كوبريك بعد كل شيء هي رؤية شخص كان يعيش في عصر الأحلام والأماني المُعلقة باستكشاف الفضاء، أما رؤية شازيل فأتت من عصر جاء بعد أن ذهبنا واستكشفنا وعدنا، ولم يتغير الشيء الكثير حقا.

 

جاء فيلم "فيرست مان" في الأساس ليُجلي تلك الهالة الأسطورية المُحيطة بالرحلات التي قام بها الإنسان خارج حدود الأرض، ويُعطينا رؤية أقرب شيء ممكن من الواقع؛ وقد اختار في مهمته هذه إحدى أعظم وأشهر القصص المتعلقة باستكشاف الفضاء، قصة نيل أرمسترونج، أول إنسان وطأت قدمه سطح القمر. فهل نجح الفيلم في فعل هذا؟

   

 

    

أنسنة رجل الفضاء

"أي شخص سيذهب في ذاك الشيء الملعون لن يكون سوى لحم مفروم مُعلَّب"

   

قال رائد الفضاء جوردن كوبر تلك الكلمات في العام 1963، معبرا عن اعتراضه على فكرة عمل مركبات الفضاء بشكل أوتوماتيكي بالكامل، ما سيُلغي أو يحجّم دور الأشخاص على متن السفينة لأبعد مدى، ويجعله ليس أكبر من دور اللحم المفروم في علبته الصفيح من وجهة نظره.(1)

  

وجدت تلك الكلمات سبيلها للوعي العام عندما حوّل المخرج فيليب كاوفمان قصة مهمة "ميركوري" التي كان كوبر ضمن أعضائها إلى فيلم "الأشياء الصحيحة" (The Right Stuff) عام 1983، ما وجد صدى حينها عند الاتجاه المعارض في الشارع الأميركي للمبالغ الطائلة التي تنفقها الحكومة الأميركية في كل عام لتبعث بمزيد من الأشخاص للفضاء. لكن هل كان ذلك التصور صحيحا حقا؟(2)

    

يتبنى فيلم "فيرست مان" وجهة نظر مغايرة تماما، ويبني الفيلم بأكمله لتبيانها والدفاع عنها. فالسفر للفضاء، كما نُشاهد في الفيلم، ليس محض رحلة ممتعة، ورواد الفضاء، كما صوّر كوبريك، لا يقضون وقت رحلاتهم نائمين في شيء أقرب للبيات الشتوي مُنتظرين أن يوقظهم الحاسوب حين اقترابهم من وجهتهم. السفر في الفضاء شيء محفوف بالمخاطر، ولا شيء هناك مضمون حقا. منذ المشهد الأول و"فيرست مان" يشدد على ذلك المعنى.(3)

       

  

وفي الوقت الذي يحاول فيه داميان شازيل أن يزيل تلك الهالات الزائفة حول السفر في الفضاء، يفعل الشيء نفسه مع شخصية بطل فيلمه نيل أرمسترونج. فبالإضافة إلى كونه أول إنسان يخطو فوق القمر، كان أرمسترونج أيضا رجلا تركه موت ابنته ذات العامين جرّاء إصابتها بورم في المُخ مُحطما. وليُعطي شازيل لمحة إنسانية لبطله، يفرد مساحة ليست بالقليلة يبيّن عبرها أثر ذلك الحدث في أرمسترونج منذ البداية وإلى النهاية.

   

فيُمثّل موت الابنة بهذا المحور المركزي العاطفي الذي يبقى صداه يتردد طوال الوقت تقريبا، بالموازاة مع هدف أرمسترونج وفريق ناسا في بلوغ القمر والذي يُمثل المُحرّك الأساسي للأحداث. وفي بعض الأحيان، يوضّح الفيلم توازي المحورين بشكل شديد الوضوح، فيقطع مثلا في أحد المشاهد المحورية بين المهمة التي تحدث في الفضاء، وبين مشاهد حميمية دافئة بين أرمسترونج وعائلته بينما كانت ابنته لا تزال على قيد الحياة. الوصول للقمر لم يكن مجرد مهمة عملية بالنسبة لأرمسترونج، بل كانت طريقته الخاصة والشخصية جدا لتجاوز ما حدث. وحده في الفضاء مع تلك الصخرة البعيدة آلاف الأميال عن أي إنسان، يطلق أرمسترونج الكتوم للغاية العنان لمشاعره.(4)

   

كما يخيم على الفيلم بشكل عام إحساس من الكآبة، لا يُبرِز نفسه بشكل صاخب، بل يختبئ خلف التفاصيل. فنحن لا نرى شخصية نيل تبكي مثلا سوى مرة واحدة، وفي المقابل، يجعل شازيل إضاءة فيلمه من البداية وإلى النهاية باستثناء مشاهد قليلة جدا خافتة، والموسيقى التصويرية غالبا هادئة وذات صدى حزين.

  

فيصطحب نيل معه شريط تسجيل في المركبة المُتجهة للقمر، ، تنطلق منه مقطوعة "لونار رادوبسي". الآلة الأساسية في تلك المقطوعة هي الثيرمانين، آلة غريبة بعض الشيء لا أوتار لها ولا مفاتيح، تبدو أصابع من يعزفها مُعلقة في الهواء، وتطلق صوتا ما بين صوت كمان وامرأة تنوح، وصفها الناقد الموسيقيّ هارولد شونبرج: "يشبه صوت الثيرمانين صوت تشيلو ضائعة في ضباب كثيف، تبكي لأنها لا تعرف طريق العودة إلى البيت".(5)

   

  

بالإضافة إلى كل ما سبق، فقد واجه فيلم "فيرست مان" صعوبة من نوع خاص. فأفلام الفضاء تدور عادة حول مهمة ما على فريق من رواد الفضاء تنفيذها، وعبر سؤال إذا ما كان الفريق سينجح في تلك المهمة أم لا، يبني الفيلم إحساس التشويق والرغبة في المُتابعة لدى المُشاهد. أما في "فيرست مان"، فالكل يعرف منذ البداية كيف ستنتهي القصة، شيء كان من شأنه أن يضفي إحساسا من الملل على الفيلم. لكن رسم الأحداث كان صادقا بما فيه الكفاية ليجذب المشاهد إلى التفاصيل ولا يجعل من رؤية الفيلم تجربة كل هدفها مشاهدة تتابع الأحداث. إلى هذا الحد، نجح فيلم "فيرست مان" في تحقيق هدفه في أنسنة رواد الفضاء، وتخطى العقبة الكُبرى التي قابلته في إمكانية غرق الفيلم في ملل لا يُطاق -وإن كان طويلا أكثر من اللازم-، لكن هنالك نواحٍ أخرى كان الفيلم فيها أقل توفيقا.

   

لا صوت يعلو فوق صوت القومية اليمينية

قبل حتى أن يُعرَض على الشاشات، أثار فيلم "فيرست مان" ضجة غير مُتوقعة. فعند مُشهد وصول أرمسترونج وفريقه إلى القمر، لا نرى تلك اللحظة المحفورة في التاريخ التي ثبت فيها أرمسترونج العلم الأميركي فوق سطح أول جُرم سماوي يخطو فوقه الإنسان؛ تلك اللحظة التي أعلنت فيها الولايات المُتحدة بشكل واضح وبلا مواربة انتصارها على الاتحاد السوفيتي في سباق الفضاء، بعد أن كان لروسيا، في كل المحطات الفائتة، السبق.

    

أثار هذا بلا شك حنق الكثير من القوميين الأميركيين وذوي التوجه اليميني، وعلى رأسهم رئيس الولايات المُتحدة دونالد ترمب نفسه، الذي علّق على هذا قائلا إنه "شيء فظيع حقا". لكن وبالرغم من كل هذا، فإن فيلم "فيرست مان" جاء في الواقع مليئا بعلو صوت النعرة القومية الأميركية، وبالأخص نسخة اليمين منها، بشكل واضح تماما.

     

  

فطوال الأحداث يتم التشديد على كون الهدف الأهم لتلك المهمة هو إحراز التفوق على الاتحاد السوفيتي، فيصيح أحد الأشخاص في محطة ناسا بسباب روسيا بعد نجاح رواد الفضاء الأميركيين في إحدى مراحل المهمة. كما تعلو حروف اسم الولايات المُتحدة الأميركية الشاشة وتشغل مساحة كبيرة منها في مشهد يصعد فيه رايان جوسلنج السُلم الذي سيأخذه للصاروخ. وبجانب تلك الأمثلة البصرية، فهنالك أكثر من مشهد يظهر فيه العداء والتقليل من وجهات النظر المغايرة.(6)

   

يتحدث الناقد السينمائي ريتشارد برودي عن هذا بشكل خاص بمجلة النيويوركر ويقول: "في القلب من الفيلم تجري حرب ثقافية، ولا يوحي شازيل فقط بأن تلك الحرب قد وُجدَت كحقيقة تاريخية، بل ينحاز بنفسه إلى جوانب فيها". ويوضح هذا بشكل أكبر فيما بعد قائلا: "يظهر كرت فونيجات (روائي ومثقف أميركي شهير) في أحد المقاطع في التلفاز ويقول إنه يُفضل لو قامت الحكومة بإنفاق المال الكثير الذي تنفقه على برنامج الفضاء في جعل نيويورك مدينة صالحة أكثر للعيش، كما يظهر أيضا مشهد لأغنية "أبيض على القمر" (Whitey on the moon)، (أغنية ألّفها الأميركي من أصل أفريقي جيل سكوت هيرون يعترض فيها بشكل ساخر على إصرار أميركا على إرسال رجل أبيض لسطح القمر بينما يعاني بني جلدته الفقر وفقدان الرعاية الصحية المُناسبة).

    

بهذا التتابع، يسخر شازيل بشكل واضح من أولئك الذين رأوا أن الأموال التي يتم إنفاقها على رحلة القمر كانت في غير محلها، يسخر من أولئك المُثقفين، والسود، والهسابنيين المُزعجين الذين يذهبون في الشوارع أو التلفاز للاعتراض بينما يضع نيل أرمسترونج وأمثاله من رجال بيض حياتهم على المحك ليصنعوا التاريخ". (7)

  

بوضعه مهمة أنسنة رجل الفضاء وتصوير حياة نيل أرمسترونج بشكل واقعي، وضع الفيلم على عاتقه مهمة نفذها بشكل جيد، جيد فحسب. فلم يصل الفيلم للتوقعات العالية التي علّقها الجمهور على داميان شازيل، أصغر مخرج يفوز بجائزة الأوسكار، بعد فيلميه "لا لا لاند" و"ويبلاش" اللذين لقيا نجاحا ساحقا بين النُقاد والجماهير على السواء. 

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار