هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
Ready player one..هل أنت مستعد للعيش داخل لعبة بلايستيشن؟

Ready player one..هل أنت مستعد للعيش داخل لعبة بلايستيشن؟

إسلام السقا

محرر سينما
  • ض
  • ض
يعلم أولئك الذين استطاعوا الوصول إلى ختام لعبة دووم (Doom) الشهيرة والتي تحوّلت إلى واحدة من أشهر ألعاب الكمبيوتر في التسعينيات، أنه ومن أجل الفوز باللعبة عليك إطلاق النار على رأس آخر الوحوش التي تُقابلك. بعد الخلاص منه سيكتشف بعض اللاعبين أنّ المرور عبر الوحش الميت ينتج عنه مشهد غريب: رُمح مثبت في الأرض وعلى مقدمته ثُبّت رأسٌ بشري. كان ذلك رأس أحد مبتكري اللعبة جون روميرو، فيما ينبعث من خلفيّة الحدث صوت روميرو وهو يقول: "كي تفوز باللعبة عليك أن تقتلني". (1)

    

ليس لهذه اللعبة علاقة مُباشرة بفيلم المخرج الأميركي ستيفن سبيلبرغ الصادر في دور السينما في آخر شهر مارس/آذار الماضي "ريدي بلاير وان" (Ready Player One) ولكن سيجد أولئك الذين عاشوا حقبة الثمانينيات والتسعينيات العديد من "الجوائز الخفيّة" الشبيهة بتلك التي رأيناها في "دووم" في هذا الفيلم، أو ما يُصطلح على تسميته ببيض الفصح (Easter Eggs)، وهي التسمية التي يعلم المهووسون بألعاب الفيديو معناها جيدا؛ هي هديّة أو نكتة أو صورة أو مزية إضافيّة يتعمّد صُناع الألعاب إخفاءها في وسط العالم الافتراضي الذي يخلقونه، ليست ذات علاقة بموضوع اللعبة بالضرورة ولكنّ العثور عليها صار تحديا قائما بذاته حتّى إنها كوّنت مع مرور الزمن جيشا لصيد تلك الجوائز والاحتفاء بأولئك الذين يستطيعون اصطيادها. (2)

  

يُسجّل أوّل استخدام لكلمة بيض الفصح في ألعاب الفيديو مع لعبة ادفنتشر (Adventure)، والتي تتقاطع حكايتها مع فيلم سبيلبرغ الأخير. ظهرت على أجهزة الأتاري عام 1979 ومع مُصممها الأميركي وارن روبينيت بدأ كلّ شيء. كان روبينيت يحاول الحفاظ على حقوقه في تصميم اللعبة فقام بإخفاء رسالة بسيطة بداخلها لا يمكن للاعبين الوصول إليها إلا عندما يسلك أحدهم مسارا محددا يتيح له قراءة رسالته الخفية "صُممت من قبل وارن روبينيت". كانت شركة أتاري قد قررت عدم عرض أسماء مصممي تلك اللعبة من أجل الحفاظ على طواقمها من الاستيلاء عليهم من قِبَل المُنافسين وهو ما رفضه وارن روبينيت وعبّر عنه بطريقة فريدة صارت علامة لكل ألعاب الفيديو لاحقا. (3)

    

   

في مديح ثقافة البوب

لم يكن ويد واتس "تاي شيريدان" سوى لاعب واحد من ضمن ملايين اللاعبين الذين يستخدمون برنامج الواقع الافتراضي "أواسس". العنوان الوحيد لعالم الترفيه الذي يهيمن على حياة أولئك الذين يعيشون في عام 2045، والذي يتعدى الترفيه ليصل إلى عالم المال والأعمال حين تتحول العملات التي يكسبها أو يخسرها اللاعبون داخل اللعبة إلى ربح وخسارة من حساباتهم البنكية في العالم الواقعي.

  

في تلك اللعبة يستطيع أي فرد أن يختار شكله وشخصيته وعمره ونوعه، أن يفعل ما يريده داخل ذلك العالم دون خجل أو مواربة. خلقت اللعبة للعديد من المستخدمين مجالا للهروب من الواقع ولأن يكونوا لوهلة على حقيقتهم أو كيف يتمنون أن يكونوا ولكن جايمس هاليداي "مارك رايلانس"، مُبتكر هذه اللعبة، ترك لغزا مُحيرا قبل وفاته. بيضة عيد الفصح التي أعدها بنفسه وخبأها داخل اللعبة ومن يجدها سيمتلك عالم أواسس بالكامل، يتصرف به كما يحلو له، كما سيتحول إلى مليونير بلمح البصر، فالجائزة المالية تُقدر بنصف مليار دولار. من أجل الوصول إلى الكنز المُخبّأ يجب امتلاك ثلاثة مفاتيح ملونة، ولامتلاك كل مفتاح منهم يجب أن يجتاز اللاعب تحديا مُستحيلا مليئا بالألغاز والمتاهات والمخاطر. لم ينجح أحد عبر السنين بامتلاك مفتاح واحد حتى.

      

    

ترك هاليداي لجماهير اللعبة مفاتيح أُخرى لا يُمكن إيجادها داخل اللعبة ولكن خارجها. بهذا كان هاليداي ينقل اللعبة إلى مستوى ثالث (على اعتبار أن الـ "Easter Egg" هي لعبة داخل لعبة)، ولكنه هذه المرة مستوى يتعلق بفهم الواقع نفسه، لا الخيال. ترك مكتبة متكاملة من مذكّراته يُمكن الولوج إليها في أيّ وقت، صوّر هاليداي كلّ أحداث حياته واحتفظ بها وأرشفها جيدا بحيث يستطيع أيّ دارس جاد له أن يعرف أفلامه المفضلة والموسيقى التي عشقها والأماكن التي زارها وأكلاته المفضلة وكلّ ما صنع منه ما هو عليه كرجل ينتمي إلى جيل الثمانينيات والتسعينيات وحظي بثقافة لا يعرفها بالضرورة ذلك الجيل الذي يعيش عام 2045.

 

عند هذا الحد يبدو الفيلم احتفاء من مخرجه ستيفن سبيلبرغ بثقافته الخاصة وثقافة جيل كامل عُرفت بثقافة البوب، بل إنّ سبيلبرغ يستعيد عافيته هنا ويُعيد اكتشاف الطفل الذي بقي كامنا فيه منذ صنع فيلمه الأثير "إي.تي" (E.T) عام 1982. لا يكتفي سبيلبرغ بشخصيّة تضج بالحنين لزمن "الأتاري" وشرائط الكاسيت ولكنه يُعطينا جملة من الترشيحات الموسيقية والسينمائيّة التي انتمت إلى ذلك الزمن، ليست مجرّد تحيّة من سبيلبرغ لصُناع تلك الأفلام ولكنها رسالة منه (ومن كاتب الرواية الأصليّة من قبله إرنيست كلاين) بمفضلاته هو، الموسيقية والسينمائيّة والتلفزيونية وحتى فيما يتعلق بألعاب الفيديو.

     

    

نسمع أغانٍ من نوعيّة "Stayin' Alive" لفرقة "Bee Gees"، أو نكتشف أن الأغنية المفضلة للمبتكر الراحل كانت "Video Killed The Radio Star"، يتعدى الأمر ذلك ليصل إلى اختيار آلان سيلفستري لتلحين موسيقى الفيلم الأصلية وهو واحد من الملحنين الذين صنعوا طفولة العديد ممن يشاهدون فيلمه هذا وهم كبار مثل "العودة إلى المستقبل" (Back to the Future) بأجزائه الثلاثة أو "فورست جامب" (Forrest Gump) وقد ترشح للأوسكار مرتين.

   

في تتابع مذهل يرسل سبيلبرغ تحية سينمائيّة إلى المخرج الأميركي ستانلي كوبريك عندما يحوّل فيلمه الشهير "توهّج" (The Shining) إلى واحدة من ألعاب الفيديو. فمن أجل الحصول على أحد المفاتيح الثلاثة يضطر أبطال الفيلم للولوج إلى عالم الفيلم الذي تخيّله وصممه هاليداي داخل اللعبة وجعل منه لعبة ذات تحديات مرعبة لا يستطيع تجاوزها إلا أولئك الذين شاهدوا الفيلم بالفعل. فلا ينسى سبيلبرغ المشاهد الأيقونية مثل الفتاتين التوءم أو شلال الدماء المتفجر أو الغرفة 237 المرعبة التي يُعيدنا إليها بقسوة أو حتى المتاهة التي تُحيط بذلك الفندق والتي تتحول إلى لعبة بصرية لا يتقنها إلا سبيلبرغ وحده، وهي كلها علامات حقيقية من الفيلم ولكنها تحولت على يديه إلى مرحلة مهمة من مراحل اللعبة كما كانت مرحلة مهمة من مراحل الفيلم نفسه.

 

بالطبع لم يكن هذا المشهد الوحيد الذي ينتمي إلى عالم الأفلام "الكلاسيكية" في الفيلم، ولكنه كان أكثرهم طولا ومركزيّة في أحداثه، وبذلك تحوّل الفيلم بالنسبة لمن شاهده إلى أيقونة حنينيّة لزمن ألعاب الأتاري وأغاني الثمانينيات وأفلامها، أعمال جُردت من ذاتيتها وخصوصيتها وتم اقتباس ملمح بارز منها كما هو دون التعقيدات التي أحاطت به بالضرورة، وكأن سبيلبرغ يعبّر هنا عن رأيه في تقنية "الواقع الافتراضي" على أنها فرصة إيجابية للإنسانيّة على عكس كل الفرضيات المرعبة التي أُحيطت بها، وهو ما وصفه البعض بأنه قرار جريء وموقف واعٍ. (4)

    

  

لم يكتف سبيلبرغ بالإشارة إلى كوبريك، ولكنه تعمّد ومن خلال هيكلية الفيلم كله أن يعلن إخلاصه لعرّاب الاستقلال في هوليوود "أورسن ويلز" الذي بدأ مسيرته بفيلم كسر هيمنة استوديوهات الإنتاج ومنح المخرجين الاستقلالية التي يريدونها عبر فيلم يحاول فيه صحفي تتبع مسيرة رجل أعمال راحل من خلال الالتقاء بعدد ممن عايشوه فقط لتكوين صورة أكثر وضوحا عنه وعن لغز تركه وراءه، وهو ما يتم الإشارة إليه بشكل مباشر عندما تُذكر كلمة "روزبود" (Rosebud) في الفيلم، وهي كلمة ذات دلالة واضحة يقوم عليها فيلم "المواطن كين" (Citizen Kane) لاورسن ويلز، فكان فيلم سبيلبرغ على المستوى نفسه يروي حكاية مراهق قرر تتبع حياة رائد راحل فقط لحل لغز تركه وراءه.

    

الواقع قاسٍ ولكنه حقيقي

في عالم افتراضي يستطيع الجميع تحقيق أمانيهم فيه كان من الممكن للفيلم أن ينتصر لإرادة التكنولوجيا بكل سهولة، ولكنه على العكس بقي متمسكا بزيف الخيال حتى وإن كان أكثر جمالا وبحقيقيّة الواقع وإن كان أكثر قسوة، وهو أمر نادر فيما يتعلّق بأفلام الخيال العلمي الأميركية التي عُرفت تاريخيا بتمسكها بعالم الخيال كما هو واعتباره عالما موازيا للواقع يُمكن التعامل مع مبادئه كما يتعامل البشر معها في الواقع، ولكن في "ريدي بلاير وان" (Ready Player One) يُكسر هذا الفاصل ويختلط الواقع بالخيال بلمح البصر وبمجرّد تشغيل الجهاز المخصص للعب ينتقل الإنسان إلى مكان افتراضي لا يعرفه فيه أحد. تزداد حدّة هذا الفصل مع انتقال المعركة من داخل اللعبة إلى خارجها مما يؤثر على حياة أبطالها والمحيطين بهم.

      

  

لم يكن هذا الكسر الوحيد في سردية الفيلم ورؤيته لأفلام الخيال العلمي، ولكنه أيضا ينتصر على غير العادة للبطولة الجماعيّة. ويد واتس ليس بطلا خارقا ولكنه شاب عادي يتمتع بذكاء وتركيز وإخلاص سمحوا له بالتفوق على الآخرين داخل اللعبة، ولكن ذلك لا يسلب منه إنسانيته خارج اللعبة، وإذا ما حقق انتصاره الكامل يقرر مشاركته مع رفاقه الذين عبر معهم مراحل تلك اللعبة ولولاهم لما كان من المحتمل أن تكون النهاية سعيدة سوى لمن يجسّدون الشّر.

 

في أحد المشاهد تتطلب اللعبة من اللاعبين أن يقوموا بتقبيل فتاة هي بالأصل عشيقة هاليداي الذي منعه حاجز نفسي من تقبيلها وإعلان حبه لها في العالم الواقعي، فجعل من هذا التحدي واحدة من مراحل اللعبة، دعا فيه إلى تجاوز المخاوف التي تُعيقنا عن ممارسة إنسانيتنا وإعلان حُبنا لمن نعشقهم. دفعة رقيقة لممارسة الحياة كما هي في إطار نشر المزيد من الحب والعمل على ترك المناطق التي تدفعنا إلى المزيد من التخاذل تجاه أشياء تبدو كبيرة ولكنها أبسط مما نتخيل، وهو ما يُدركه ويد واتس الذي يقرر (بعد فوزه باللعبة) إيقافها ليومين في الأسبوع ليُتيح للناس ممارسة المزيد من حياتهم العادية؛ المزيد من التواصل، والمزيد من الحب، ربما تماما كما اختار هو أن لا يُضيّع لحظته الفارق في علاقته مع الفتاة التي يُحبها. يُغلق ويد الباب أمام رجال أعمال ومحامين ينتظرونه ويلتفت إلى صديقته ويُقبلها، "أنا لستُ هاليداي" يقول مُعلنا عن ثورة "الابن" على "الأب" تماما كما يحاول سبيلبرغ هنا الثورة على أورسن ويلز عبر تغيير بسيط في نهاية فيلمه عن تلك التي نراها في فيلم "المواطن كين".

     

       

ثورة داخل الثورة

بالطبع فإن الفيلم يقوم على ثورة كلاسيكيّة أيضا عندما يقف ويد لإلقاء خطبة عصماء أمام الملايين من مستخدمي اللعبة الافتراضيين يدعوهم فيها للثورة على الشركة العملاقة التي تُحاول هي الأُخرى حل لُغز اللعبة للسيطرة عليها، شركة تقوم على استعباد الآخرين وتوظيف جيوش للبحث والتحليل، ومن يُعارضهم يجد مصيره مسجونا ومُجبرا على العمل الافتراضي طيلة عمره في خدمة مصالح تلك المؤسسة الاحتكاريّة التي يُسيّرها مجموعة من الانتهازيين ممن لا يجدون مانعا أمامهم لسلب الآخرين حياتهم كما فعلوا مع ويد عندما قاموا بتفجير منزله في اللحظة التي رفض فيها العمل معهم.

  

خلال ثوانٍ معدودة كانت جموع اللاعبين قد اتخذت قرارها وانتصرت للثورة وذهب كلّ منهم إلى المحاربة في سعي لتدمير حصن تلك الشركة الافتراضي، تخلل تلك الثورة تضامن اجتماعي مهم على المستوى الواقعي أيضا عندما دعاهم ويد لحمايته أثناء ممارسته للعبة حين شارف على الانتهاء منها فتكثّفت ضده نيران الأعداء وملاحقتهم. لا يحرمهم ويد من متعة مشاهدة اللحظات الأخيرة خصوصا بعد خطوة انتحاريّة قرر فيها مالك الشركة العملاقة أن يخرج هو وكل اللاعبين من اللعبة عبر تفجير كلّ شيء.

   

قد يبدو "ريدي بلاير وان" (Ready Player One) فيلما تجاريا عاديا أو أحد الأعمال الفنية التي تنتمي إلى الثقافة الاستهلاكية المعتادة، ولكنه وعلى يد مخرج كبير اسمه ستيفن سبيلبرغ تحوّل إلى معجزة بصريّة وسرديّة ممتعة قدّمت التسلية كما قدّمت النوستالجيا، منحت الحنين فيما لم تتغافل عن الاستشراف المستقبلي، أعطت للخيال حقه ولكنها انتصرت لصالح الواقع أكثر. فيلم نجح فيه سبيلبرغ في إيضاح وجهة نظره كما لم يفعل أحد من قبل: الفنون الشعبية تصلح لأن تكون مصدرا للفضيلة. 

أكثر الأفلام ترشيحا للأوسكار

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار