هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
فيلم "أغنية باستر سكراجز".. هل الموت والحياة مجرد عبث؟

فيلم "أغنية باستر سكراجز".. هل الموت والحياة مجرد عبث؟

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض

عندما يموت أحد الأبطال في فيلم للأخوين جويل كوين وإيثان كوين، لا تتوقع أن تسمع موسيقى حزينة وترى مراسم جنائزية ودموع متدفقة من أهله وأحبائه؛ فالأبطال عند الأخوين كوين يموتون هكذا، بلا موسيقى أو مراسم أو دموع. وعندما تشاهد فيلما للأخوين كوين، سيكون من الصعب أن تتوقع كيف سيأتي ذلك الموت؛ ففي فيلم مثل "فارجو" على سبيل المثال، قتل لص شريكه عن طريق رميه في قطاعة خشب، وفي "لا بلد للعجائز"، كانت وسيلة القتل المفضلة لدى القاتل المأجور أنطون شيجارو هي مسدس ماشية. الموت في أفلام الأخوين كوين ليس شيئا مَهيبا، الموت في أفلام الأخوين كوين شيء عبثي.

ذلك العبث نفسه هو ما يُحرّك الخيوط ويرسم مصائر الشخصيات في فيلمهما الأخير "أغنية باستر سكراجز". ففي ذلك الفيلم المُكوّن من ستة أفلام ويسترن قصيرة كتبها الأخوان على مدار خمسة وعشرين عاما وعرضته "نتفليكس" في نوفمبر/تشرين الثاني من هذا العام،[1] نجد الكثير والكثير من حوادث الموت العبثي.

كإلهين ضجرين، يطفو الأخوان كوين فوق عالمهما السينمائي ويتسلّيان بليّ مصائر شخصياتهما بأكثر الطرق غرابة. كل شيء في فيلمهما الأخير "أغنية باستر سكراجز" ينضح بتلك الغرابة؛ بداية من القصة الأولى التي نرى فيها عجوزا هادئ الملامح يرتدي ملابس ناصعة البياض ويسير فوق حصانه مُغنيا في البرية، لنكتشف بعدها بدقائق أن ذلك العجوز هو أخطر قاتل في المنطقة، وحتى القصة الأخيرة التي يشترك فيها خمس شخصيات مختلفة تمام الاختلاف في العربة في رحلة يكمن في نهايتها أكثر الاكتشافات شؤما.

وحتى يظهر عُنصر العبث الكامن في قصص "أغنية باستر سكراجز" احتاج إلى الكثير من الخيارات الفنية الواعية، وعلى رأس تلك الخيارات يجيء اختيار الأخوين كوين للمكان.
    

                    
تحت سماء لا مُبالية

" لا تتشبّث بأي شيء
فلا شيء يدوم للأبد سوى الأرض والسماء"
(أغنية "غبار في الرياح" [2])

 

 تشترك جميع أفلام "أغنية باستر سكراجز" في كونها تقع على خلفية محيط معزول يخلو أو يكاد من البشر، ذلك عدا شراذم عابرة من الغُرباء تتقاطع طرقها مع أبطال القصص ويحرك وجودها فيهم من الخوف أكثر مما يبعث على الطمأنينة؛ فالآخر هنا غالبا هو مصدر للخطر.

نكاد لا نرى أي مدينة في أي من القصص الست، فكلها تجري فوق مساحات لا هي بالقرى ولا بالمدن، بل أماكن عشوائية يبدو وكأنها انبثقت من اللامكان. ويلعب المكان هنا دورا ليس بالصغير، تمر فوقه الكاميرا بتؤدة قبل أن تعرفنا على أي من أبطال القصص، ومن آنٍ لآخر تقطع منه للشخصيات أو تضعها على خلفيته فتظهر لنا ضئيلة للغاية، وغالبا ما تنتهي الأفلام به فتجعل منه لقطتها الأخيرة.


في أول قصة من الفيلم، قبل أن نرى البطل، نبصر فضاء واسعا من صحراء شاسعة لا يقطعها شيء، ثم يتصاعد إلينا صوت باستر سكراجز مُغنيا: "أواجه المساحات القاحلة طوال اليوم بدون أي قطرة ماء"؛ يردد الصدى صوته، فلا إنسان غيره في ذلك المكان المقفر. أما في "تذكرة الطعام"، نجد أن المكان منذ اللقطة الأولى يمهد للأجواء القاتمة للقصة؛ فنرى سماء مُلبدة بالغيوم تقف سدًّا منيعا يحول دون عبور ولو شعاع واحد من الشمس، والأرض تتجمد برودة، لا يكسوها سوى جليد يصبغ الأفق بلون الثلج الشاحب. المكان كذا يأتي ذكره في السرد الذي نرى منه الفقرات الأولى في بداية كل فيلم قصير والذي يقول هنا: "تحركت العربة عبر الجبال التي مر عليها الشتاء. اصطف في طريق العربة أشجار الحور والصنوبر، شهود غير مبالين لعبور الإنسان".
                 

إن لا مبالاة الطبيعة تمتد عبر الفيلم كثيمة أساسية تتردد خلال القصص. فالمكان حول الأبطال يظهر كفضاء لا يبالي لهم، غير ممهد لعبورهم، ولا يوفر لهم بسهولة أسباب البقاء من ماء ومأوى وطعام. وهذه اللامبالاة تقف أحيانا على حدود العداء المُبطن من الطبيعة للإنسان، ما يظهر أكثر ما يظهر في قصة "وادي الذهب الخالص". في تلك القصة، نرى في اللقطات التأسيسية صورة لطبيعة جميلة تتحرك فيها شتى الحيوانات والطيور والحشرات في انسجام تام، تردد الرياح أصواتها وهي ترعى أو تسبح أو تطير خالقة معا إيقاعا هادئا. كل هذا يضطرب بشدة عندما يشق صوت رجل أجش ذلك الإيقاع، فيوتر الانسجام ويُضيع الهدوء.


إن الطبيعة المسالمة لذلك المكان لا تفعل شيئا لإيذائه، لكنها تظهر في الفيلم كشخصية تملك مشاعر تتحرك حول كراهية ذلك الضيف الثقيل. وجود الإنسان هنا هو وجود دخيل لكائن طفيلي مخرّب، يُشوّه السهل ويحفر حُفَرا كبيرة على طوله بحثا عن الذهب. لكن الطبيعة مهما كان هي من لها البقاء والديمومة، والأثر الذي يتركه الإنسان لا يعدو كونه خدشا صغيرا على سطح الأرض لن تلبث أن تطمسه آثار الريح. يعكس السرد ذلك المعنى، فتقول الفقرة الأخيرة من القصة في الكتاب: "ولم يبق إلا آثار الحوافر في السهل والمساحات المحفورة للدلالة على الآثار الصاخبة للإنسان الذي خرق سكينة المكان ومضى".
       

             
كما تتردد ثيمة ديمومة الطبيعة مقابل فناء الإنسان في قصة "الفتاة التي اضطربت" أيضا؛ فعوضا عن اللقطة التأسيسية الواسعة التي بدأت بها القصص الأخرى، نجد هنا لقطة متوسطة لكلب ضئيل يختبئ تحت مائدة الطعام. بَدء الفيلم بتلك اللقطة يُنبئ بالمنحى الساخر التي ستتخذه الأحداث، فيموت جلبرت مالك الكلب، وتموت أخته أليس، ولا يبقى سوى الكلب، الكلب الذي باءت كل محاولات التخلص منه بالفشل، على قيد الحياة.

وفي قصة "البقايا البشرية"، نرى أول شيء السطح المتعرج للسهول يتحرك بمرور العربة عليه، وفي الأمام، يحتل قرص الشمس داكن اللون قُبيل الغروب الشاشة. في تلك الصورة مجاز بصري عما تحمله القصة من ثيمات عن العبور والرحيل، عن الموت. تتحرك العربة فوق أرض، ككل القصص الأخرى، خالية من البشر. ولا يمر وقت طويل قبل أن تصطبغ السماء بسواد الليل القاتم، السواد نفسه الذي ينزلق إليه المسافرون الثلاثة في العربة عندما يكتشفون أن من يجلس قبالتهم هما في الحقيقة زوج من السفاحين. وفي النهاية، يصل المسافرون أخيرا إلى وجهتهم، إلى النُزل، لنجده أمامنا مبنى مقفرا خاليا من الحياة، لا يزين حديقته سوى أشجار عارية من الورق.

يقول المُنظر السينمائي بول شرادر: "عندما يُعطى للبيئة وزن مساوٍ أو مجاوز لوزن الممثل، يخلق هذا دون شك حينها أجواء يُخيّم عليها إحساس بالنهاية والقنوط. ليس ثمة شيء يفعله البطل، المدينة ستصمد أكثر منه وستحكم على كل مجهوداته بالفشل".[3] كان شرادر يتحدث هنا عن الفيلم - نوار*، وبما أن الكثير من أفلام الأخوين كوين وقعت ضمن نوع النيو-نوار*، فإذا ما استبدلنا هنا كلمة "المدينة" بكلمة "الطبيعة"، ستنطبق باقي العبارة تماما على "أغنية باستر سكراجز". فالبيئة المُقفرة المحيطة بالشخصيات في كل قصص الفيلم ليست أبدا بالشيء الاعتباطي. إنها تُشكّل الخلفية للمعاني التي تشكّلت عبرها القصص الستة، وتحمل صدى لأفلام الأخوين كوين الأخرى، ولبعض كلاسيكيات الأدب الوجودي.

يُضفي الفضاء الواسع الخالي من البشر إحساسا غامرا بالعزلة، أبطال "أغنية باستر سكراجز" مُلقون وحدهم في القلب من طبيعة لا تكترث لهم بلا رفيق. في كل القصص، نراهم بعيدين عن بيوتهم حيث الدفء والأمن، متروكين في الطريق الذي يعيش بعضهم فوقه -مثل بطلي قصة "تذكرة الطعام"- بلا استقرار أو أمان.
      

     
تخلق تلك المساحات الواسعة، إذا ما دمجناها مع غياب المعنى أو المطلق في عالم الأخوين كوين السينمائي، شعورا عاما بالوحشة، يقارنه الباحث ماثيو نورمان بذلك الذي يُسيطر على الأبطال في روايات ألبير كامو الوجودية التي تجري أحداثها غالبا في الصحراء. يقول نورمان: "في أعمال كامو الأولى، نجده قد استخدم الصحراء كمكان يستطيع فيه البشر فقدان أنفسهم والتواصل مع الآلهة. لكن في مرحلة رواية "الغريب" وكتابته الأخرى عن العبث، تبدأ الصحراء في اتخاذ معنى أكثر شؤما. فيها، يجد الإنسان نفسه غريبا عن العالم، يفقد نفسه لا يزال، لكن دون أن يجد أي إله أو قوى عليا ليتواصل معها. "يستطرد نورمان حول أفلام الأخوين كوين: "غالبا ما تدور أفلام الأخوين كوين في أرض قاحلة. موقعها ذاك يعيد إلى ذهننا أعمال ألبير كامو؛ الموقع المتشابه فيهما يحمل الرسالة نفسها: شعور غامر بالهجر والعُزلة"[4].

    
في ذلك الفضاء الشاسع، حيث لا قانون يحكم ولا وجود لمعنى كامن في نفوس الشخصيات يحركهم أو يتحكم بهم، تجد تلك الشخصيات نفسها، وفقا لمقال ريتشارد جاران "الأخوان كوين وتبادل الأدوار الوجودي": "حرة تتصرف كما تشاء، لكنها تفعل هذا في القلب من طبيعة لا مبالية تواجهها بالعداء، أي أنها تفعل هذا في حيز العبث".

وفي حيز العبث، لا معنى لشيء، ولا غاية من وراء أي شيء، فكل الأشياء تنتهي النهاية نفسها، وكل الطرق تؤدي إلى موت آتٍ، مهما تأخر، لا محالة. وكما قال الروائي الروسي فيودر دوستيوفسكي على لسان شخصية آيفان في رواية "الإخوة كارامازوف": "إذا لم يكن هنالك إله، فأي شيء مسموح به". يمد ألبير كامو في رواية "الغريب" خط ما هو مسموح به لنهايته، ليصل أخيرا للأشياء التي يفعلها البشر لا لهدف، بل فقط لكونهم يستطيعون فعلها، ليصل أخيرا إلى القتل. فميرسو بطل رواية "الغريب" يقتل رجلا لا يعرفه ولا تجمع بينهما أي صلة فقط لكونه يستطيع فعل هذا. يأخذنا هذا لضرورة الحديث عن القتل في "أغنية باستر سكراجز"، والذي، كما في سائر أفلام الأخوين كوين الأخرى، يأتي على الدرجة نفسها من العبثية. [5]

 

القتل كفعل عبثي
 في مقاله حول أفلام الأخوين كوين يقول جاران: "لا يجد السفاح في قصة "من الصعب إيجاد رجل طيب" للكاتبة الأميركية فالانيري أوكونور سببا حتى يؤمن بإله، لذا يصل إلى النتيجة الآتية: "لا يبقى أمامك شيء لتفعله سوى التمتع بالدقائق القليلة المُتبقية لك بأفضل طريقة ممكنة، بأن تقتل أحدهم أو تحرق بيته أو ترتكب أي فعل آخر شرير ضده"". يعقد بعدها جاران الصلة بين تلك العبارة وبين أفلام الأخوين كوين الأخرى، ونجد أن ذلك الخط يمكن مدّه على استقامته حتى يصل إلى "أغنية باستر سكراجز". [6]




منذ القصة الأولى، يُمهّد الفيلم الأجواء للقتل العبثي. باستر سكراجز بطل القصة يقتل من يضايقه بلا سبب؛ وليس هذا فقط، فهو يستمتع بفعل القتل ذاك، ويُتبعه بغناء تفاخري، أو يفعله بطريقة استعراضية. وكما يقتل بلا سبب، يُقتَل أيضا بلا سبب، أو على الأقل بلا سبب نراه. في الغرب الأميركي القديم كما تصوره أفلام الأخوين كوين، نجد أنه في ظل الخواء الذي يتركه عدم الإيمان بإله وعدم فعالية منظومة القانون، يحدث ارتداد لنظام القيم ويرجع خطوات للوراء، إلى سيادة مقولة "البقاء للأقوى". فبجانب التسلي بالقتل، يتم اتخاذه هنا كآلية لإثبات أنك الأقوى، الأكثر قدرة على البقاء؛ وهو شيء لا يحمل بدوره في داخله أي معنى أو قيمة تجعله يهرب من العبث.

وفي ظل تحكم قانون الطبيعة، الطبيعة التي يُترَك فيها المُصاب بإعاقة في البرية حتى يذوي ويموت، ما كان عُرفا سائدا لدى الكثير من القبائل البدائية وبعض الثقافات شجعت عليه مثل الثقافة الإغريقية القديمة، يحدث الارتداد لذلك القانون مرة أخرى في قصة "تذكرة الطعام". فبعد أن فقد الشاب مبتور الذراعين والقدمين فائدته بالنسبة لمُتعهّد العروض وأخذ جمهوره يتضاءل يوما بعد يوم، يُلقي به المُتعهّد في النهر ويستبدله بدجاجة ستدر عليه ربحا أكبر، فلا مكان في هذا العالم لمن لا فائدة من ورائه. يُعيد هذا للذهن قصة واحد من أهم كُتّاب العبث في القرن العشرين، "فنان الجوع" لفرانتس كافكا. في تلك القصة، نتبع أحد فناني الجوع، وهو يشكو من تضاءل جمهوره، حتى تأتي النهاية ويموت الفنان جوعا دون أن يلحظ أحد، ولا يتم اكتشاف موته سوى عندما يحتاج مدير العرض إلى قفص إضافي، فيتخلص من جثة الفنان ويستبدلها بنمر محبوب من الجماهير يدر عليهم أموالا وفيرة.

أما في قصة "بالقرب من آلاجدون"، تكمن المفارقة العبثية لا في فعل القتل نفسه، والذي يأتي في سياق تطبيق القانون، بل في الملابسات التي أدّت إليه. فيُفلت السارق من حبل المشنقة عقابا على جريمة حاول ارتكابها، ليلتفّ حول رقبته مرة أخرى بسبب جريمة لم يرتكبها، لكن تلك المرة لا تتدخل يد الحظ السعيد مجددا لتُنقذه، فيموت حقا. وكذا تُسيطر المفارقة العبثية على قصة "الفتاة التي اضطربت"، فلا تموت أليس على يد الهنود الحُمر كما كانت تخاف، بل على يد خوفها نفسه منهم والذي جعلها تضطرب وتضغط على الزناد وتُطلق الرصاص على نفسها قبل حتى أن تنتهي المعركة.


              

في القصة الأخيرة، "البقايا البشرية"، يُجمل الأخوان كوين ما سبق وتردد في القصص السابقة: الموت سائق عربة لا يثنيه شيء عن تُقدمه حتى يصل لوجهته الأخيرة. فمهما ابتعدت بنا طرق الحياة عن بعضنا البعض، ومهما فرّقتنا، كلنا سننتهي بالشكل نفسه، كلنا سنلقى المصير نفسه؛ حينها، ستتوحد اختلافاتنا مرة أخيرة وإلى الأبد، سيطوينا صمت الفناء الأبدي ويأخذنا معا إلى حيث لا رجوع.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار