هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
فيلم "روما".. كيف تعقد صلحا مع حياتك المليئة بالألم؟

فيلم "روما".. كيف تعقد صلحا مع حياتك المليئة بالألم؟

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض

جاء اليوم الأول لتصوير "روما". يتصاعد في قلب المخرج ألفونسو كوارون مزيج غريب من المشاعر القوية التي لا يستطيع أن يجد لها اسم. بالتأكيد ليست هذه هي المرة الأولى التي تطأ فيه قدمي المخرج المُخضرم موقع التصوير، لكن ذلك الموقع ليس كأي موقع صوّر داخله قط. لا بد أنه كان من العسير خلق عالم مستقبلي قاتم تسكنه البشرية في فيلمه "أبناء الرجال" (Children of Men)، ولم يكن من السهل قطعًا استخدام تقنيات الحاسوب لصنع صورة تحاكي الفضاء في فيلم "الجاذبية" (Gravity)؛ إلا أن "روما" يظل هو الأصعب على الإطلاق بالنسبة لكوارون. هو لا يجهد فيه لخلق خيالات مستقبلية ولا يبتعد كثيرًا عن الأرض، بل يفعل ما هو أصعب، يأخذنا مباشرة إلى أكثر المناطق حساسية بالنسبة إليه، إلى داخل ذكرياته وماضيه الشخصي.

    

"روما" هو اسم الحي الذي قضى فيه كوارون طفولته في عاصمة المكسيك أوائل سبعينات القرن الماضي، المسرح الذي جرّت فوقه ذكرياته الأولى عن الحياة. [1]وبعد أكثر من خمسة عشر عامًا لم يُصوّر فيها أي أفلام في بلده الأم، وجد كوارون نفسه مجددًا يقف فوق مسرح الماضي، عينيه تمسح الأرجاء باحثة عن آثار ذكرياته في كل ركن. كثير من الأشياء كانت قد تغيرت بفعل الزمن بالطبع، منها بيت كوارون نفسه، لكن هذا لم يوقفه عمّا اعتزم عليه، فأعاد بناءه مرة أخرى معتمدًا كليًا على ذاكراته- هذا فيلم مصنوع من مادة الذكريات بعد كل شيء- ليقف يوم التصوير مرة أخرى في قلب ماضيه الذي تجسّد مرة أخرى من حوله. كان قرميد ذلك البيت هو اللقطة الأولى لفيلمه، مكتوبًا فوقه إهداء الفيلم، إلى "لبيو"، مربيته "ليبورايا رودريجوز"، التي سيُطلق عليها في "روما" اسم "كليو"، ويمنحها، هي التي احتلّت دائمًا الهوامش في الحياة، بفيلم طفولته، دور البطولة. [2]

  

  

من مادة الذكريات

لا يحرك فيلم "روما" خط درامي محدد، فقصته لا تسير على وقع السرد المعتاد للقصص، بما فيها من بداية وتصاعد وذروة ونهاية، بل يحاكي خُطى الذكريات داخل النفس. تتشكل ذكرياتنا هكذا غير محكومة بنسق ينظمها، تُسجل الأشياء العابرة والبسيطة والمُعتادة بمثل دقة تسجيلها للأحداث المفصلية. يمتلك "روما" ذراه الخاصة قرب النهاية، لكنها ذرى لا تغلق أقواس ولا تنهي صراعات، بل تظل تحمل في داخلها دفقًا من الاحتمالات اللامُتناهية التي لن نراها على الشاشة، وحده كوارون يعرفها، فحاضره في النهاية ليس إلا صنيعة إحداها.

 

يتحرك النصف الأول من الفيلم غير مشغول بقصة يرويها، بكاميرا تتأمل ما حوّلها بلا تركيز خاص على اللحظات الدرامية؛ فتتبع كليو حوّل البيت في روتينها اليومي منذ الصباح حين توقظ الأطفال، وحتى المساء حين تضعهم في السرير وتطبع على وجوههم قبلة قبل النوم. وبالرغم من أن هذا فيلم عن طفولة كوارون، فهو، الأخ الأصغر ضمن ثلاثة إخوة وأخت واحدة، لا يلعب فيه دورًا كبيرًا. التركيز هنا يقع على كليو، ومن بعدهما والدته صوفيا، امرأتان تقف كل منهما عزلاءً تمامًا أمام المآسي التي يجرّها عليهما الرجال في حياتهما، فيكتشفان عند اللحظات الفارقة أنهن كانتا "وحيدتان دائمًا"، مثلما تقول صوفيا، غاضبةً على قدرها، لكليو في أحد المشاهد.

  

يمر بعض الوقت قبل أن نرى الأب أنطونيو. يُنبئنا غيابه في البداية ممتزجًا مع مشادته مع صوفيا التي نراها في زاويا المشاهد حين تطوف كليو الشقة منظفة إياها بما سيحدث بعد قليل. تقول صوفيا للأولاد أن والدهم في رحلة لكندا. ربما كان ذلك صحيحًا في البدء، لكنها عندما تُعيد الأمر على مسامعهم مرة أخرى عندما يختفي مُجددًا فإنها تعرف أن ما تقوله ليس حقيقيًا؛ ففي الليلة الماضية، لم تنجح ذراعيها التي التفتا حول أنطونيو متضرعتان له ألا يرحل في جعله يبقى. فتح باب السيارة التي كان واقفًا قبالتها، وعندما صفقها وهو يقودها بعيدًا، أسدل الستار على وجوده في حياتها وحياة ابناءه. سيجمعه مشهد آخر بالأولاد، يشغل فيه هو حافة الكادر ولا يرى ابناءه وهم يلمحونه من بعيد ممسكًا بيد عشيقته. تجعل جماليات كوارون الهادئة ذلك المشهد يمر بلا ضجيج، فمهما كان مؤلمًا، يظل موقف آخر في مدى الحياة الواسع.

    

   

بمثل ذلك الهدوء يصور كوارون اللحظة التي تهمس فيها كليو لحبيبها فيرمين في عتمة السينما إنها حبلى. تبقى الكاميرا ثابتة طوال المشهد ولا تتحرك حتى عندما يستأذن فيرمين كليو للذهاب إلى الحمام ولا يعود بعدها أبدًا.

  

تفاجأت الممثلة يالتيزا آباريشيو، التي تقف أمام الكاميرا أول مرة في "روما"، لما حدث لكليو التي تلعب دورها مثلما تفاجأت كليو نفسها. فلا أحد سوى كوارون نفسه ومنتج الفيلم كان بحيازته نسخة من السيناريو. فقط صباح يوم التصوير، يتسنى للمثلين أن يعرفوا تطور الأحداث لذاك اليوم وما سيحدث في المشاهد التي سيأدوها؛ فقد أراد كوارون لتمثيلهم أن يحاكي واقع الحياة التي نعش فيها يومنا بلا إدراك لما سيحمله الغد. وحده كوارون كان يعلم، وحده كان يقف في الحاضر وينظر إلى الماضي نظرة من عاش كل هذا وأدرك ما سينطوي عليه غد كل يوم؛ بتلك النظرة، صبغ كوارون الطابع البصري لفيلمه. [3]

  

يقول كوارون: " كان هنالك ثلاثة عناصر تمثلّت أمامي عندما جاءتني فكرة هذا الفيلم. الأول أنه سيكون عن كليو، والثاني أني سأصنعه عبر ذكرياتي، والثالث أنه سيكون فيلم أبيض وأسود. حالما جاءت لحظة البدء، أدركت أني لن أستخدم الأبيض والأسود القديم الذي يستحضر روح النوستالجيا، لأن ذلك الفيلم يمثل نظرة إلى الماضي عبر وجهة نظر الحاضر، عبر فهمي اليوم. سيكون أبيض وأسود عصريًا، أبيض وأسود 65 مم، ديجيتال، واضح، بلا حبوب ". [4]

    

وعند تصوير المشاهد المفصلية، شعر كوارون بتصاعد ذلك المزيج الغريب من المشاعر مجددًا في صدره بقوة. فقد وجد نفسه مضطرًا لأن يوجه الممثلون حتى يعيدوا خلق ذكريات بعضها سبب له ألمًا شديدًا. وليفعل هذا، كان عليه أن يتجرد ولو لبعض الوقت من مشاعره الشخصية وانحيازاته العاطفية لتخرج المشاهد بصدق على الشاشة. يروي كوارون: " قلت للمثل أنت تشعر أنك تختنق، واللحظة التي تُدير فيها السيارة وتبدأ في القيادة بعيدًا تشعر أنه بإمكانك أن تتنفس للمرة الأولى. صوّرنا المشهد وكنت سعيدًا بالنتيجة حتى أدركت أني كنت أُخرج المشهد الذي غادر عنده أبي عائلتي. لكنك وأنت تُخرِج، لا يجب عليك الحكم على شخصياتك، بل يكن عليك محاولة فهم دوافعهم، أشياء لا تتوقف لتفعلها في حياتك المعتادة. تلك الدوافع ليست تبريرات لما فعلوه، وهذا ليس حكمًا أخلاقيًا، لكن ما ساعدني هذا على فهمه هو أنه، خلف وجود كل واحد من تلك الشخصيات في الواقع، وقفت شحنة من العواطف، سواء كانت جيدة أو سيئة".[5]

    

     

لم تكن الذكريات الشخصية وحدها هي ما وجد طريقه إلى الشاشة في "روما"، فمعها، تصاعدت ومضات من تاريخ المكسيك عند أوائل السبعينات عند حواف المشهد، تمامًا كما قد يتذكرها طفل صغير، أو تتأثر بها اثنين من النساء في خضم مآسيهم الشخصية. فيمتزج في روما الخاص بالعام بانسيابية؛ حول مائدة الطعام، يروي أحد الأطفال كيف أنه شاهد جندي يطلق النيران على فتى صغير لرميه سيارة الجندي العسكرية بالماء؛ وفي مشهد آخر، تنفجر المظاهرات خارج محل الأثاث الذي وقفت فيه كليو مع والدة صوفيا يبحثان عن مهد لرضيع كليو المُنتظَر. تتحول المظاهرة سريعًا لمشهد دموي يتم فيه تبادل إطلاق النيران ويسقط الكثير من الضحايا صرعى على أسفلت الشارع. لا يخبرنا كوارون بهذا صراحة، لكن ما رأيناه لتوّنا كان صورة سريعة من مجزرة "كوربس كريستي" التي وقعت في يونيو 1971 وراح ضحيتها 120 مدنيًا. إنها المجزرة تمامًا كما قد تراها امرأة على وشك أن تضع طفلها ولا تنشغل كثيرًا سوى بأمانه. [6]

  

يقول كوارون عن هذا: " تسعين في المائة من المشاهد التي تراها في الفيلم مأخوذة من ذاكرتي. ما حاولت أن أفعله هو أن أمزج ما بين السياق الشخصي والاجتماعي في الوقت نفسه. لأننا هنا نتحدث عن الجروح الشخصية، وهذه قطعًا فترة تركت جروحًا في نفسي ربما للأبد، ويمكنني أن أفترض أنها تركت جروحًا داخل الشخصيات في الفيلم. لكن بالإضافة لهذا، تركت الأحداث الاجتماعية التي تم تصويرها بعض من أعمق الجروح في الذات المكسيكية وفي الوعي الجمعي. "[7]

  

يقف فيلم "روما" على الحدود ما بين الحاضر والماضي، ما بين النوستالجيا والألم، ما بين الذاتي والجمعي، يأتي في منطقة وسطى تحاول ألا نتجرف وراء أي اتجاه، فتخرج لنا بذلك المزيج العذب من بين كل تلك الأطراف. يقول كوارون عن فيلمه: "إنه انعكاس لكل تلك المُستحيلات التي تقابلك عندما تحاول أن تعقد صُلحًا مع الحياة".

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار