انضم إلينا
اغلاق
"تراب الماس".. لأن الممحاة أهم من القلم أحيانا

"تراب الماس".. لأن الممحاة أهم من القلم أحيانا

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض

في فيلمهما "تراب الماس"، لم يبتعد الثنائي المُكوّن من المخرج مروان حامد والسيناريست أحمد مراد كثيرا عن ثيمة الإثارة التي سيطرت على عمليهما السابقين معا، "الفيل الأزرق" و"الأصليين". وبينما نرى على الشاشة صورة سينمائية لفريق عمل متكامل بذل قصارى جهده ليخرج الفيلم بأفضل شكل ممكن، ولمخرج يعرف كيف يستغل جميع أدواته ليضع المُشاهد مباشرة في العمق من أجواء القصة، فإننا لا نملك سوى أن نلاحظ وجود أكثر من مشكلة في القصة نفسها قلّلت المتعة المتوقعة من فيلم امتلك في ثناياه بذور عمل متميز.

 

لعل من أهم وأكبر تلك المشاكل هو غياب الوحدة الموضوعية لأحداث الفيلم وفقدان الترابط بين خطوط الشخصيات. فكل شخصية تأتي في خط شبه منفصل عن غيرها من الخطوط، وذلك الخط لا يدفع بأحداث القصة للأمام، ولا يؤثر بشكل مباشر على الخط الأساسي للبطل.

  

تدور أحداث الفيلم بشكل رئيسي حول شخصية "طه الزهار"، الصيدلي الشاب الذي تنقلب حياته رأسا على عقب بعد دخوله البيت في إحدى الليالي ليجد والده القعيد ملقى على الأرض بلا حراك، وقبل حتى أن يستوعب ماذا حدث، تباغته ضربة من الخلف يسقط على إثرها مغشيا عليه. يستفيق طه بعدها ليجد نفسه في المشفى، يعاني من تلف في جزء من المخ أدى إلى إصابته بالصرع، ويكتشف أن والده مات في تلك الليلة مقتولا. في رحلة بحثه عن القاتل للانتقام، تنفتح أمام طه أبواب عالم والده السري ونشاطه الخفي الذي دأب عليه من قتل الفاسدين بسلاح غامض لم ينكشف سره حتى تلك اللحظة لأحد بعد.

  

 

وفقا لكتاب "القصة" لروبرت مكي، فإن الحبكة الكلاسيكية للأفلام تدور بشكل أساسي حول بطل يسعى وراء هدف (object of desire) ويسرد الفيلم رحلة السعي تلك بكل ما تحويه من صعاب وعقبات.(1) وذلك متحقق بالفعل في "تراب الماس"، حيث بكون الانتقام هو الهدف الذي يسعى بطل الفيلم طه لتحقيقه. لكن المشكلة التي وقع فيها السيناريو وأدّت إلى ترهل الحبكة هو عدم التركيز بشكل أساسي أو مكثّف على ذلك الخط، والانصراف عنه لخطوط أخرى لا تدفع الحدث الأساسي للأمام، ولا تتماس مع الحبكة بشكل فعّال. وهو بالضبط ما حذر منه جون تروبي في كتابه "تشريح السيناريو" عندما كتب: "واحد من أكبر الأخطاء التي يرتكبها كاتب السيناريو هو أن تكون كل شخصية من الشخصيات في صراعات وعوالم منفصلة، حيث إن النتيجة لن تكون بوجود بطل ضعيف فقط، إنما أيضا شخصيات غير مهمة".(2)

      

أحد هذه الخطوط غير المؤثرة بشكل كبير هو خط "سارة"، معدّة البرامج وجارة طه التي تنقذه الليلة التي هُجَم عليه فيها. منذ ظهورها الأول على الشاشة، ونحن نتوقع أن تجمع قصة حب فيما بينها وبين طه، وهو ما سيؤدي إلى ربطها بشكل فعّال بخطه الدرامي بصفتها حبيبته، وإن كان هذا يحدث بالفعل، فإن السيناريو يؤخر وقوعه حتى آخر لحظة. وفي المقابل، ينصرف الفيلم لسرد الكثير من التفاصيل حول علاقتها بالإعلامي شريف مراد والتي تنتهي بشكل مأساوي دون أن يكون لهذا أدنى تأثير على رحلة طه في الانتقام.

 

قد يكون إدراج شريف مراد في الأحداث من خلال قصته مع سارة نتيجة لرغبة من السيناريست في إكمال ضلوع مثلث الفساد السياسي الذي رسمه، والذي بدأ بمحروس برجاس النائب البرلماني، ووليد سلطان ضابط الشرطة. لكنّ هذا المثلث بأكمله ذو أهمية بسيطة للغاية في سياق الحدث الأساسي، وبإمكاننا أن نشعر طوال الوقت أنه مقحم. وإضافة إلى عدم وجود مبرر درامي كافٍ لإدراج السياسة في الأحداث، نجد أن شطرا كبيرا من النصف الثاني للفيلم ينصرف تماما عن البطل وسعيه للانتقام ويركز على مغامرات ابن النائب البرلماني في غرف النوم مع الرجال في مشاهد لم يكن سيختلف شيئا في الفيلم لو تم حذفها من الأساس.

    

 

أما في قصة "حسين الزهار"، والد طه، فنجد أفضل مثال لما قد حذّر القاص الروسي الكبير أنطون تشيكوف من فعله عندما قال: "لو علّقت في الفصل الأول مسدسا على الحائط، ففي الفصل الثاني عليك أن تجعله يطلق النيران".(3) ففي القصة الخلفية لـحسين الزهّار نجد السيناريست قد أدخل الكثير من المسدسات ليتركها معلقة في فضاء الحبكة دون أن يطلق أحدها النيران قط.

 

يمدنا ذلك الخط في العمق منه بالسبب وراء دأب حسين على قتل من يراهم فاسدين، لكنه تطرق أيضا إلى كثير من التفاصيل التي لم يأت على ذكرها مجددا ولا جعلها تتطور و"تطلق النيران" فيما بعد، مثل وقوع حسين في حب فتاة يهودية تم تجنيدها في الحرب ضد مصر، والإتيان على ذكر قصة محمد نجيب وخسارته للسلطة أكثر من مرة بلا أي سياق. قد يرى البعض في هذا الخط محاولة للتأسيس لشخصية الأب، وهو ما يأخذنا للحديث عن المشكلة الثانية التي أضرّت بسيناريو الفيلم والمتمثلة في بنائه للشخصيات.

 

شخصيات أحادية البُعد

في البناء الكلاسيكي للأفلام، تنقسم القصة إلى ثلاثة فصول يأتي الفصل الأول منها خصيصا للتأسيس لعالم شخصياته وتعريف المشاهد بها وبطباعها واهتماماتها وصراعاتها الداخلية، ويمتد ذلك الفصل إلى أن يأتي حدث يسمى بالحدث المتصاعد (inciting incident)؛ يقلب ذلك الحدث عالم البطل رأسا على عقب ويدفعه في رحلة لاستعادة التوازن لعالمه مرة أخرى ومن هنا تنطلق بقية الأحداث. (4)(5)

  

 

وبالرغم من دخول "تراب الماس" في الكثير من التفاصيل غير المؤثرة والاستفاضة فيها، فإننا نجده قد قرر اختصار الفصل الأول وضغطه لعدد قليل للغاية من المشاهد لم تؤد الهدف المطلوب منها في إدخالنا لعوالم الشخصيات وخلق حالة التواطؤ المطلوب بيننا وبينها. فنحن لا نكاد نعرف شيئا عن حياة طه قبل الحادثة، ولا ندري عن تفاصيل شخصيته إلا النزر اليسير. كل ما نلمسه هو حالة الترابط الشديد التي تجمعه بوالده والتي تؤسس بشكل جيد لرغبته في الانتقام من قاتله. أما غير هذا، فيترك الفيلم مكانه علامات استفهام ويؤدي إلى شخصية مرسومة بشكل هزيل أحادي البُعد.

  

فالانتقام والانتقام فقط يحرك طه على مدار الأحداث، إلا أن السيناريو كان بوسعه إضفاء أعماق أخرى على الشخصية ووضعها في صراع ذاتي مع نفسها بجعل طه مثلا شخصا حسّاسا يكره العنف، وهنا يقع في مأزق ما بين رغبته في الانتقام وكراهيته الشديدة للقتل، وبالإضافة إلى الصراع الخارجي المتمثل في إيجاد القاتل، كان هذا سيؤدي إلى إثراء الأحداث والشخصية على السواء. لعل أفضل مثال لشخصية كان دافعها الانتقام ووجدت نفسها أسيرة لصراعات داخلية هي شخصية "آمنة" في "دعاء الكروان".

 

على الجانب الآخر، نجد أن الفيلم قد أغرق في التفاصيل المؤسسة لشخصية الأب، وهذا بالرغم من موته الذي أتى في المشاهد الأولى، ما يجعل تلك المشاهد غير ذات أهمية. وبالرغم من الاستفاضة في ماضي حسين الزهار، فإن هذا الماضي لم يكن بدوره سوى تجميع لسلسلة من "الأكليشيهات" حول الرجل المصري الذي ولد في أعقاب الثورة وشارك في حروب النكسة وأكتوبر وسافر للعمل في الخليج وعاد ليضع نقوده في شركات توظيف الأموال ليجد نفسه على حافة الفقر بعد أن ضاعت عليه مدخراته.

   

 

وبعيدا عن شخصية البطل، لم يفلح الفيلم أيضا في رسم شخصيات أشراره بشكل أعمق. فيقتصر الفيلم بشكل تام على جوانبها السيئة والتي تنحصر بدورها في حياتها الوظيفية، بلا أي تصوير لها في حياتها العادية كشخصيات من لحم ودم تمتلك أيضا ما يجعلها تستأهل التعاطف معها، والذي كان سيضع المشاهد بدوره في مأزق ما بين كراهيته لأفعالها السيئة وفي الوقت نفسه عدم رغبته في أن يصيبها أذى. مجددا نجد المثال الأمثل لهذا في شخصية "المهندس" في فيلم "دعاء الكروان". يمكننا أن نتجاوز هذا لأن الفيلم قد لا يملك المساحة في وقته القصير، مقارنة بالفنون السردية الأخرى، لإضفاء أبعاد وتناقضات على شخصيات هي في النهاية جانبية. لكن مع طول وقت "تراب الماس" الذي تجاوز الساعتين، فإنه امتلك الفرصة بالفعل للتطرق لهذا، لكنه اختار الغوص في تفاصيل غير ذات تأثير كما ذكرنا.

  

بالرغم من تلك المشاكل التي أشرنا إليها، فقد امتلك الفيلم عدّة عناصر أخرى ساعدته ليصبح عملا جيدا في العموم. فالقصة نفسها وإن امتلأت بالكثير من الخطوط الجانبية والأحداث غير المؤثرة احتفظت حتى النهاية، في الخط الأساسي منها على الأقل، بجرعة جيدة من التشويق جعلت المشاهد بالرغم من كل ما أشرّنا إليه لا يملك سوى أن يتابع الأحداث في اهتمام وترقّب لما سيحدث. والأداء التمثيلي تراوح في معظمه ما بين الجيد والممتاز، وينبغي هنا الإشارة إلى الممثل أحمد كمال الذي أدى دور الأب، والذي بالرغم من صغر مساحة الدور فإنه تمكن باقتدار من الإمساك بتفاصيل الشخصية وبث الروح فيها، وأيضا إلى ماجد الكدواني الذي قام بدور ضابط الشرطة وحافظ في أدائه ذاك على المستوى الممتاز نفسه الذي اعتدناه في أعماله الأخيرة. وقد رافق الفيلم موسيقى هشام نزيه التصويرية، والتي تمكنت بانسيابية وجمال من التعبير عن أجواء الفيلم وإبراز الكثافة الشعورية لكل مشهد من المشاهد التي جاءت في خلفيتها.

  

يظل فيلم "تراب الماس" مثالا على العمل السينمائي الذي تمتاز فيه كل العناصر الإخراجية لكن تلتف عليه قصته وتخونه؛ فالقصة وإن لم تكن سيئة، فإنها امتلكت نواة عمل أكثر اكتمالا وإبهارا ضاع في دوامة الخطوط الفرعية والتفاصيل التي لا تضيف شيئا. فلو اتبع السيناريست شعار الأديب الكبير إبراهيم أصلان الذي يقول: "أنا أكتب بالأستيكة (الممحاة) وليس بالقلم"(6)، لرأينا بلا شك عملا أفضل بكثير.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار