هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
على الرغم من دمويّتها..لماذا نشاهد أفلام الجريمة والعنف؟

على الرغم من دمويّتها..لماذا نشاهد أفلام الجريمة والعنف؟

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض
استمع للتقرير

   

في تلك اللحظة التي وَجّه فيها السارقان مسدساتهما لرأس موظف محطة القطار الأعزل، جاء "الأكشن" إلى الوجود؛ أو على الأقل، هذا ما يخبرنا به مؤرخو السينما عن فيلم "سرقة القطار الكُبرى" (The Great Train Robbery) (1) للأميركي إدوين بورتر المُنتَج عام 1903 والذي تنتمي تلك اللحظة إلى افتتاحيته. بالرغم من بساطة الإمكانيات حينها، امتلك الفيلم المكوّنات الأساسية الشائعة حتى الآن في فيلم الأكشن؛ فنجد فريق الأشرار متمثلا في عصابة السارقين، وفريق الأخيار متمثلا في الشرطة، ونجد أيضا مجموعة الضحايا متمثلين في رُكّاب القطار؛ كما نشهد في النصف الأول من الفيلم إطلاق نار وبعض التفجيرات البدائية، وفي نصفه الثاني مطاردة بين الشرطة والعصابة تحدث على صهوات جياد، وفي النهاية ينتصر الخير كما اعتدنا.

      

  

تغيّر الأكشن كثيرا منذ 1903 وإلى الآن واتخذ أبطاله أشكالا عدّة. ففي بدايات القرن العشرين وحتى منتصفه استلهم صُناع السينما رجال العصابات وما أحدثوه من رُعب وجرائم ونسجوا حولهم قصص الأفلام التي لعب هامفري بوجارت بطولة الكثير منها، وفي السبعينيات وبعد الانفتاح الثقافي من الولايات المُتحدة على الشرق الأقصى، صرنا نجد البطل رشيق البنية يستبدل الأسلحة بقبضة يده الفتّاكة على غرار ستان لي، وفي الثمانينيات تضخّمت عضلات البطل حتى صار يفضل أن يسير عاري الجذع لكنه لم يتخل هذه المرة عن أسلحته، بل ربط حوله الكثير والكثير منها، ليصير سيليفستر ستالون في دور "رامبو" وأرنولد شوارزنجر في دور آلة القتل التي لا ترحم (Terminator) وبروس ويليس في دور رجل الشرطة الذي يقضي وحده على مجموعة إرهابيين (Die Hard) هم أيقونات الأكشن لذلك العصر. كان ذلك بالطبع قبل أن يتحدى كيانو ريفز قوانين الجاذبية في فيلم "المصفوفة" (The Matrix) نهاية التسعينيات ليرسم شكلا جديدا لبطل الأكشن، تلاه بعدها سريعا أبطال الألفية الخارقون الذين يطيرون في الهواء ولا تؤثر فيهم الأسلحة التقليدية.

 

ومع تَغيّر أفلام الأكشن من مرحلة لأخرى، ظلت تحتفظ بسمات أساسية يكاد لا يخلو فيلم منها. على رأس تلك السّمات نجد السيطرة الدائمة للعنف والدموية والجريمة، وكلها، بعيدا عن الشاشة، أشياء مُروّعة قد لا يقوى الكثير منّا على رؤيتها حقيقة. لكن، وعلى الجانب الآخر، فطبقا لإحصائيات أجرتها مؤسسة الفيلم البريطاني، كانت تلك الأفلام هي الأكثر مشاهدة في المملكة المتحدة على مدار العامين الماضيين، بجمهورها الذي شكّل نحو 30% من إجمالي جماهير السينما لعامي 2016 و2017.(2)(3) وهنا، يبقى السؤال، لماذا يا ترى نُقبل على مشاهدة أفلام تتخذ من الدماء والترويع مادتها؟

  

العنف من أجل هدف أسمى

تنفجر بركة دماء صغيرة من أحشاء بيل الجزار عندما تخترقها سكين أمستردام فالون، تتطاير الدماء وتصبغ وجه فالون بالأحمر، بينما يتلوى وجهه في امتعاض وألم ممزوج بشيء من الارتياح. نشاطره نحن المشاهدين على الجانب الآخر من الشاشة الشعور نفسه، فبالرغم من دموية المشهد، لا نملك سوى الإحساس بلمحة من السرور كون بيل أخيرا قد قُتِل؛ ففي بداية الفيلم وقبل هذا المشهد بنحو عشرين عاما، رأينا سكين بيل تطعن القس فالون، والد أمستردام، مرارا وتكرارا بلا هوادة أو رحمة حتى فارق الحياة. والآن، ومع موت بيل على يد أمستردام ابن القس، نشعر أن العدالة قد تحققت أخيرا.

  

    

لا نجد أي غضاضة في مشاهدة ذلك المشهد العنيف من فيلم "عصابات نيويورك" (Gangs of New York)، ففيه يتم العنف في إطار انتقام ابن لأبيه لاسترداد العدالة الغائبة. وفي ذلك الإطار نفسه، تُمرر الكثير من الأفلام مشاهد العنف التي تمتلئ بها، مُستغلة ميلنا نحن البشر إلى الإيمان بأننا نعيش في عالم عادل لا بد أن ينال فيه المُخطئ عقابه. فتمرير العنف خلال الانتقام هو واحد من أشهر الحِيَل السردية التي تستخدمها الأفلام لتضع أمام أعيننا أكثر المشاهد دموية لنراها دون أن يرفّ لنا جفن، فالعنف هنا مبرر تماما، ومن يقع عليه يستحقه. (5)(4)

  

لكن حتى نصل إلى تلك النتيجة، يمر الفيلم بنا بمراحل عدّة. أولى هذه المراحل وأهمها هو خلق حالة من التعاطف مع البطل، يقابلها حالة من النفور من عدوه. وللمفارقة، يتم هذا أيضا غالبا باستخدام العنف. فبتصوير العدو كشخص عنيف وشرس يُلحق الأذى بأشخاص طيبين، نشعر بالحنق عليه وعلى قسوته، ونتمنى في قرارة أنفسنا أن نراه يُعاقب على ما اقترف، وحبذا لو جاء هذا العقاب على يد أحد ممن أذاهم.

 

ليس هذا التقليد في السينما بجديد، بل يعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، وتحديدا لأفلام العصابات. فأمام امتعاض الأجهزة الرقابية من مشاهد العُنف عامة، حاول صُناع الأفلام وضعها في إطار يبدو أخلاقيا، بحيث يكون من يمارس العنف على مدار الأحداث هو الشرير، ويقع العنف عليه مرة واحدة أخيرة في النهاية لوضع حد لأفعاله. وفي ذلك السياق، قال جاسون جوي عضو لجنة الرقّابة في الولايات المتحدة مُحاولا إقناع كندا بعرض فيلم "سيزر الصغير" (Little Ceasar) المليء بمشاهد العنف عام 1931: "كلما صُورت أفعال أولئك المجرمين بأكثر الطرق فظاعة وقسوة، شعر المشاهد بالسخط عليهم وعلى الجريمة المُنظمة في المُطلق".(6)

    

 

يَكثُر أيضا أن يتم تصوير جماعة الشرير بشكل ساخر خالٍ من الأبعاد، بحيث يصبحون مجرد عقبات إضافية على البطل أن يتخلص منها حتى يصل إلى الشرير الأكبر. وفي تلك الحالة، لا يخلق الفيلم أي نوع من أنواع التعاطف ولو بشكل بسيط بيننا وبينهم، فيمر قتلهم أمام أعيننا بكل سهولة ولا يترجمه عقلنا سوى كنجاح آخر للبطل في إزاحة عقبة إضافية في طريقه للنصر النهائي.

  

لكن العنف لا يقتصر على الأفراد المجرمين فقط، بل يتم أيضا توقيعه على جماعات بأكملها. ولعل أشهر مثال على ذلك هو أفلام الحروب، التي عندما نرى فيها جيش الدولة المُعادية يُفتَك به نشعر بالانتشاء والنصر. تلعب الأفلام هنا على الخوف الغريزي الذي نمتلكه حيال "الآخر"؛ خوف نعجز معه عن أن نرى في ذلك الآخر إنسانا مثلنا. وُلد ذلك الخوف في مراحل الإنسانية الأولى، حينما كان كل ما هو غريب وغير مألوف مصدرا محتملا للخطر. وحتى في حاضرنا اليوم، ما زال ذلك الخوف يتحرك في دواخلنا، وتنجح الأفلام في استغلاله لتمرير مشاهد مُروّعة من القتل الجماعي. (9)(8)(7)

  

لكن، وفي كثير من الأحيان، يحدث ما هو مخالف لهذا تماما، ونشعر بحالة من الافتتان بالشرير وجرائمه على السواء. يبدو العنف لنا باهرا بصريا، والمجرم شخصا جذّابا آتيا من خارج هذا العالم. من الصحيح أننا ندرك مساوئه الأخلاقية ونعرف أن العدالة لن تتحقق سوى بالقضاء عليه وهو ما ننتظره بشغف ونفرح عندما يحدث، لكن كل ذلك لا يُلغي حقيقة أننا ولو لوهلة وجدنا شيئا ما مثيرا فيه وفي حياته، فما السبب وراء ذلك يا ترى؟

   

المجرم الجذّاب والجريمة الجمالية

لا يقتصر تاريخ المجرم الجذّاب على السينما فقط، بل تمتد جذوره إلى بعض من أشهر وأهم الأعمال الأدبية. فعلى صفحات "الجريمة والعقاب" و"الغريب"، نجح دوستويفسكي وألبير كامو في خلق مجرمين تحركهما الفلسفة والفكر لا العنف الحيواني المحض، وقد كانا، وخاصة راسكيلنكوف، غاية في الذكاء وإن افتقدا الحكمة. ينال كل منهما عقابه عند آخر فصول الرواية، لكن، وعلى الرغم من بشاعة ما اقترفاه، لا نستطيع أن نمنع أنفسنا عن حبهما بطريقة ما. (10)

  

  

أما في عالم السينما، فالمجرم الجذّاب لا يُمثّل فقط محض تجسيد للفلسفات العدمية المُدمّرة كما في عالم الأدب الأكثر تعقيدا، بل يقترب أكثر من صفوف الجماهير ويمتلك ما يفتقدونه في الحياة: حرية مطلقة لا يقيدها أي شيء.

  

في كتابه "تشريح الفيلم"، يصف برنارد ف. ديك تلك الحالة ويقول: "لم يجذب المجرمون صانعي الأفلام وحدهم، بل جذبوا الجمهور أيضا. فقد كان رجال العصابات شخصيات نابضة بالحيوية في وسط الركود الكبير الكئيب، يقومون بما لا يستطيع مشاهدو الأفلام فعله حتى لو أرادوا ذلك. لم يخرق المجرمون القانون بقدر ما استهزأوا به، لكنهم استهزأوا به وفقا لسيناريو النجاح الأميركي. فقد مارسوا شكلا خاصا بهم من الحراك نحو الأعلى، إذ بدأوا بالتشليح وانتهوا بسرقة المصارف. بدأوا مجرمين خُنّع وانتهى بهم المطاف رؤساء اتحادات عصابات. ومع تقدمهم اكتسبوا زخارف النجاح: معاطف وقبعات عريضة الحافة وبذلات قاتمة أو مخططة. لكن أهم الأشياء هو أن رجال العصابات مارسوا حريتهم، وهي الصفة التي يعطي لها الأميركيون قيمة ثمينة. فبما أن الأعراف لا تقيدهم، كانوا يتمرغون في مجد استقلالهم، محققين التحرر الذي يحسدهم عليه مشاهدو الأفلام لكنهم لا يستطيعون ممارسته أبدا لأن الثمن يفوق طاقتهم". (11)

  

ربما لا يوجد في أفلام الجريمة والأكشن الأميركية الشهيرة مثال على تلك الحياة الخلّابة والمظهر الباهر أوضح من "بوني وكلايد" (Bonny and Clyde)، فيلم آرثر بين الأيقوني الذي ترك بصمة واضحة على الأفلام التي تنتمي إلى النوع نفسه. فنرى بوني بعضلاته البارزة ووجهه الوسيم، وكلايد بخصلاتها الشقراء وملامحها الجميلة، ونشهد حياتهم المثيرة المعلقة دائما على الحافة ما بين الخطر والمتعة، والحافلة أيضا بالقتل والجرائم. لم يكن من الغريب بعدها أن يتحول بوني وكلايد، المجرمان الحقيقيان اللذان صوّر الفيلم قصتهما، لما يشبه الرمز للثقافات المغايرة والمعادية للأنماط السائدة والأعراف المجتمعية.(12)

    

لا تكون شخصيات المجرمين وحدها الجذابة في الأفلام، بل كثيرا ما يلجأ المخرجون لجماليات السينما لإضفاء شيء من الجلال على مشاهد العنف

مواقع التواصل
   

تعطي أفلام الجريمة بتلك الطريقة للمشاهد فرصة حتى يرى حياة مختلفة كثيرا عن حياته، حياة يحركها الأدرينالين والإثارة وإن امتلأت أيضا بأفعال غير أخلاقية. وبما أن غالبيتنا العظمى لا يمارس في حياته أي فعل من أفعال العنف، ولا يخرج عن المسار المحدد له من قِبل المجتمع، فإن مشاهدة تلك النماذج تصيبنا بالانبهار رغما عنّا، ونجد خلالها تنفيسا على المستوى الخيالي لما لن نقوم يوما به.

  

ولا تكون شخصيات المجرمين وحدها الجذابة في الأفلام، بل كثيرا ما يلجأ المخرجون لجماليات السينما لإضفاء شيء من الجلال على مشاهد العنف، تضع المُشاهد على مسافة ما من الحدث وتُشعره أنه يرى المشهد من بُعد آخر فوقي. ربما أفضل مثال على هذا هو مشهد المعركة في فيلم "ران" لأكيرا كيرواساوا الذي كتب عنه هنري بايكون يقول: "في مشهد المعركة الكُبرى، نرى جموعا ضخمة من البشر غرقى في الدماء وأكواما من الأجساد المبتورة والمُشوهة في نزعها الأخير من الحياة. المشهد مروع بشدة، ومع هذا، فإنه يترك أثرا جليلا. ويرجع هذا إلى موسيقى المشهد الكئيبة الرثائية، التي تبعدنا عن فظائع ميدان المعركة وتمدنا بالاستنارة عن الحالة الإنسانية، وعن قدرة الحقارة والطمع وفقدان الرؤية على جرّنا إلى دمار شامل".(13)

  

    

تصبح المشاهد الدموية إذن بمنزلة درس قاسٍ نتعلمه عن أنفسنا نحن البشر، ومرآة تُرينا الوجه المظلم للإنسانية. وإن كان كيروساوا يفعل هذا في سينماه، فإن لكوتنين تارانتينو قولا آخر مختلفا كثيرا عن مشاهد العنف في أفلامه: "أشعر كما لو أني مايسترو ومشاعر الجمهور هي أدواتي. أقول لهم: "اضحكوا، اضحكوا، اضحكوا، والآن، أشعروا بالهلع". عندما يفعل بي شخص آخر كذلك، أشعر بالمتعة. لو أُصيب رجل ما بعيار ناري، أريد أن أراه ينزف كخنزير عالق في مصيدة، لا أريد أن أرى رجلا يشعر بالتوعك وتعلو بطنه نقطة حمراء صغيرة". (14)

  

هكذا، وككل شيء على الشاشة، لا يوجد للعنف والدماء دلالة واحدة أو معنى بعينه يذهبان إليه، بل يتشكل هذا الهدف وتلك الدلالة تماما طبقا لرؤية المخرج. وتظل أجواء الإثارة والتشويق التي عادة ما تمتلئ بها أفلام الأكشن والجريمة تدفع الكثيرين إلى الاصطفاف أمام السينمات حتى يروا بطلا آخر يوسع الشرير ضربا وينتقم منه شر انتقام، دون أن يمنعهم هذا من الانجذاب للشرير نفسه من آنٍ لآخر؛ فكالحياة نفسها، في السينما، لا وجود لقاعدة غير قابلة للكسر. 

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار