هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
فاطمة التنزانية.. أن تضحك رغم ألمك في "مفترق طرق"

فاطمة التنزانية.. أن تضحك رغم ألمك في "مفترق طرق"

أحمد سامي يوسف

محرر فني
  • ض
  • ض

يبدأ الفيلم بشريط الصوت، قبل أن تضيء الشاشة على باحة أمامية لمسجد تنطلق منها جنازة لأحد الأشخاص، يلتقط المشهد بالكامل من زاوية عين الإله، وليس هناك زاوية أفضل لالتقاط الموت والحياة أيضا، وهي مقدمة مناسبة عن "تقاطع" الموت والحياة كما يشير اسم الفيلم.

  

هكذا بدأ فيلم "t-junction" والذي عُرض في المسابقة الرسمية لمهرجان الأقصر للسينما الأفريقية للمخرج أميل شيفجي، حيث حاز على إعجاب النقاد رغم عدم حصوله على الجائزة الأولى بالمهرجان.

  

يخبرنا مشهد البداية، عن بعض العادات التنزانية حول الموت، وهي تبدو متأرجحة بين الاحتفاء بالموت الاحتفاء بالحياة، فلا يرتدي أهل الميت أو المعزين اللون الأسود، لكن، وفي الوقت نفسه لا يُشعل أهل الميت الموقد لمدة أربعين يوما، هذا العرض السريع لبعض عادات تنزانيا مع الموت يحمل دلالات كبيرة لكل التناقضات التي يحكي عنها الفيلم، لم يجد المخرج ما هو أفضل من الموت لعرض تلك التناقضات.

  

فاطيمة، إحدى الشخصيات الرئيسية في الفيلم، وابنة المتوفى تدخل مباشرة إلى المطبخ لإعداد الشاي والطعام، غير عابئة بأبيها الميت، والموت، والعادات المرتبطة بهما، ثم يؤكد المخرج مرة أخرى على ذلك عندما تقف في صحن الدار تحت مصدر الإضاءة مباشرة لتظهر متلألئة، بعدها مباشرة نراها عارية أمام المرآة، وكأنها تستكشف جسدها للمرة الأولى، كان الأب عائقا بينها وبين الحياة فيما يبدو، فهي تتكلم عنه بسوء، غير حزينة لرحيله، بل تستنكر حزن أمها عليه، كان رجلا سكيرا، لم يُعرهم أي انتباه أثناء حياته.

    

        

بعد رحيل والدها تبدأ فاطيمة باستكشاف الحياة والعالم، بداية من جسدها ومرورا بأجساد وحكايات وأرواح الآخرين، يكون عليها في اليوم التالي لوفاته الذهاب إلى المشفى بسبب إصابتها بالإنفلوانزا، وهنا نتأكد أنه بداية احتكاكها بالعالم الحقيقي، عندما تخبرها أمها أن عليها الذهاب باكرا "لأنها لا تعرف حجم الطابور الذي في انتظارها".

  

يُلقي صناع العمل الضوء على البيروقراطية والفساد السياسي في تنزانيا من خلال رحلة فاطيمة، عندما تذهب إلى المشفى نجد موظفة الاستقبال تتحدث في الهاتف بصوت عالٍ وبضحكات غير عابئة بالمرضى من حولها، إنها تضحك على الرغم من كل ذلك الألم المحيط بها، كناية عن الدولة غير العابئة بأوجاع وأجساد مواطنيها.

  

لا تقدم المرأة أي مساعدة من التي يُفترض أنها وظيفتها بالأساس، لا تقطع حديثها بالهاتف للرد على تساؤلات فاطيمة وتكتفي بالإشارة، نرى داخل المشفى نفسه أعداد الناس المنتظرة لأدوارهم في تلقي العلاج، يمكن اعتبار الطابور ثقافة ملازمة لأغلب دول العالم الثالث، اختار المخرج أكثرها قسوة، فطوابير الخبز أو الوظائف وأي طابور آخر يتطلب الانتظار، يمكن احتماله مهما بلغت قسوته، بينما طابور المشفى، هو طابور في اتجاه الحياة أو الموت رأسا، لأن الموت لا ينتظر أحدا.

 

تتعرف فاطيمة في هذا الطابور على ماريا، فتاة تقاربها بالعمر مصابة في أنحاء متفرقة من جسدها، وفي طابور كهذا يمكن اعتبار اكتساب صداقات مؤقتة مع العابرين شيئا مسليا، تحاول فاطيمة تعرّف العالم الذي لم تخض غماره بعد من خلال عيون ماريا التي يبدو أنها رأت الكثير.

  

تنتمي ماريا إلى الطبقة المسحوقة هناك، يتكون عالمها من مجموعة من الباعة الجائلين، نجح المخرج في وسم كل شخصية من عالمها بطابع خاص، آرابو الذي يبيع الحلوى، يمتلك قلبا طيبا، راكم المال حتى نجح في شراء "تروسيكل" حتى يهرب من بطش البلدية التي تبطش بأكشاك الباعة الجائلين وتستولي على بضائعهم، يخبر الجميع بعد شرائه التروسكل أنهم لن يصابوا بقرحة الظهر بعد ذلك، لأنهم سيحملون بضائعهم عليه.

   

  

   

بينما مانجي، شخص مرح يقود دراجة أطفال طوال الوقت رغم طوله الفارع، وآخر من المفترض أنه يبيع المانجو، لكنه يأكل كل بضاعته من المانجو قبل أن يبيعها، هو شخص لا مبالٍ تماما، وآخر يبيع الجرائد والمجلات التي دائما ما تحمل عناوين الطبقة الراقية ولم تلتفت إلى طبقته يوما، في تناقض آخر صارخ، وآخر شخصية غرائبية لا نعرف ماضيه لكنه حاضر بقوة في تشكيل واقعه، هو لا ينطق بأي كلمة رغم أنه ليس فاقدا للنطق وهو أكثرهم تديّنا لا يترك صلاة في المسجد.

  

يعرض صناع العمل من خلال هذه التركيبة، الطبقة المسحوقة التي لا تلتفت إليها الدولة وعوضا عن أن تمد لهم يد المساعدة تمد يد البطش، تطاردهم البلدية في كل مكان، تستحوذ على بضاعتهم وحصيلتهم من المال، على العكس من ذلك يعرض تضامن هذه الطبقة مع نفسها، كيف يترابطون أمام قسوة الحياة، هم يأكلون معا، يتقاسمون الضحك، ويقرضون بعضهم المال، لكن البلدية لا تتركهم، تحاول تنظيف الشوارع منهم، لأنها تنظر إليهم كقمامة، يقتلون آرابو بمنتهى الوحشية، ما يمثل مأساة لهذه المجموعة.

 

في أحد المشاهد المعبرة، عندما تطارد الشرطة هؤلاء الباعة يختبئون بداخل أحد المساجد، وهو دلالة على حضور الدين في المساحة العامة كمأوى لهؤلاء، وهو ما أكده المخرج التنزاني "أميل شيفحي" لـ "ميدان" عند سؤاله عن الحضور المتكرر للأذان داخل الفيلم، أجاب بأنه كثيرا ما شعر بالغرابة لغياب الأذان عن الأفلام التنزانية، فالأذان يحضر في الحياة اليومية خمس مرات ويرتبط باليومي، فضلا عن جماليته، بينما اختيار المسجد لأن يكون المكان الذي يلجأ إليه الفقراء "لأنه مساحة آمنة يحترمها الجميع في تنزانيا ويصعب على الشرطة اقتحامها".

 

عندما يهين رئيس الشرطة هؤلاء الباعة بعد اعتصامهم داخل المسجد، عيدي الشخص الذي لم ينطق بأي كلمة طوال أحداث الفيلم ينطق بأولى كلماته في مواجهة البلدية، يفصله الأذان عن الاشتباك مع رئيسهم.

 

على الرغم من قسوة الحياة التي عاشتها ماريا، وما رأته من الفقر ومطارادت البلدية ومأساة فقدان آرابو، فهي خاضت غمار الحياة، على العكس من فاطيمة التي ما زالت حياتها بكرا لم تكن تعرف حتى ما المقصود بالبلدية، لكن حياتها البكر هذة أكثر قسوة في الحقيقة، لأنها لم تعشها من الأصل، لم تكن ثمة حياة لتحياها فاطيمة، قاسية كانت أو رحيمة، عندما تسألها ماريا، هل وقعت في الحب من قبل؟ لا تجيب فاطيمة لأن الحياة لم تعطها فرصة، انحيازنا إلى ماريا رغم ما رأته من قسوة هو انحياز إلى الحياة في مواجهة الموت، مهما بلغت الحياة من قسوة.

    

مخرج الفيلم أميل شيفجي (مواقع التواصل)

   

يعبر المُخرج عن الأمر نفسه بصريا، باستخدام اللقطة العلوية، يلتقط فاطيمة وهي تجلس على الأرض وحولها الكثير من الملابس والأغراض، ما يعبر عن ازدحام عقلها بالأسئلة حول الأشياء التي افتقدتها، وفي المشهد التالي مباشرة وبلقطة علوية أيضا يلتقط ماريا تجلس على مقعد فارغ تماما وبروح لا تعلق بها أي شوائب، ينتهي الفيلم بماريا تقتحم البحر وتخوض غماره كما خاضت دروب الحياة، تنزع ضمادتها عنها وتتحرر من كل ما يعيقها.

  

التقاطع لم يكن المقصود به فقط ذلك المكان الخاص بالباعة الجائلين داخل الفيلم، بل تقاطع حياة فاطيمة وماريا، الذي يمثل كل منهم نموذجا خاصا في الحياة، ماريا التي خاضت غمار الحياة على الرغم من قسوتها، لكنها عاشتها بكل إمكاناتها الوجودية المتاحة لفتاة تنتمي إلى الطبقة الفقيرة، على العكس من ذلك كانت فاطيمة التي ربما لم ترَ ما رأته ماريا من مآسٍ، لكن حياتها كانت تخلو من الحياة تقريبا.

 

ينتمي فيلم "مفترق الطرق" إلى ما يمكن اعتباره واقعية رومانسية، ليست خشنة أو فجة، التزمت بالواقع القاسي دون أي إضافات تجميلية أو محاولة للاختباء والتحايل، لكن ينجح في جذب تعلقنا بهذة الحياة وأصحابها رغم قسوة ما عانوه، لأنها على الرغم من كل شيء كانت عامرة بالحياة والحب.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار