انضم إلينا
اغلاق
ديدبول.. البطل المثالي لعصر بلا بطولات

ديدبول.. البطل المثالي لعصر بلا بطولات

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض

تخيل أنك استيقظت يوما ما لتجد نفسك تمتلك قوة خارقة تجعلك لا تُقهر. ماذا ستفعل حينها؟ أستدع حياتك الخاصة جانبا وتترك عائلتك ووظيفتك وتنطلق لنُصرة الأشياء التي تؤمن بها؟ لكن لحظة واحدة، ما الأشياء التي تؤمن بها أصلا؟ وهل تحتاج تلك إلى قوى خارقة للدفاع عنها؟

  

إن أخذت وقتا طويلا للتفكير في السؤالين الأخيرين ولم تصل بعد إلى إجابة، فأنت على الأرجح لا تشبه الأبطال الخارقين التقليديين، أولئك الذين يعرفون تماما ما يريدون ويذهبون خلفه. وإن شعرت أنك مللت الأمر كله كونك لا تبالي بشيء من الأساس ثم قررت الاستمرار في حياتك ونسيان ما حدث برمته، فتهانينا، لن تكون يوما باتمان أو سوبرمان؛ حسبك أن تكون ديدبول.

  

تتبع قصص الأبطال الخارقين في معظمها سردية أساسية تتمحور حول شخص خيّر ذي قوى غير اعتيادية يوظفها في محاربة الشر والانتصار للضعفاء. كما يمتلك البطل الخارق في أغلب الأحيان بوصلة أخلاقية دقيقة تُمكّنه من معرفة اتجاه الصواب والسير نحوه. أما قصة وشخصية "ديدبول"، فتكاد تختلف عن تلك السردية الأساسية في كل شيء تقريبا.

     

    

ديدبول: قد يكون خارقا.. لكنه ليس بطلا

في أول لقاء لنا مع "وايد ويلسون"، يبدو في منتهى الحرص على أن يؤكد لنا أنه ليس بطلا؛ وبالتأكيد يتمكّن من فعل هذا بمنتهى السهولة، فيكفي أن نعرف مهنته كقاتل مأجور حتى نمحو أي تصور بطولي له من رؤوسنا في الحال. لكن يبقى التساؤل، بما أنه ليس بطلا، فهل هذا يجعل منه شريرا؟

 

ليس تماما. فتبتعد شخصية "ديدبول" عن التصنيفات التقليدية للخير والشر، وتنتمي أكثر إلى عالم ما بعد أفول تلك القيم كما أعلنته فلسفة فريدريش نيتشه،(1) وصاغت له فلسفة جون ستوارت ميل(2) أخلاقيته الأساسية المتمثلة في المنفعة، نفس العالم الذي نسكنه نحن الآن. يحترف وايد القتل، فهو المهنة التي يجني منها المال. ومع هذا، يبقى الفيلم حريصا على ألا يجعل منه الشرير الذي يفتك بالأبرياء، فنراه دائما لا يصرع سوى أفراد ينتمون إلى عصابات وأشياء من هذا القبيل. مجددا، تبعده القصة عن ثنائية الخير والشر، هو فقط شخص يؤدي مهنة ويتقاضى عليها أجرا.

 

وفي الجزء الثاني "ديدبول 2" تحديدا، نجد تنحية ثنائية الخير والشر متحكمة ليس فقط في الشخصية بل في الحبكة أيضا. فأغلب الفيلم يكون الشرير هو "كابل"، المحارب الغامض القادم من المستقبل في مهمة لن يختلف اثنان على لا أخلاقيتها، وهي قتل المراهق المضطرب تايلر. لكن بعد أن يمضي أكثر من نصف الأحداث، نكتشف أن ذلك المراهق المضطرب سيكبر ليصير طاغية يقتل الآلاف، ولن يقف ليحاول ردعه حينها سوى كابل نفسه، والذي سينتقم منه تايلر بقتل زوجته وابنتيه؛ وهكذا، وفي ثوان، ينقلب منظورنا تماما، ليصير مَن ظننا طوال الوقت أنه شرير هو البطل، ومَن حسبناه بريئا ليس سوى سفاح في مراهقته. فالسياق وحده هنا من يتحكم في مَن الخيّر ومَن الشرير، وربما في سياق مختلف قليلا ينقلب منظورنا مرة أخرى رأسا على عقب.

   

        

    

وهكذا، فبلا قيم واضحة وثابتة، وبلا اكتراث لأن يكون هنالك قيم واضحة وثابتة، فما الذي يقاتل "ديدبول" من أجله تحديدا؟ يقاتل ديدبول لنفس ما نقاتل كلنا لأجله، يقاتل من أجل حياته الشخصية. فطوال جزئي الفيلم، تمثل حياة وايد وما يحدث فيها دافعه الوحيد للقتال. فهو لم يكن سوى شخص عادي، يمتلك وظيفة غير اعتيادية قليلا، ويحب امرأة تعني له الحياة. وبعد أن رماه القدر بسرطان من الدرجة الثالثة أخذ ينهش معظم أعضائه الحيوية، حتى وجد نفسه مضطرا أن يقع تحت طائلة منظمة مشبوهة وعدته بأن تخلصه من المرض. أوفت المنظمة بوعدها، لكن بأكثر الطرق التواء: فبعد أن عذبت جسده بشكل مستمر لتجبره على التحول، تحول ذلك الجسد أخيرا إلى جسد مقاوم لكل أنواع الأمراض والإصابات، لكن على الجانب الآخر، فقد غطته ندوب قبيحة في كل مكان وحولت صاحبه من رجل وسيم إلى آخر مشوّه.

  

هكذا، زُجَّ وايد رُغما عنه في سياق لم يكن ليختاره لنفسه، أعطاه ما قد يبدو كقوة خارقة، وسلبه في الوقت نفسه حياته السابقة وحبيبته الجميلة؛ فالندوب التي صارت تغطيه من رأسه حتى أخمص قدميه عرّته من القدرة على أن يعود لحبيبته فينيسا مرة أخرى وملأته خوفا من عدم تقبلها له في شكله الحالي. وبهذا، يصبح الدافع الوحيد الذي يحرك وايد على امتداد أحداث الجزء الأول هو الإمساك بالشخص الذي فعل به كل هذا وإجباره على أن يُعيد له شكله القديم مرة أخرى؛ أي إنه دافع شخصي بحت.

  

يقف ذلك الدافع في تناقض صريح مع دوافع الأبطال الخارقين الاعتيادية المستقاة من السرديات الكبرى في محاربة الشر والدفاع عن الأبرياء، ويقترب أكثر من الدوافع التي تحركنا نحن في حياتنا اليومية. فلو نزعنا عن القصة العناصر الخارقة، سنجد في العمق منها قصة عادية عن شخص عادي ألقت الحياة في طريقه بالصعاب، وعندما حاول أن يتخطاها، لم يجد أمامه سوى المزيد من الصعاب؛ قصة شخص اكتشف أن التحدي الأكبر الذي يواجهه يقع داخله لا خارجه، أن الانتصار الحقيقي لا يكمن في المحاولة المستميتة في تغيير الواقع، بل في تقبله كما هو تماما.

 

تكمل أحداث الجزء الثاني البناء على الأساس نفسه: وايد ليس بطلا، وحياته تتحرك فقط في إطار شأنه الخاص. لكن ذلك لا يجعل الأحداث أقل مراوغة أو تعقيدا، فمن قال إنه يجب عليك أن تكون في مهمة سرية لإنقاذ العالم من شرير فضائي حتى تقابل الصعاب والآلام؟

      

   

التحدي الأساسي الذي يواجه وايد هذه المرة داخلي أيضا، وهو تخطي موت فينيسا التي أردتها رصاصة من أحد أعدائه جثة هامدة. يقتل وايد المجرم على الفور، لكن الوحيد الذي يود حقا أن يقتله ويعجز عن صرعه هو نفسه، فقد جعله التحول الذي مر به جسده مضادا للفناء، عاجزا عن الموت، وأكثر عجزا عن الحياة، يظل وايد يتساءل، ماذا عساه أن يفعل؟

  

على العكس أيضا من الأبطال الخارقين التقليديين، لا يمتلك وايد أي فكرة عن الاتجاه الذي عليه أن يتخذ. فبينما يبدو هؤلاء دائما على دراية تامة بخطواتهم القادمة، ويعرفون تمام المعرفة أهدافهم وما عليهم أن يفعلوا، يشاركنا وايد حيرتنا وتشوشنا؛ ففي قصص الأبطال الخارقين، الشرير دائما معروف والهدف دائما هو القضاء عليه، أما في حياتنا العادية، فكل شيء مغطى بالضبابية. لا يوجد عدو حقيقي نواجهه ونصرعه وينتهي الأمر، بل سلسلة مستمرة من المِحن والصعاب التي علينا أن نواجهها ونتخطاها دون أن نعرف كيف.

  

وفي مِحنة وايد، تظهر فينيسا له على هيئة طيف وتحاول أن ترشده؛ تهمس له أن "قلبه ليس في المكان الصحيح"، فينطلق في البحث عن الرفقة التي تخلصه من الوحدة، ويتذكر حلمهما معا بإنشاء أسرة قبل أن تموت فيتخذ من أصدقائه عائلة، وتتداعى لرأسه ما قالته عن كون الأبناء يدفعوننا لنصير أشخاصا أفضل، فيجعل تايلر ابنا روحيا له، وفي إنقاذه يجد هدفه الأسمى.

  

وهكذا، فمع كون ديدبول يمتلك جسدا مضادا للمرض والإصابات، فإن له روحا يعتريها العجز والحيرة مثلنا تماما؛ ومع كونه يجيد التلويح بالسيوف والقفز في الهواء وضرب خصومه ضربا مبرحا في تتابعات الأكشن الممتعة التي ملأت الفيلم بجزئيه، فقد كان تحدياته الأصعب هي تلك الكامنة داخل ذاته.

  

السخرية من كل شيء وأي شيء

  

   

ربما مع كل تلك المِحن التي سردناها قد تفترض أن فيلم ديدبول تغلب عليه الكآبة؛ لكن على العكس من ذلك، فبداية من البوسترات والحملة الإعلانية وحتى أصغر تفاصيل الفيلم، نجد روح السخرية تسيطر سيطرة كاملة. فديدبول شخصية متهكمة ولا شيء يستطيع الإفلات من سخريتها الحادة ولا من نكاتها اللاذعة.

  

قد تكون تلك السخرية في الأصل ميكانيزما دفاعيا يستخدمه وايد حتى لا يظهر هشًّا أو عاطفيا أمام الآخرين، لكنها تبقى مع هذا من أكثر الصفات التي تجعله محبوبا من قِبل المشاهدين ومختلفا كثيرا عن غيره من الأبطال الخارقين. فربما اعتدنا أن نجد بعضا من السخرية والتهكم عند الأشرار، مثل الجوكر مثلا والذي تظل ضحكته المتهكمة في تحدي أحد أبرز ملامحه، لكننا قلما نجد مثل تلك الروح عند الأبطال الخارقين. يرجع هذا لأن الأبطال، على عكس ديدبول، لديهم ما يكترثون لأجله.

  

فيُحمّل الأبطال الخارقون أنفسهم دائما مسؤوليات ثقيلة، حيث يمتلكون قدرات مجاوزة للبشر العاديين تجعلهم يرون في أنفسهم الأكثر مقدرة وبالتالي الأكبر مسؤولية على الدفاع عمّا يكترثون له من قيم، أو كما قال العم بن لسبايدر مان: "مع القوة الكبيرة تأتي مسؤولية كبيرة". تُثقل تلك المسؤولية كاهل الأبطال الخارقين، تجعلهم دائما في حالة من التأهب والقلق والجدية التي لن تستقيم معها السخرية، فلا نستطيع أن نتخيل باتمان مثلا يُلقي نكاتا وأحد مواطني جوثام في خطر.

  

وعلى العكس منهم تماما يقف ديدبول، متخففا من كل القيم ومعها من أي نوع من أنواع المسؤولية. لا يوجد في حياة ديدبول ما يكترث لأجله، لا يوجد ما يُثقله، لهذا، فأي وقت وكل وقت هو الوقت المناسب للسخرية وإلقاء النكات. حتى حياته نفسها لا يكترث لأجلها، فنجده في شطر كبير من أحداث الجزء الثاني يحاول الانتحار، وبسبب قواه الخارقة، يفشل، فلا يفعل سوى إلقاء المزيد من النكات. الشيء الوحيد الذي قد تتراجع سخرية وايد أمامه قليلا هو فينيسا، فهي وحدها من يكترث لأمرها في الحياة.

  

ينسحب تهكم ديدبول على الفيلم بأكمله، فنجده في كل زاوية من زواياه مدججا بالسخرية؛ يسخر الفيلم بنفسه من نفسه، ويوجه السخرية في هذا لأفلام الأبطال الخارقين كلها كنوع سينمائي. ففي تترات بداية الجزء الأول مثلا، لا تظهر أسماء أي من الممثلين، لتستبدلها جمل ساخرة من فريق العمل: إنتاج شركة مغفل ما، بطولة أحمق نموذجي، بالاشتراك مع فتاة مثيرة وشرير بريطاني، إخراج أداة تقاضت مبالغ طائلة.

     

     

قد يكون السبب الرئيسي وراء الاختلاف الشاسع بين ديدبول وغيره من الأبطال الخارقين هو التاريخ الذي وُلدت فيه كل شخصية على صفحات المجلات المصوّرة. فبينما جاء سوبرمان إلى الوجود في الثلاثينيات(3) وباتمان في الأربعينيات(4) ، نجد أن ديدبول أتى مؤخرا جدا في التسعينيات.(5) وبين أواسط القرن العشرين وآخره، لم يعد العالم هو العالم.

  

ففي السابق وفي الغرب تحديدا، كان هنالك دائما عدو معروف يمثل الشر بعينه، سواء ألمانيا النازية في البداية أو الاتحاد السوفيتي الشيوعي بعدها؛ وفي ذلك العالم الأكثر بساطة ووضوحا، جاءت الشخصيات الخارقة تتبع السرديات القديمة من الدفاع عن الخير ومواجهة الشر. أما في نهايات القرن، تهاوت كل الثوابت، واستبدلتها نسبية أخلاقية لم يعد من السهل معها معرفة أين الصواب وأين الخطأ؛ بدا من الأسهل كثيرا الإلقاء بكل المطلقات والعناوين الضخمة والعيش فقط لحظة للحظة؛ لم يعد هنالك ما هو مهم أو مقدس، بدا رد الفعل الطبيعي هو السخرية من كل شيء. ()

  

ففي عدم اكتراث ديدبول المطلق، وفي تهكمه الذي لا يفلت شيئا، نجد ما هو أكثر من شخصية تعيش في المجلات المصورة والأفلام، نجد انعكاسا ما لروح العصر الحالي وأبنائه الذين ضاع عنهم الإيمان بأي قيمة مجاوزة لهنا والآن. ديدبول اختار ألا يكون بطلا، ففي عصر لا تعلوه أي معان فارقة، ما أهمية أن تكون بطلا حقا؟ 

تقارير متصدرة


آخر الأخبار