هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
بلاك بانثر.. أسطورة شعبية لأصحاب البشرة السوداء

بلاك بانثر.. أسطورة شعبية لأصحاب البشرة السوداء

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض
منذ أسابيع قليلة، أطلقت "مارفل" فيلم "الفهد الأسود" كإضافة جديدة لعالمها السينمائي من الأبطال الخارقين. ولم يشذ الفيلم عن القاعدة التي خلقتها وحققت مئات الملايين في شباك التذاكر، لكنه يبقى متمايزًا عن كل ما صنعت من قبل، على مستوى ظاهر نلحظ هذا في ممثليه وطاقم عمله الذي شكّل فيه الأمريكيون من أصل إفريقي الغالبية العُظمى، وعلى مُستوى أعمق قليلًا ندرك هذا في قصة الفيلم نفسها التي جاءت مشحونة بدلالات وأفكار سياسية وفكرية خلت منها سائر أفلام الشركة.

      

فيتبع فيلم "الفهد الأسود" في الأصل سؤال ماذا لو، ماذا لو لم تطأ قدم المُستعمِر إحدى البلدان الإفريقية قط، كيف كانت لتُصبح الآن؟ وفي الإجابة على هذا السؤال، يستعين الفيلم-أو المجلة المُصوّرة المأخوذ عنها في الأصل-بكثير من خيال عذب جاء من رحم واقع وماضي لم تترك بشاعتهما للمقهورين مُتنفَس سوى الأحلام. وقد اتخذ الفيلم من تلك الأحلام مادته الأساسية، لكنه لم يُغرق فيها كلية وجعل واقع المقهورين يُطل برأسه في الحكاية ليزيديها تعقيدًا على تعقيد ويُفجر خلالها من المُعضلات ما يجعل الخط الاعتيادي الذي يفصل الخير عن الشر في قصص الأبطال الخارقين أكثر رمادية من أي وقتٍ مضى.

  

     

واكندا: جنة إفريقية على الأرض

إجابة على سؤال ماذا لو السابق، وُلدَت واكندا، بلد إفريقية سقط عليها مُذنب في عصور غابرة حمل إليها معدن الفايبرانيوم الخارق الذي صار قلب وروح هذه الأرض. فبفضله، استطاعت البلاد إحراز تقدم تقني جعلها تسبق كل العالم بخطوات بعيدة، كما أحدث المعدن طفرات جينية في إحدى نباتاتها جعلها تُعطي أيًا من يتلقاها قُدرات تفوق البشر. صار ذاك النبات، الذي أسماه سُكان واكندا بـheart-shaped herb حِكرًا على طائفة المُلوك، فيشرب الملك المُتوّج حديثًا مسحوق النبتة، وبعدها، تسري في جسده قدرات "الفهد الأسود"، ويصير "الفهد الأسود" من هنا اللقب الذي يُطلَق على "تتشالا"-بطل الفيلم الذي يرتقي إلى العرش بعد وفاة والده.

 

لكن حالة الأمن والسلام التي عمّت واكندا صارت مُهددة بالضياع، فبحلول زمن الإمبريالية الغربية الأسود، أصبح معدن الفيبرانيوم عمود واكندا الفقري عُرضة للنهب. دفاعًا عنه، لم تجد من بديل سوى أن تُخفي نفسها عن أعين العالم، مُستعينة في هذا بمُجسّم ضخم جعلها تظهر للخارج على هيئة دولة فقيرة لا يوجد فيها ما يستحق عناء الاستعمار. وحتى يومنا هذا، ظلت واكندا على حالها، أكثر البلدان تقدمًا مُتخفية في قناع بلد نامي ولا يعلم عن هيئتها الحقيقية من الخارج أحدًا.

 

هكذا فرضت واكندا على نفسها انعزالية احتمت فيها من عُدوان الإمبريالية الغربية، فاحتفظت في إثر هذا بثقافتها الإفريقية الأصيلة بِكر لم تدنسها أيدي المُستعمر، وتطورها التقني الذي منحها إياه الفيبرانيوم، يسيران جنبًا إلى جنب دون أن يُمثل أحدهما عقبة في طريق الآخر. فينتقل الفيلم بخفة بين معمل "شوري" أخت "تتشالا" وما فيه من أحدث الاختراعات، وبين الساحة الخارجية التي يجري فيها القتال الطقوسي الذي يُتوَج الفائز به مِلكًا، وينتقل تتشالا نفسه في أكثر من موقف من استخدام الرِماح في القتال، إلى التسُلح ببذة خارقة مصنوعة من الفيبرانيوم (1) - والحقيقة أن الفيلم نفسه استعان بمزيج مُشابه وراء الكواليس ليصل لتلك الصورة، فاستوحت مصممة  الأزياء "روث كارتر" تصميماتها من ملابس سُكان إفريقيا الأصليين، واحتاجت لتعيد صناعتها بعد أن أضفت عليها لمسة مُستقبلية إلى طابعة ثلاثية الأبعاد (3D Printer). (2)

     

  

بنظرة فاحصة على واكندا وفيلم "الفهد الأسود" عامة، نكتشف أن قصته تفوق بكثير مُجرد كوّنها قصة لفيلم أبطال خارقين، بل تتجاوزه لتصير بمثابة أسطورة شعبية حداثية لذوي البشرة السمراء ممن عانوا طويلًا سواء في بلادهم الأم في إفريقيا، أو في بلدان المهجر الأروروبية والأمريكية التي سيق أجدادهم إليها فيما مضى كعبيد. وفي تلك الأسطورة الجديدة، يتم قلب الأوضاع، فتفوق أرض إفريقية سائر الدول الإمبريالية تقدمًا، وتسري فيها حضارة وثقافة قويتان طالما أدعى المُستعمر زورًا أن أبناء تلك البلاد لا يمتلكون إيًا منهم.  يصير الفيلم بهذا تجسيدًا لمفهوم علم الاجتماع "المستقبلية الإفريقية" (Afrofuturism)(3)، والذي يعني برواية التاريخ من وجهة نظر تتمحور حول الأفارقة بدلًا من جعلهم على الهامش منها، ويهتم بمزجها بعناصر خيال علمي يحاول من خلالها استكشاف مستقبل تلك الشعوب. وباستعارة مفاهيم علم النفس التحليلي، يمكننا أيضًا أن نصف واكندا بأنا عليا جمعية للإفريقيين يحلمون بالوصول يومًا ما إليها. (4)

 

في إحدى مشاهد الفيلم، يقول تتشالا: "لو اكتشف العالم أمرنا، لو اكتشف ما نملك، قد تضيع عنّا طريقتنا في العيش". وهكذا، يصير الاحتفاظ بطابعها الأصيل في الحياة مع الرغبة في العيش بسلام دافعين أساسيين أبقيا واكندا في حالتها التي انعزلت فيها عن العالم الخارجي. لكن يبقي السؤال: أمن الأخلاقي حقًا أن تترك بني جنسك يتعذبون في فقرٍ وجوع وحروب وأنت تملك خلاصهم؟ ربما ظل هذا السؤال طويلًا في ذهن سُكان البلد كمجرد خاطر يباغتهم من آنٍ لآخر، لكن العالم الخارجي الذي حاولوا الهرب منه بأي ثمن ما لبث أن قذف في وجههم خطر داهم. وقد جاء الخطر في شكل ذات السؤال وقد تحول إنسانًا، إنسانًا غاضبًا للغاية.

 

كيلمونجر: يوتوبيا مرصوفة بالجماجم

مثلما اُنتزعَت واكندا من سياقها العام في العالم، اُنتزَع "إيريك كيلمونجر" من سياقه الخاص في واكندا، فجاء للدنيا ابنًا لإحدى اُمرائها، وعاش منفيًا ويتيمًا في أمريكا-واحدة من أكثر الدول التي امتلأ تاريخها تنكيلًا ببني جلدته.

 

وبهذا، اختلفت رؤية كيلمونجر حوّل مسئولية واكندا حيال سائر الدول الإفريقية عن أشقائه فيها، فبينما عاش هؤلاء في نعيم ورفاه أمنه لهم معدن الفايبرنيوم وصاروا يخشون ضياعه، عاش هو إحساس العزلة والوحدة في أرضٍ لا يمثل فيها سوى أقلية، وصار واقع سائر أبناء القارة السمراء أقرب إليه من واقع واكندا الذي لاح كحلم خيالي بعيد المنال لم يكتمل سوى على أنقاض كل أولئك الذين راحوا لأنها رفضت التُدخل لإنقاذهم. وقد أراد كيلمونجر لهذا الوضع أن يتبدل، وأراد لهذا أن يحدث بأكثر الطرق راديكالية.

     

  

"سيتغير العالم، وهذه المرة، سنكون نحن المُسيطرين". يصيح كيلمونجر غاضبًا بتلك الكلمات عند اقتحامه أخيرًا لأرض واكندا. بعدها، يُتابع سرد رؤياه لعالمٍ يتداعى فيه الحاضر لصالح مُستقبل تُسلّح فيه واكندا سائر الدول الإفريقية الضعيفة التي ستمتلك بفضلها القدرة على شن الحروب على دول الغرب واخضاعها كلها تحت سيطرة إفريقيا. يتابع كيلمونجر بعدها قائلًا: "لن تغرب الشمس أبدًا عن الإمبراطورية الواكندية".(4)

 

تختلف بهذا رؤية كيلمونجر لليوتيوبيا الإفريقية عن رؤية سُكان واكندا لها، فبيمنا يروّن هم في وضعهم الحالي وما ينعمون به من أمنٍ وسلام الوضع الأمثل، يرى كيلمونجر أن ذلك الوضع لن يتحقق سوى بهيمنة إفريقية تامة على العالم تتخذ من الحرب وسيلة لها بلا مبالاة لأي أرواح ستزهق حتى يتحقق هذا، فعالم مثالي لكيلمونجر هو عالم "يحتل فيه المُحتَل". وهكذا، فإذا كانت واكندا تُمثِل الأنا العُليا الجمعية للأفارقة، فشخصية "إيريك كيلمونجر" هي الـ"هو"* الغاضب (id) الخاص بهم والمُشتعل رغبة في الانتقام من كل عدوان وظلم وقع عليهم في أحد الأيام. (5)

   

لكن بينما جاء كيلمونجر ابنًا لأمير واكندي، فإنه يظل رُغمًا عنه ينتمي للحضارة الغربية أكثر حتى مما يحب أن يعترف. فقد تشرّب العقلية الإمبريالية تمامًا وصار ينهج نهجها لكن هذه المرة ليكون هو المُنتصر. ولا يتوقف تأثير تلك العقلية عليه عند هذا الحد، بل يمتد ليخلق عنده فصامًا يفصل في ذهنه التقدم التقني عن الطقوس الشعائرية، فيمتنع عن تأديتها ويقتل الشامان** ويحرق الحديقة حيث تنمو نبتة واكندا المُقدسة، فهو لا يحمل في داخلة تقديس لأي شيء أو أحد، ولا يحترم سوى القوة الغاشمة. ولم يترك الفيلم مساحة كبيرة لتأويل هذا، بل جعله واضحًا في خلفية كيلمونجر نفسها، فقد كان أحد عناصر الجيش الأمريكي المُدرّب خصيصًا على زعزعة الأنظمة ونشر الحروب. (6)

   

  

ومع هذا، فالهدف الذي يرمي إليه من خلاص نهائي لبني جلدته يبدو أنبل من أنانية واكندا التي آثرت الأمن الشخصي على أي شيء آخر، فلم يخل حلم كيلمونجر من دوافع نبيلة جعلت المشاهدين يتعاطفون معه وزادت من ضبابية المساحة الفاصلة بين موقفي "الخير" و"الشر" التقليدين في أفلام الأبطال الخارقة.

 

لكن لا يمكن للحل أن يكمن أبدًا في العنف، أو هكذا أراد فيلم "الفهد الأسود" أن يقول لنا، ففي نهايته، لا تكن الغلبة لأنا عُليا مُفرطة في المثالية، ولا لهو يريد أن يقلب العالم وينتقم، بل لأنا تتوسط هذا وذاك مُتمثلة في موقف تتشالا الأخير؛ فيعلن في اجتماع للأمم المتحدة عن رغبة واكندا في إنهاء انعزاليها ومشاركة العالم تطورها التقني. وبهذا، يكن كيلمونجر "الشرير" هو من بث دماءً جديدة في فكر أصّر طويلًا على عدم التغير، ليقوده تتشالا بحكمة وذكاء تجاه مستقبلًا أفضل للجميع. (7)

 ---------------------------------------------------------------------------------------------

   

الهوامش:

(*) عقل الإنسان الباطن الذي تسيطر عليه الاندفاعات الفطرية وتسود فيه الميول العدوانية الغير مُحجَمة

(**) رُجل دين إفريقي

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار