انضم إلينا
اغلاق
ما الذي يخبرنا به مسلسل "The hunting of Hill house" عن مخاوف الطفولة؟

ما الذي يخبرنا به مسلسل "The hunting of Hill house" عن مخاوف الطفولة؟

آية طنطاوي

كاتبة
  • ض
  • ض

جلست ثيودورا أمام كالسي، طفلة لم تتجاوز ستة أعوام، لتخبرها الصغيرة أن هناك شبحا يزورها في الليل، ولأن له ابتسامة عريضة لقّبته بـ "الرجل ذي الابتسامة"، لكن كيف لطفلة بعمرها أن تكون مريضة نفسية وتتخيل أشباحا غير حقيقيين؟ في طفولتها كانت ثيودورا أيضا ترى أشباحا، لذا هي مؤمنة بأن رؤى الأطفال حقيقية وغير مختلقَة، فالأطفال لا يكذبون. طلبت ثيودورا أن تزور بيت الفتاة فرحب أبواها، وبذكائها في التفتيش وبحدسها عرفت أن الشبح الذي تراه الفتاة ليس محض خيال طفولي بل إنه حقيقة، وأن والد كالسي يقتحم القبو في الظلام ويتحرش بها، وأن الرجل ذا الابتسامة محض رتوش في السقف تراها الصغيرة عندما تنام متصلبة وعيونها مفتوحة.

   

المشهد السابق هو واحد من مشاهد التعرف على ثيودورا إحدى شخصيات مسلسل "منزل هيل المسكون" (The hunting of Hill house) الذي نخوض فيه رحلة زمنية مثيرة بين الماضي والحاضر لأسرة صغيرة تبدو سعيدة من أب وأم وخمسة أبناء ينتقلون إلى منزل جديد ليسكنوا فيه، يمتهن الأب "الإصلاح"، يشتري البيوت القديمة المتهالكة ويسكن فيها مع أسرته لأشهر ويصلحها ثم يبيعها بثمن مرتفع، هذا هو مصدر رزقه؛ يجيد الأب الإصلاح ولكل مشكلة تواجهه حل، يعرف جيدا كيف يغطي الجدران المتهالكة بأوراق الحائط الملونة، لكنه لا يلتفت لإصلاح جذور العطب. بعد مرور السنوات أدرك الأب أنه ترك بيتا غير متماسك ومسكونا وأبناء تلاحقهم إلى الآن أشباح الطفولة وهواجسها.

   

      

"يمكن للشبح أن يكون أشياء كثيرة، ذكرى أو حلم يقظة أو سرا أو حزنا أو غضبا أو شعورا بالذنب، لكن الشبح بحسب خبرتي هو ما نريد أن نراه"

(المسلسل)

  

هل منازلنا مسكونة بالأشباح؟

مخاوفنا واحدة، لكننا نكشف عنها بطرقنا الخاصة، في رواية أو فيلم أو أغنية أو قصيدة شعر، في واحدة من قصائده يناجي الشاعر بودلير ربة الشعر، ملهمته، بعد ليلة مليئة بالكوابيس والرؤى المخيفة فيقول: "يَا رَبَّةَ شِعْرِيَ العَلِيلَةَ/ وَا أسَفَاه! مَاذَا جَرَى لَكِ هَذَا الصَّباح/ عَيْنَاكِ الْغَائِرَتَانِ مُفْعَمَتَانِ بِالرُّؤَى اللَّيْلِيَّة/ وَعَلَى سِحْنَتِكِ يَنْتَشِرُ، وَاحِدًا وَرَاء الآخَر/ الْجُنُونُ وَالرُّعْبُ، وَالْبُرُودَةُ وَالسُّكُوت/ فَهَل صَبَّت الشَّيْطَانَةُ الْخَضْرَاءُ وَالْعِفْرِيتُ الْوَرْدِي/ عَلَيْكِ الْخَوْفَ وَالْحُبَّ مِنْ جِرَارِهِمَا؟"[1]. يصف بودلير ربة الشعر بذات العيون الغائرة، واختار للعفاريت ألوانا، بعد ليلة طويلة من الرعب استطاع أن يغزل قصيدة استلهمت مفرداتها من كوابيس ليلية.

    

تُفرد كل حلقة من المسلسل فصلا خاصا بكل فرد من أفراد الأسرة، لنتسلّل بالترتيب إلى ذكرياتهم في منزل هيل الذي تسبّب في انفجار الأشباح في وجه الأطفال والأم أيضا، لكن دعونا نفكك رموز المسلسل ونتعامل مع المنزل على أنه مرحلة الطفولة برمتها التي تتغذى على الخوف والقلق، والأشباح التي تطارد كل أبناء الأسرة هي كناية عن مخاوف شخصية متراكمة تجسّدت للأطفال في هيئة خيالات مرعبة.

     

في البداية نتعرف على الأسرة من خلال ابنتهم الصغيرة نيللي وهي تصرخ في الليل لأنها رأت أمامها فتاة ذات رقبة محنية وشعر أسود طويل منسدل، يخبرها الأب أنه مجرد كابوس مزعج، طمأنها ببعض الكلمات وتركها لتعاود النوم والخوف يقطب وجهها البريء، الأب الذي اعتاد إصلاح الأشياء الخربة في البيوت لم يترك مساحة ليسأل نفسه لماذا تحلم طفلتي الصغيرة بشيء مرعب كهذا؟ هل هناك ما يرعبها حقا؟

    

يقول فرويد إن أحلام الأطفال هي نتاج لما يتولّد لديهم طوال النهار وإنها ذات صلة مباشرة بالحياة اليومية، فالطفل لا يحلم أبدا بأشياء عديمة الدلالة أو غير مثيرة لعقله، فكل حلم يراوده ذو صلة وطيدة بالواقع [2]. تستمر الأحداث في المسلسل لنعرف أن ما يراه الأطفال ليست أحلاما كما يظن الأب، بل إنها خيالات حقيقية، لكن الأب الذي لم ينتبه للأمر منذ البداية ترك بداخل أبنائه مخاوف ستلاحقهم مدى الحياة.

    

  

لن يُصدقني أحد

يردد الأطفال في المسلسل عبارات متقاربة في مدلولاتها: "أبي وأمي لا يصدقونني"، "من الرائع أن يُصغي إليّ الناس"، خيط جديد ينسج واحدا من أطراف الحكاية المرعبة وهو تجاهل الآباء الذي يولّد مخاوف جديدة لأطفالهم. بطبيعة عمله في الخدمة الاجتماعية يحكي بول أولافسون عن حالات مختلفة لأطفال تعامل معهم في مكتبه عبروا له عن رغباتهم الانتحارية واتجاه بعضهم لتناول المخدرات، كيف لطفل صغير لم يختبر الحياة بعد أن يرغب في الانتحار؟ يفسر بول الإجابة في أن هؤلاء الأطفال لم يجدوا من يستمع لهم ومن يحبهم، عندما نصرخ في وجه أبنائنا نجبرهم على الاعتذار فحسب، لأن هذا هو ما يهمنا في الأمر، لكن هذا وحده لا يكفي، يجب أن نعطيهم فرصة و نستمع لهم، أن نؤمن بصدق ما يقولونه وأن نعي جيدا أن لسان الطفل لا يساعده في التعبير عن مشاعره، لكننا رغم ذلك يجب أن نستمع له وأن نترك له مساحة للرسم والحكي والتعبير عما لا يستطيع البوح به [3].

 

إن طبيعة مخاوف الأطفال يسهل تفسيرها وتكهّن أسبابها لأنها لن تصل إلى التعقيد الذي يتعرض له الكبار، ويساعدنا الطب الحديث على استعراض أنواع المخاوف التي قد يتعرض لها الأطفال، لذا يسهل علينا تنبؤه بسهولة من خلال تتبع أعراضه، كالخوف من الفشل والرفض، الخوف من الظلام، الخوف من الوحوش والأشباح، وغيرها من المخاوف [4].

 

"إن أفلام الرعب تلعب دور صمام الأمان للغرائز العدوانية لدى الإنسان، فهي تريه آثاره العنيفة وتقوم بالتنفيس عن العنف الذي فيه"[5]

ستيفن كينج

  

تجربة مشاهدة دراما الرعب تُثير فينا مشاعر الخوف، وهو ما يتماس بشكل شخصي مع مخاوفنا الشخصية، لذا يرفض البعض مشاهدة الرعب لأنهم ليسوا على وفاق تام مع مخاوفهم، في مقابل محبيها الذين يمتعهم الشعور بالرعب. في دراسة أعدها دكتور ديردري جونستون في منتصف التسعينيات على شريحة من المراهقين الأميركيين من محبي أفلام الرعب، خلص إلى أن واحدا من أسباب حبهم للرعب هو تعاطفهم الشديد مع مشاعر الأبطال أو الضحايا، وأنهم ببساطة يستوعبون مخاوفهم [6] لذا، في أكثر لحظاتنا رعبا، تغوص الصورة الرمادية لدراما الرعب في مساحاتنا الخاصة، تتفاعل الأحداث الدرامية مع حواسنا لتفرز أجسادنا الأدرينالين، وتنتفض بداخلنا مشاعر الخوف التي من شأنها إثبات نجاح الفيلم من عدمه، والتي بشكل ما تكشف بهوادة عن مخاوفنا المختبئة في اللاوعي.

     

 لم يكن الأب والأم في المسلسل قساة ولم يتعاملوا مع أبنائهم بعنف، كانوا ودودين للغاية، لكنهم لم يعتنوا بصحتهم النفسية على الإطلاق

مواقع التواصل الاجتماعي
       

"عندما أخاف، أتخيل نفسي وأنا أبني سورا كبيرا حولي مصنوعا من طوب قوي، وهكذا، أستمر في بناء الأسوار حولي إلى أن أتأكد أني آمنة بالداخل"

المسلسل

    

بهذه الكلمات نستطيع أن نفسر سر الغرفة السرية المغلقة التي لا نعرف ما الذي وراءها، هذه الغرفة هي السور الذي بناه الأبناء في المسلسل لأنفسهم، يختبئون بداخلها ليحموا أنفسهم من البيت، وبالفعل كانت هذه الغرفة الوحيدة التي لم تطأها أقدام الأشباح. وعندما كبر الأبناء خلقوا لأنفسهم طرقا مختلفة ليسيروا فيها بعيدا عن مخاوفهم، ولأنهم في الصغر لم يجدوا مرشدا حقيقيا يُعينهم على التعامل مع مخاوفهم ومواجهتها لجأوا إلى طرق غير صحيحة لتجاوز هذه المخاوف، كالشذوذ، والإدمان، والكذب على الناس، وعدم النضج.

    

لم يكن الأب والأم في المسلسل قساة ولم يتعاملوا مع أبنائهم بعنف، كانوا ودودين للغاية، لكنهم لم يعتنوا بصحتهم النفسية على الإطلاق، وهذا ما تسلط معالجة المسلسل الضوء عليه، قد تتصور أنك أب صالح أو أم طيبة لكن هذا لا يُشكّل الحماية الكافية لأبنائك، فالطفل يرعبه اتساع العالم من حوله، وفي كل خطوة يسعى لاكتشافه، وهذا مخيف دون وجود مرشد له، حينها سيدخل وحده أشد الأماكن ظلمة ولن يدرك حقا أنه أصبح في ورطة وبحاجة إلى الإنقاذ. إذا كان مسلسل "منزل هيل المسكون" يخبرنا أن أزماتنا النفسية قد تتجسد في صورة أشباح الطفولة، فإننا طوال الحلقات نرى الأشباح التي يراها الأبطال، يقفون في الزوايا وعلى درجات السلم، هم في كل مكان في البيت، لا لنصاب بالرعب، بل لنتأكد بأعيننا أن هذه الأشباح حقيقية، تماما كأشباحنا.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار