انضم إلينا
اغلاق
أفلام الحروب.. فن أم بروباغندا؟

أفلام الحروب.. فن أم بروباغندا؟

رحمة حداد

محرر فن
  • ض
  • ض

في عام 1975 نشرت الكاتبة الأميركية اليهودية سوزان سونتاج مقالا بعنوان "فاشية آسرة"، تناولت فيه بالبحث والتحليل واحدة من أهم مُخرِجات الأفلام الوثائقية، الألمانية ليني ريفنستال، انطلاقا من كتاب صور صدر لها، يحوي خلاصة رؤيتها لسكان النوبة الأصليين، حللت سونتاج فكرة "جماليات الفاشية"، وهي ليست مرتبطة بالضرورة بالعنف أو القمع، ولكنها مجموعة من القيم الجمالية التي يمكن ربطها بفكرة الفاشية، مثل الكمال الجسدي والقوة والصلابة، الانضباط والتماثل، الحركة المتناغمة، وهو ما يمكن رؤيته في صور ريفنستال للنوبيين بأجسادهم السمراء المستقيمة والوشوم والحلي التي تغطيها أو تخترقها، وبما أن ريفنستال سينمائية بالأساس فيمكننا رؤية تلك الجماليات التي تحدثت عنها سونتاج في أفلامها بشكل صارخ، خاصة فيلمي "انتصار الإرادة" و"الأوليمبياد".

 

"انتصار الإرادة" هو فيلم تسجيلي عن الحزب النازي، يصوّر فعالياته وأهم قادته يتحدثون ويخطبون، وقد تمت صناعة الفيلم بناء على طلب من هتلر نفسه، لكن، حتى نهاية حياتها بقيت ريفنستال تنفي أي علاقة سياسية لها بالحزب النازي، بل وتنكر علاقتها بأي جرائم ارتكبها. تحتل أفلام ريفنستال مكانا مهما في تاريخ السينما نظرا لتقنيات التصوير المجددة وحسها العالي جدا للجمال والجسم الإنساني، فهل يكفي الجمال لتقييم العمل الفني؟(1)


الآن، وفي وقت أكثر تحررا بالنسبة للسينما وخياراتها، لا يخلو عام من عرض فيلم عن حرب ما، أو بطل حرب ما، ومأساة ناتجة عن حرب ما، وبما أن السينما الأميركية من أكثر السينمات انتشارا وأكثرها وصولا إلى المشاهد، نرى الحروب دائما حاضرة في أفلامها، جنودها هم الأبطال، وأعداؤها يُسحقون دون رحمة، يتكرر هذا دائما على الرغم من أنه لا يوجد حاكم ليطلب فيلما بشكل خاص لكي يخدم آراءه أو يكون دعاية لحرب جارية أو ثورة. تُصنع الأفلام في هذا السياق لأن صانعيها يودون أن يبدوا أكثر وطنية أو لأسباب أخرى تتجلى بعض أمثلتها في الآونة الأخيرة بصورة فجّة، وهو ما يمكن تحليل دوافع وأسباب صنعها بعيدا عن النظر للعناصر الجمالية السينمائية المجردة.



القناص الأميركي كمثال

  

"الحرب هي إطار للسعي لكسب مكانة معينة لأنها تستدعي مجموعة من المهارات والقيم، كل تلك المهارات مثل ركوب الخيل، إطلاق النار باستقامة، وتجنب صواريخ الأعداء، بالإضافة إلى منظومة القيم من ولاء وتحمل وشجاعة وثبات، اجتماع تلك القيم والمهارات في سياق الحرب، تلخص فكرة إثبات الرجل لرجولته، النجاح في القتل المنظم هو المثال والتعريف الذي وضعته معظم المجتمعات لمفهوم الرجولة".(2)

   

أثناء عرض حفل تسليم جوائز الأكاديمية للعلوم والفنون (الأوسكار) لعام 2014، علق مذيعو إحدى القنوات الأميركية مستنكرين وشاجبين أن فيلم "القناص الأميركي" لكلينت ايستوود المخرج والممثل الأميركي الأيقوني، لم يتحصل على أي من ترشيحاته الست، مقررين أنه يستحق جوائز أكثر من المنافس الذي تقرر حصوله عليها بالفعل، وكأن تناول قصة "بطل حرب" يؤهل الفيلم أيا كان مباشرة للحصول على الجوائز والتقدير النقدي.


يحكي "القناص الأميركي" قصة كريس كايل بناء على مذكراته، باعتباره أكثر القناصين الأميركيين فتكا بحصيلة 255 قتيلا في أربع جولات في حرب العراق، يفرد الفيلم بطولاته في قنص المواطنين العُزّل ثم عودته إلى منزله مصابا بكرب ما بعد الصدمة، ومتأثرا برؤية زوجته وأولاده. قوبل الفيلم حينها بالثناء النقدي والجماهيري، لكنه قوبل أيضا ببعض الجفاء من قِبل بعض النقاد الأكثر تحررا، حيث يرى البعض أن الفيلم يتناول قصة مجرم حرب وليس بطل حرب، ويركز فقط على الجانب الأميركي من القصة.


كريس كايل  (مواقع التواصل الاجتماعي)


يقول ديفد جروسمان، الملازم السابق والأخصائي النفسي في كتابه عن القتل، إن أعراضا مثل اضطراب أو كرب ما بعد الصدمة تحدث للعائدين من الحرب بسبب خوفهم من ارتكاب القتل على قدر خوفهم من أن يتعرضوا للقتل، وهو ما يتم التغلب عليه عن طريق التدريب المكثف والشديد، مثل الذي خضع له كريس كايل، أو عن طريق البروباغندا التي تعزز قضية الجنود وتُشيطن الأعداء.


تظهر إذًا فكرة تأليه بطل الحرب وشيطنة العدو باعتبارها الدافع الرئيس وراء هذا النوع من السينما، في "القناص الأميركي" يقتل كريس كايل (برادلي كوبر) النساء والأطفال ثم يشعر بالأسى والذنب بعدها، لكي يظهر كم هو شخص صالح، وهو تعديل أضافه ايستوود وكاتب السيناريو، لأن في مذكرات كايل كان يتباهى بفعلته ويرى العراقيين متوحشين بدائيين يستحقون القتل.(3)

أفلام حرب ضد الحرب
 "هذا الشر الكبير، من أين يأتي؟ كيف تسلل إلى هذا العالم؟ ما بذرته؟ ما الجذر الذي نما منه؟ من يفعل ذلك؟ من يقتلنا؟ يسلبنا الحب والنور، يسخر منا ويرينا ما نعرفه من قبل، هل خرابنا ينفع الأرض، هل يساعد العشب على النمو، هل يساعد الشمس على السطوع، هل هناك ظلام داخلك أيضا؟ هل مررت بهذه الليلة؟"(*)


يتم تبرير الحروب حتى في الأفلام التي لا تتبع سرديتها فعل الحرب نفسه من قتل وعنف وفراق، لكن على الجانب الآخر توجد بعض الإنتاجات من أفلام الحرب التي يمكن وضعها تحت وصف "ضد الحرب"، فهي أفلام تتناول الحرب وويلاتها مثل الأفلام الأخرى، لكنها لا تملك نزعة البروبجاندا وادعاء البطولة وإسقاط صفات رجولية زائفة على الجنود، بل تتأمل طبيعة الحرب وتأثيرها على البشر والطبيعة، إلا أنه يمكن إعفاؤها بالكامل من التحيزات، لكنها بالعموم لا تكون تحيزات دعائية واضحة.
 
       

في عام 1997 صدر فيلمان في التوقيت نفسه تحت تصنيف فيلم حرب، "إنقاذ الجندي ريان" لستيفين سبيلبيرج، و"الخط الأحمر الرفيع" لتيرانس ماليك، كلا الفيلمين من إخراج مخرجين أميركيين، وكلاهما لا يصرخ بالبروباغندا، لكن يجنح "إنقاذ الجندي ريان" إلى إظهار البطولة الأميركية وتبجيل الجندي والمقاتل، وهو المعتاد من أفلام الحرب، بينما يتناول "الخط الأحمر الرفيع" الحرب من منظور آخر، يتعامل معها كشر مطلق، شر على جميع الأطراف المشتركة، الفيلم من وجهة نظر الجنود الأميركيين لكنه لا يجعل من أعدائهم شياطين، بل ضحايا حقيقيون يستحقون التعاطف، يتأمل الجنود طبيعة الحرب وجذورها وكيف أنها تفتك بكل حي لا تفرق بين أمة أو عرق.


قبل أن يُصدر سبيلبيرج وماليك فيلميهما عن الحرب اللذين أصبحا نقطة تحول في تاريخهما الفني، أخرج فرانسيس فور كوبولا صاحب سلسلة الأب الروحي الشهيرة فيلمه الملحمي "القيامة الآن" عام 1979، يصوّر الفيلم الحرب كجنون محض، لا توجد نقطة في فعل أي شيء، تنتفي فكرة الوطنية والقومية هنا، فما يحدث هو مجرد جنون ورعب، تدور تلك الفكرة حول رحلة نقيب تم إرساله للبحث عن كولونيل أصابه الجنون أثناء حرب أميركا على فيتنام، فقط ليمر النقيب بشكل دائري برحلة الكولونيل كاملة فيكاد يصاب هو الآخر بالجنون، لا توجد بطولة رجولية هنا، بل إن أفراد الجيش ذوي الأصوات العالية والأمر والنهي يتم السخرية منهم، لنرى الحرب على حقيقتها، جنون جماعي لا فائز فيه.
     

منذ بداية اختراع السينما رأى فيها السياسيون أداة سهلة التأثير على الناس فاستغلوها في الدعاية الحربية والحزبية وغيرها، لكن بعد تحررها جزئيا من ذلك، لا يزال استخدامها سهلا ومتاحا في بث الرسائل الأيديولوجية وصنع الأفلام الدعائية بشكل مبطن، لتخرج بذلك من قالب الفن الناضج، لكن وعلى الرغم مما سبق، فإنه لا يزال بعض الفنانين يحاولون استخدامها كوسيط للتعبير عن أنفسهم أو حتى عن الأحداث الكبرى دون أن تتحول لدعاية رخيصة.
__________________________________________
الهوامش:
*- مقطع من مونولج داخلي على لسان إحدى شخصيات "الخط الأحمر الرفيع".

تقارير متصدرة


آخر الأخبار