هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
"One punch Man".. هل تجعلنا القوة الخارقة أكثر سعادة؟

"One punch Man".. هل تجعلنا القوة الخارقة أكثر سعادة؟

آية طنطاوي

كاتبة
  • ض
  • ض

بعد أن فشل في الحصول على وظيفة أعاد التفكير في أمنيته التي طالما حلم بها؛ لم يريد سايتما يوما أن يكون بطلا ذا قوى خارقة، لكنه تمنى أن تكون يده قوية بما يكفي ليقضي على خصومه بضربة واحدة، وبالفعل، في يوم تعيس للغاية أصبح سايتاما البطل ذا الضربة الواحدة التي تجعل أقوى الأشرار مجرد فتات. مرت السنوات، ورغم ذلك لم يكن سايتما سعيدا على الإطلاق، والحزن واللامبالاة يغمرانه لأنه لا يشعر بلذة قواه الخارقة.

"لقد أصبحت البطل الذي حلمت به، فما المشكلة إذًا؟ لماذا أشعر أن قلبي فارغ؟"

(سايتاما، المسلسل)

                 

 

في عالم الأنمي "ون بنش مان" (One Punch Man) لا تتاح فسحة للتفكير في أسباب تجول الأشرار بأريحية في شوارع المدينة، لكننا نعرف أن البشرية هي الهدف الرئيس الذي يسعون إلى تدميره، فيهبط البعوض والفضائيون وغيرهم ممن يستهدفون الأرض للسطو عليها وقتال البشر، في النهاية قررت جمعية الأبطال بوسط المدينة أن تجمع كل أبطالها للتصدي للأخطار التي ذكرت النبوءة أنها تستهدف كوكب الأرض. يحمل الأبطال الخارقون أهدافا سامية وقيما، لذا هم يدافعون عن الخير ويحاربون الشر، لكن هل سايتاما بطل "ون بنش مان" (One Punch Man) لديه الأهداف نفسها؟ أو أي أهداف أخرى؟


جلس "وان" (One) في غرفته الصغيرة بمدينة سايتاما اليابانية يصنع من رسوماته المتواضعة بطله الخاص، لم يهتم بخلق بطل خارق معتاد بعضلات مفتولة، لكنه فقط أراد أن يضيع وقت فراغه في هذه الرسومات والقصص المصوّرة المسلية، فصنع بطلا خارقا مصابا بالملل اختار له اسم المدينة التي يعيش فيها، سايتاما، وأكسبه قوة خارقة تشبه أحلام الطفولة والمراهقة، أن يقضي على أي شرير بلكمة واحدة. تطور سايتاما من الـ "web comic" إلى سلسلة كوميكس مطبوعة ثم إلى مسلسل أنمي[1]، ولا يزال البطل الخارق يحمل صفات مخترعه، يشعر بالملل، لا يبالي، وجاء فقط ليصنع المرح، وفي  الأوقات الصعبة يواجه الأشرار الذين يستهدفون البشر.

               


يُذكّرنا سايتاما بحديث لين يوتانج عن الحضارة الصينية التي تكسب الإنسان شعورا بالانفصال عن الحياة الذي ينتج عنه تعالٍ يساعد الفرد في خوض الحياة بشيء من الاستخفاف المتسامح، وعدم الاهتمام بالشهرة والثراء والإنجازات، لنقول إنها تولّد بداخله شعورا باللامبالاة[2]، يتجلى ذلك في اللقاء مع جينوس الذي وجد في سايتاما مثلا أعلى ومعلما، فقرر أن يرافقه ليتعلم من خبراته ليصبح مثله بطلا خارقا بقبضة دامية، لكن سايتاما يعرف أنه لا يملك شيئا ليعلّمه إياه، كما أنه لا يحمل قيمة حقيقية يسعى لأجلها مما يكسبه صفة المعلم الحقيقي أو البطل الخارق المثالي، هو جسد يملك قوة، لا أكثر ولا أقل، بالأحرى هو مجرد إنسان عادي لكنه يملك بعض القوى. فكيف يعلم روبوت أن يكون إنسانا؟!

 

هل يحمل سايتاما صفات البطل الخارق؟

في بداية عملها سألت شركة "دي سي كوميكس" نفسها كيف سيكون مظهر البطل الخارق المتفوق جسديا على باقي البشر؟ فصمم جيري سيجل وجوزيف شاستر "سوبرمان" الرجل ذا العضلات والشعر الأسود اللامع والملامح الوسيمة، والذي يستطيع الطيران والقفز وقتال الأعداء بضرباته السريعة[3]، وعلى العكس فعل "وان" فكان سايتاما بطله الخارق عاديا، لا يميزه شيء، حتى إنه حليق الرأس، عضلاته متواضعه، ويرتدي بذلة تشبه خاصة سوبرمان لكنه يحمل صفات بشرية للغاية. في واحدة من أجمل المعارك التي خاضها سايتاما، قرر الوحش أن يستمر في العراك لأسبوع كامل، مما أربك سايتاما وقرر أن يقضي عليه فورا لأن تخفيضات المتجر ستفوته. يبدو هذا الموقف ساخرا للغاية خاصة أنه أثار تعجب الأبطال في المشهد، لكنه لا يبدو غريبا بالنسبة لسايتاما لأنه إنسان ويحمل صفات الإنسان العادي الذي تشغله الحياة الطبيعية، يهتم بالتسوق والطبخ وقراءة القصص المصورة ومشاهدة التلفاز، ولا يواجه الشر إلا من باب وجوب الدفاع عن النفس من الأشرار الذين يستهدفون البشرية؛ لكن هل فكرنا يوما لماذا يستهدفون البشر بالتحديد؟

   

يقودنا الشعور بالخطر على البشرية إلى تأمل الرعب الذي اعتلى وجوه أهل المدينة عندما هاجمهم الوحش في نهاية المسلسل، كانوا يفكرون في طريقة لقتله فتشجعوا ليقاتلوه، لكنهم تراجعوا وشعروا بالاطمئنان عندما ظهر الأبطال الخارقون ليقضوا على الوحش، بدأ أهل المدينة بالتهليل وتشجيعهم لأنهم يتقنون هذا الدور، الوقوف وراء الأبطال الذين يستطيعون تحقيق النصر لهم وإنقاذهم، لذلك هم بحاجة  دائمة إلى وجود أبطال، في عالم الأنمي، وفي الكوميس المصورة، وفي الواقع أيضا.

   


لا يصطدم الأبطال في المسلسل بالشر المطلق فحسب، بل بالأفكار أيضا، يمكننا تقسيم الأشرار في أنمي "ون بنش مان" (One Punch Man) إلى مهووسين تحولوا إلى أشرار، وأشرار يستهدفون البشرية، وهذان النموذجان يتفاوتان في درجة الخطورة، فالنموذج الأول هو لأشخاص عاديين حوّلهم الهوس إلى وحوش، كالرجل السلطعون الذي حوله هوسه بأكل السلطعون إلى وحش سلطعوني، يبدو الأمر مضحكا لكنه يعكس مغزى الفكرة المجردة، أن الهوس يحولنا حقا إلى وحوش. أما النموذج الثاني فهو ليس بشريا، لكنه يكن عداء الفضائيين والقوى الأخرى للبشر لأنهم يدّعون الذكاء ولأنهم سيطروا على الأرض وأفسدوها، كلها أمور منطقية لكنها تقودنا إلى نظرة متدنيه للإنسان تأتينا من العالم الآخر المجهول. في الأساطير القديمة وعلى مدار تاريخ البشرية اكتسب الإنسان شعورا بالسمو في مقابل تدني كل شيء عداه، لكنه ما زال يحبو في خضم العالم الفسيح، وهو ما يضعه في عداء خفي مع كل ما هو غير إنساني، ناهيك بالصراعات البشرية، وهو ما يفسر لنا الحروب التي يخوضها أبطال الأنمي التي تعكس برمزية شديدة الإنسان في مقابل الشر كفكرة معادية له تسعى لتدميره.

"البشر أقوياء لأن لديهم القدرة على تغيير أنفسهم"

(سايتاما، المسلسل)


في واحدة من الحلقات تواجه المدينة شرور العالِم جيناس وأفكاره، فهو يرى أنه أذكى شخص على الأرض، فصنع من نفسه نسخا عديدة، وفي حلقات أخرى حدثت مواجهة مع الفضائيين الذين يريدون غزو الأرض والسيطرة عليها من سطوة البشر لأنهم الأسمى منهم. وإن بدا بطلنا الخارق غير مبالٍ طوال الوقت فإن تدمير الأفكار المعادية للبشر وقيمة الإنسان تفرض سطوتها على الأحداث، وهي الفكرة التي تتكشف في الحوار لتُذكّرنا بأفكار داروين الذي يرى أن الإنسان محض كائن حالفه الحظ في التطور فأصبح على ما هو عليه، وهو عكس الفكرة التي يؤكدها الأنمي من خلال شخصية سايتاما. عندما خلق جيناس كائنات مستنسخة منه لم يخلق بشرا، بل نسخ آلية بلا روح وبلا وعي، تماما مثل فيكتور فرانكشتاين الذي أراد حل لغز الحياة فخلق وحشا دميما، حتى داروين يرى أن الوعي الإنساني محض انعكاس لعمليات كيميائية وفيزيائية قابلة للتحليل العلمي[4]، مما يعيدنا إلى النظرة للإنسان على أنه كائن غير مميز إلا بالمصادفة ويمكن محاكاته بصنع الملايين مثله في عودة جديدة لفكرة احتقار الإنسان. في أول معركة خاضها سايتاما دافع عن طفل صغير، لأن عدد الأطفال في المدينة يتناقص مما يهدد بانقراض البشرية والأجيال الجديدة، فنرى أن سايتاما لا يدافع عن قيمة مطلقة، بل عن سمو الإنسان كفكرة ضد عدو يقلل من قيمته.

"عندما أقاتل الوحوش لا أشعر بحماس.. أقصد أنني أفعل ما يفعله البطل لأنها هواية لا أكثر"

(سايتاما، المسلسل)

"النضال بحد ذاته من أجل بلوغ القمم يكفي لكي يجعل قلب الإنسان ممتلئا، لأنه علينا أن نتخيل سيزيف سعيدا"

(ألبير كامو)

    

   
سايتاما وحجر سيزيف

يبدو أن الأشرار في الأنمي يؤمنون بالفلسفة الوجودية التي ترى أن البشر مجرد ذرات تحوم دون شعور أو جدوى حول كوكب الأرض، وأنه لا معنى لحياتهم تلك، وسايتاما وأبطال المدينة يحملون حجر سيزيف على أكتافهم، يخوضون المعارك باستمرار دون أن يقضوا على جذور الشر، وفي النهاية تُدمّر المدن ويموت الملايين دون معنى كفعل عادي متكرر، وسايتاما أصابه الملل للسبب نفسه، لأن الحياة تدور من حوله بالصورة والرتابة نفسها، حتى هو يقضي على خصومه بضربة واحدة في فعل رتيب ونمطي أيضا، لكنه لا يفكر في إنهاء حياته لأنه يحب الحياة وتدفعه -دون أن يدري- الرغبة في البقاء، وهي شعور غريزي لدى كل البشر. كان ألبير كامو يؤمن بالفلسفة الوجودية لكنه لم يكن متشائما أبدا، فكتب عن الحب والحياة والصداقة والعلاقات، كان منفتحا على العالم وملتزما بملذات الحياة العادية، وكذلك سايتاما الذي كان يمارس حياته بمنتهى الاعتيادية مع نظرات تعجب من المحيطين به.


عندما اعترف سايتما بسر قوته الخارقة قال إنه استمر في لعب الضغط والجري كل يوم وتناول 3 وجبات يوميا، وهي أمور لم يقتنع بها أحد، ولا حتى محبو المسلسل، لكن بالنظر إلى الفكرة العامة التي يدور الأنمي في فلكها، وهي الإنسان وقيمته، سنجد أن ما قاله يجعل من أي شخص منا إنسانا قويا لكنه لا يجعله صاحب قوة خارقة أو "Superhero"، ولأن سايتاما إنسان عادي فسبب قوته كان عاديا أيضا، يبدو الأمر عبثيا لكنه يخبرنا أن كل إنسان يمكنه أن يكون بطلا خارقا على طريقته الخاصة، لكنه لا يضمن لنا في النهاية أن نكون سعداء.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار