انضم إلينا
اغلاق
فيلم"Things to come" بين قصة إنسانية وقصور الفلسفة الغربية

فيلم"Things to come" بين قصة إنسانية وقصور الفلسفة الغربية

Philosophy Now

مجلة فلسفة
  • ض
  • ض

حكاية الكاتبة والمخرجة الفرنسية ميا هانسن لوف عن ناتالي شازو (قامت بدورها إيزابيل هوبير)، أستاذة فلسفة في منتصف العمر يطاردها شعور بالضيق في حين يبدو أنها لا تملك هدفا أو قضية. تمكن الفيلم من توجيه إدانة قاسية لحالة الفلسفة الغربية في حكاية وصورة لا مثيل لها تجمع بين الرمز والحوار المباشر. جلب هذا التوازن الدقيق لهانسن لوف جائزة أفضل مخرج في مهرجان برلين السينمائي الدولي السادس والستين في عام 2016.

  

لا التزامات

في بداية الفيلم، تعبُر الأستاذة شازو اعتصاما للطلاب في طريقها للدخول إلى جامعة باريس حيث تعمل. وعندما يقوم العديد من الطلاب بالتساؤل عن افتقارها الواضح للقلق، تجيبهم "لست هنا لأتحدث عن السياسة، ولكن للتدريس".

 

في غرفة الصف، يسأل أحد طلابها ما إذا كان بإمكانهم إجراء مناقشة سياسية؛ وهو طلب على ما يبدو يهدف إلى توجيه الفكر مرة أخرى إلى تطبيق اجتماعي عملي لما يحدث في الشارع. غير أن عدم اكتراث الأستاذة بالقضايا السياسية واضح للغاية بحيث لا يقتصر الأمر على عدم امتلاكها لرأي حول أهداف الإضراب، وإنما تثني طلابها عن الانخراط في الأمر بصورة حاسمة. وبدلا من الاستجابة لطلبه شرعت في قراءة نص غامض لفيلسوف غير معروف، وأثارت سؤالًا مجرّدًا تمامًا لتشغل طلابها بالتأمل فيه.

 

بعدها، لحق بها طالب سابق يدعى فابيان لإخبارها بمدى امتنانه لإرشادها الملهم له والذي غير حياته؛ فبعد أن درس في المدرسة العليا الشهيرة، بناء على اقتراحها، تخلى عن ثقافة المستهلك البرجوازي وانتقل إلى مزرعة، حيث يكتب ويعيش حياة متواضعة للغاية تماشيا مع أفكاره غير الاستهلاكية. وعلى النقيض منه، لم تقدم ناتالي أي تعهدات أو التزامات حقيقية لأي أحد أو لأي سبب من الأسباب، ولذلك لا يمكنها التمسك بأي شيء يخصها.

  

 

خلال إحدى المحاضرات التي كانت تعقدها في حديقة كانت تشرح أن الفلسفة ليست متعلقة بتقديم الحقيقة، بل بتقديم "معايير الحقيقة". وعندما تتلقّى مكالمة على هاتفها، وعرفت أنها أمها وأنها تحتاجها تتخلى عن طلابها في منتصف الدرس وتندفع إلى شقة والدتها. لكن ما أن تصبح مع أمها حتى نشهد استياءها من دور الابنة المطيعة. وبينما تتكشف أمامنا حياة ناتالي ندرك أنها ليست متصالحة حقا مع أي قرار اتخذته في حياتها، أو أي علاقة أو دور تلعبه، وأنها ببساطة تفتقر إلى شجاعة القناعة.
    
وعندما يعلن زوجها أنه سيهجرها ليكون مع امرأة أخرى، فإن ناتالي لا تفكر في إمكانية التضحية بكبريائها في محاولة إبقائه في حياتها، ولكن بدلاً من ذلك ترجع السبب إلى افتقاره إلى الالتزام، وتقول له: "ظننت أنك قد تحبني إلى الأبد". وفكرة أنها قد تضطر إلى القيام بشيء للإبقاء عليه لا تخطر ببالها. بل "تنتقم" منه باستبعاده من مناسبة عائلية؛ لتجعله يدفع ثمن قراره بينما لا تتحمل هي أي مسؤولية عن عدم اتخاذها لأي قرار.
  

نعرف من تعليق زوجها في وقت مبكر من الفيلم أنه عندما التقيا للمرة الأولى كانت توزع منشورات "شيوعية". وهي لا تنكر نشاطها الماضي وتقر بأنها كانت ناشطة لمدة ثلاث سنوات، لكن يبدو أن ذلك كله قد عفا عليه الزمن. ترغب ناتالي بكل شيء وكل شخص في حياتها "إلى حد ما"، ولكن ليس لدرجة أن تخاطر بصدق بالتضحية بأي شيء من أجل أي أحد أو أي شيء. تطالبها والدتها المسنة دائما بقضاء وقت معها وتتصل بها في كل الأوقات في محاولة للفت انتباهها. وبعد إحدى محاولات انتحارها الكثيرة، قررت ناتالي في النهاية نقلها إلى دار رعاية. ولكنها تبرر قرارها بتذكير نفسها وابنها أنها اختارت دارًا باهظة الثمن، كلفتها ثروة صغيرة وتطل على منظر جميل.

    

تشتعل حالات التردد في كل جانب من جوانب حياة الأستاذة، بما في ذلك علاقاتها. تعجب بفابيان لالتزامه بأسلوب حياة بديلة، وتريد أن تجرب جوانبها الإيجابية، ولكن فقط في إجازة مؤقتة تعيش معه في أسلوب حياته الغريب، وليس من خلال الانضمام إليه بالفعل للعيش في مزرعة ريفية، كما دعاها أن تفعل. يستدعي الالتزام الكامل التعامل مع الجوانب السلبية للعيش خارج ثقافة المستهلك، وهي لا تملك الجرأة الكافية.

       

 

والأمر ذاته في دورها كأم، يقول ابنها بغيرة أنها تفضل فابيان لأنه الابن الذي كانت تفضل أن تحظى به، جسديا وفكريا. وهذا يعني أنها لم تشارك بالكامل في حياة أبنائها بل فضلت طلابها ولكنها حافت معهم على الالتزام الجزئي كذلك. وبعد فترة قضتها في مزرعة فابيان، أعلنت ناتالي قائلة "إن فكرت في الأمر، فإنني عثرت على حريتي، حريتي الكاملة إنه أمر مدهش!"  ومع ذلك، فإن ناتالي لم تصبح حرة في حياتها ولكنها تحررت من حياتها لبعض الوقت. والواقع أنها لم تكن قد صنعت حياة بالأساس وتجنبت صنعها وتعيش عبر الآخرين بوصفها متفرجة دائمة تتلقى عينات من حياة الناس وتستمتع بمشاركة مؤقتة في التزامات ومشاريع الآخرين.

 

في أحد المشاهد سافرت بالقطار ثم استقلت السيارة للوصول إلى مزرعة فابيان، ويبدو أنها تقدر الجمال الطبيعي للمناظر الطبيعية. لكننا نرى في لقطة طويلة للغاية أنها غارقة في كتاب. واللقطة الأخيرة في الفيلم هي الجدة ناثالي التي تحمل مولود ابنتها بحب، في حين أن علاقتها بابنتها يمكن وصفها بالفاترة في أحسن الأحوال. وذلك يخبرنا أن البروفيسور شازو متابعة دائمة، لكنها تختار ما تريده من الحياة أو من حياة الآخرين، لكنها لا توجه طاقاتها أو شغفها أبدا في خطة محددة أو غرض خاص بها.

 

وبهذه الطريقة تمثل ما أصبحت عليه الفلسفة الأوروبية/ الغربية؛ أي لعبة فكرية وهواية ممتعة بلا تطبيق اجتماعي حقيقي. ليست سوى تقليد شاحب للرموز الكبيرة في الفلسفة الفرنسية في فترة ما بعد الحرب مثل سارتر، دي بوفوار، كامو أو ميرلو بونتي، العديد منهم كانوا ناشطين في المقاومة في زمن الحرب أو المنشورات السياسية المنشورة، والمسرحيات أو الروايات ذات الصلة اجتماعيا، وتحدثوا بشكل علني عن الأحداث الجارية وانخرطوا فيها.

 

   

 

لا حقيقة

في اثنين من المشاهد المنفصلة، نحصل على نظرة ثاقبة لماهية الفلسفة بالنسبة لناتالي، ولزوجها كذلك على ما يبدو الذي يعلِّم الفلسفة هو الآخر لمعجبيه من طلاب الجامعة. بعد يوم من التدريس، يعود إلى البيت ويخبر ناتالي أنه أمضى فترة ما بعد الظهر في إلقاء محاضرة حول العقلانية والتجريبية - النظريتان الفلسفيتان المتنافستان حول كيفية الوصول إلى الحقيقة. وشكل كلاهما الجدل المركزي الذي احتل اهتمام الفلاسفة الغربيين من أواخر القرن السابع عشر، حتى منتصف القرن العشرين، حيث تحولت الأفكار حول المعرفة تدريجيا إلى ذاتية متطرفة، ونظريات لغوية وتشكيك كلي في الواقع الموضوعي. في تلك الأيام، اشتعلت الكثير من المناقشات عن المعايير الصحيحة للحقيقة، في حين أنه لم يذكر أي شيء تقريبًا عن اتخاذ موقف لمبدأ أو سياسة أو نموذج معين. وبدلا من ذلك ارتفعت وظائف حكومية وسقطت أخرى على أساس تفكيك وهدم أفكار الآخرين.

 

ساهمت العديد من التأثيرات في تطوير هذه النظرة ما بعد الحداثية من بينها تحليل نيتشه لعلاقة اللغة بالواقع، وتركيز ليوتارد على دور الرواية في الثقافة الإنسانية، وتحليل فيتجنشتاين للهيكلة اللغوية للتجربة الإنسانية، نقد هايدغر للميتافيزيقا، وتفكك دريدا والعديد من التأثيرات المتقاربة لجذب الأكاديميين الغربيين إلى نظرة إلى المعرفة البشرية التي ترتبط بشكل جذري بمزاعم عن الحقيقة أو المعرفة.

 

استمد الانفصال الساخر للعقل ما بعد الحداثي والفنون الخالية من الروح من هذه الفكرة عن كيفية إدراك القليل من المعرفة، وبالتالي مدى ضآلة أساس القرار الذي يتخذه الإنسان. ومن هذا الانحدار الذاتي النسبي يتدفق رفضٌ لجميع القيم. ويلخص دوغلاس موراي هذه الحالة الكئيبة بشكل جيد في كتابه "الموت الغريب لأوروبا" (2017) عندما كتب: "إن الفلسفة الألمانية اليوم، مثل فلسفة بقية القارة، لم يدمرها الشك وحده بل عقود من التفكيك كذلك، وتفكيكهم- ليس فقط للأفكار ولكن اللغة -أدى إلى جهد متضافر لتجاوز أدوات الفلسفة. في الواقع، يبدو أن تجنب القضايا العظيمة قد أصبح في بعض الأحيان العمل الوحيد للفلسفة".

   

 

وتمثل الأستاذة شازو هذه العقلية ما بعد الحداثية التي تحول فيها الجهد الفكري والالتزام الأكاديمي إلى يقين متناقض أنه لا يمكن أن يكون هناك أي معرفة أو موقف أخلاقي يقيني. ولكن من خلال التوتر الذي نشأ بين ناتالي وفابيان، يبرز الفيلم إدراك الفلاسفة الوجوديين الغربيين بأن الأسس التي قام عليها العالم لكل منا تكمن في اختيارنا الذاتي، ليس فقط في منظورنا الشخصي. في الواقع، من خلال وضع صورة الأكاديمي غير الملتزم في مواجهة الفيلسوف الملتزم الذي يعيش وفقا للمثل العليا له، يحمل الفيلم تيارات تشبه اتجاهات الفيلسوف كيركيغارد المميزة.

    

لا يقين

رؤية سورين كيركغارد الوجودية عن اللالتزام الديني هي النقيض المقابل للخضوع السلطوي المطلوب في معظم الأديان. حيث غالبًا ما تجعل الأديان من الذاتية جريمة للنظام المعمول به. وغالباً ما يُتهم الشخص الذي يحمل علاقة إلهية معارضة للعقيدة الراسخة بأنانية أو جحود أو نسبية. بالنسبة لكيركيغارد، فإن وجهة نظر المرء ليست سوى نسبية لا تولد اللامبالاة العالمية والهزيمة الأخلاقية الذاتية. واعتقد كيركجارد أنه من الخطأ افتراض أن الاقتناع في الحياة الأخلاقية يجب أن يكون نابعا من اليقين المستند إلى المعرفة. بمعنى آخر يقول إنّ المسيحية ليست مسألة معرفة ويقين.

 لذلك، وعلى النقيض من الطلب الديني المعتاد للوصول إلى معرفة ما يريده الله، يستبدل كيركجارد القول المأثور "البراءة هي الجهل" عندما يكتب قائلا" إن براءة القلب هي في الإرادة". وهذا يعني أنه لا يهتم بمحتوى هذا المبدأ الأخلاقي أو المعتقد.

   

سورين كيركغارد (مواقع التواصل)

   

لا جوهر

أما الفلسفة الغربية الحالية والتشكيك الأخلاقي لكل من الدين والإلحاد في الوقت الحالي مرتبطان بمحتوى المعتقد. وهنا نتحول إلى فيلسوف وجودي آخر يعتبر الوجودية نزعة إنسانية وليست قفزة دينية. حول إنسانية جان بول سارتر التركيز الأخلاقي من الله إلى البشر. ولكنه رفض الحسابات المجردة والمعممة لـ "الإنسانية"، والتي تتعارض مع وجهة نظره بأننا جميعاً أحرار فيما نفعله في حياتنا، غير مقيدين بأي "طبيعة بشرية" محددة سلفاً. على سبيل المثال، يشير مفهوم "الإنسان ذو قيمة جوهرية" إلى أن جميع البشر يجب أن يُحبوا بغض النظر عما فعلوه، ببساطة لأنهم بشر. يرفض سارتر ذلك، ويرى أن البشر يتمتعون بشكل فريد بالقدرة على اختراع أنفسهم، لكن على الرغم من أن القيم الأخلاقية يتم بناؤها أو إنشاؤها من الأفراد فإننا لا نزال نتحمل مسئولية تجاه كل إنسان آخر. وفي رفضنا الاعتراف بحريتنا بهذه الطريقة، هو أن نهرب من المسؤولية الشخصية التي هي نتيجة منطقية للحرية.

 

مثل كيركجارد، يبدأ سارتر بالفرد في ذاتيته، التي تعني لسارتر وجوده الملموس في العالم والتاريخ. ومثل كيركجارد، يبدأ سارتر بالحرية الراديكالية التي تنشأ من إدراكنا أنه لا يمكننا الاعتماد على أي مبادئ أخلاقية عالمية أو أبدية تمنح لنا إما بالدين أو الفلسفة. وبدلا من ذلك نخترع القيم الأخلاقية من خلال التزاماتنا المختارة وأعمالنا. وبالنسبة لسارتر، عندما أختار، فأنا لا أرغب فقط في عمل معين، بل أنا أيضا على استعداد للحرية التي تسمح لي باتخاذ ذلك الاختيار.

  

جان بول سارتر (مواقع التواصل)

 

في هذا يبدو أن سارتر قد سد الفجوة بين الفردية الشخصية الوجودية وأخلاقيات المجتمع أو المسؤولية الأخلاقية للإنسانية. في وجودية سارتر الإنسانية، كما في وجودية كيركيغارد الدينية، فإن البصيرة المركزية هي أن الحرية أو الاختيار الفردي سيتغلبان على الثقة الكاذبة في الحقائق الكونية أو الإيديولوجيات. يرى كيركيغارد أن "الصالح الوحيد هو الحرية". وزعم أن الفرق بين الخير والشر هو "فقط من أجل الحرية وبالحرية"
 

ومع ذلك، فإن فهم الذات من خلال الاختيار هو شكل من أشكال الوعي الذي يبدو أن فلاسفة أكاديمية ما بعد الحداثة قد نسوه. فيلم هانسن لوف يجسد بشكل مثالي خواء مساعيهم الحالية.

___________________________________

ترجمة: الزهراء جمعة

الرابط الأصلي

تقارير متصدرة


آخر الأخبار