انضم إلينا
اغلاق
ديستروير لنيكول كيدمان.. لماذا تأتي الجوائز عندما تتخلى الجميلات عن جمالهن؟

ديستروير لنيكول كيدمان.. لماذا تأتي الجوائز عندما تتخلى الجميلات عن جمالهن؟

رحمة حداد

محرر فن
  • ض
  • ض

"لطالما أردت أن أكون في الأفلام، عندما كنت صغيرة كنت متأكدة أنه في يوم ما سوف أكون نجمة كبيرة، أو ربما أردت أن أكون جميلة فحسب، جميلة وغنية مثل النساء في التلفاز، أجل كان لي العديد من الأحلام ويمكنك أن تسميني شخصا رومانسيا، لأني أصدق فعلا أنه في أحد الأيام سيتحقق كل ذلك"*

 

في عام 2003 صدر فيلم "وحش" (مونستر)، بطولة النجمة الجنوب أفريقية شارليز ثيرون وإخراج باتي جينكينز. يحكي الفيلم قصة مبنية على أحداث حقيقية، تلعب فيها ثيرون دور فتاة ليل قادتها الظروف لتصبح قاتلة، لأول وهلة سوف يصعب على المشاهد تمييز شكلها، بأسنانها البارزة وبشرتها المهترئة وحاجبيها الحليقين ووزنها الزائد، تعرف شارليز ثيرون بشعرها الذهبي اللامع وقوامها المثالي، وعادة ما يتم اختيارها في دور الفتاة الجميلة.

 

لكن ما لفت أنظار النقاد إليها هذه المرة لم يكن جمالها، بل تخليها عنه، لتنصهر تماما مع الشخصية التي تؤديها، لم يعد جمالها هو ما لفت الأنظار بل موهبتها، لذا نجحت في اقتناص جائزة الأوسكار الأولى لها، والوحيدة في مسيرتها حتى الآن.

  

النجمة الجنوب أفريقية شارليز ثيرون في فيلم وحش 2003 (مواقع التواصل)

    

يبدو أن الجوائز والإشادات النقدية بالنجمات الجميلات تتناسب طرديا مع إخفائهن لمظاهرهن الحقيقية، ففي العام الماضي 2018، قامت الممثلة الأسترالية الشهيرة نيكول كيدمان ببطولة فيلم "مدمرة" (ديستروير)، تبدو كيدمان كما لم تبد من قبل، مستغنية عن الشعر الأشقر والبشرة البورسلينية.

 

بدت متعبة ومريضة وبشكل عام لا تبدو بالجمال نفسه الذي اشتهرت به، لقي أداؤها حفاوة كبيرة وإشادات جماعية من الجمهور والنقاد، وترشحت لجائزة الجولدن جلوب ومن المرجح أن تترشح لجائزة الأوسكار أيضا.

 

لم تكن تلك المرة الأولى التي تنهال فيها الجوائز على نيكول كيدمان نتيجة لاختفائها داخل شخصية أخرى، سواء كان ذلك شكليا أو موضوعيا عن طريق الأداء المتميز، ففي عام 2001 فازت بجائزة الأوسكار عن دورها في فيلم "الساعات" من إخراج ستيفن دالدري، فيه لعبت دور الروائية الأميركية الحداثية فيرجينيا وولف، بتفاصيل شخصيتها ونفسيتها المعقدة بالإضافة لشكلها المميز الذي يختلف كثيرا عن شكل كيدمان.

 

حيث قام فريق المكياج بتحويلها إلى أقرب شكل ممكن لفيرجينيا وولف، عن طريق إضافة أنف اصطناعي، فأصبح من الصعب التعرف عليها، لقي فيلم "الساعات" نجاحا نقديا وجماهيريا كبيرا، ولا يزال يُشاهد حتى الآن من قِبل محبي السينما، لكن ماذا عن ديستروير آخر أفلامها؟ هل به ما يستحق الإشادة بجانب أداء نيكول كيدمان المتقن والعمل التحولي الذي قام به مصممو المكياج؟

  

الكاتبة الإنجليزية فيرجينيا وولف (مواقع التواصل)

   

ديستروير فيلم جيد أم مجرد أداء تمثيلي متميز؟

في مراجعته للفيلم أشار بليجي ايبيري الناقد بمجلة فالتشر أن أول ما ستلاحظه عند مشاهدتك لديستروير هو وجه نيكول كيدمان، وربما يكون ثاني وثالث شيء أيضا، فأكثرية مدة الفيلم نرى لقطات مقربة لوجهها، تلك اللقطة المقربة تكون افتتاحية الفيلم أيضا.

 

ربما يبدو ذلك الوجه غير واقعي، وهو ما يسبب التشتيت، لكن يرى ايبيري أنا هذا من الممكن أن يكون مقصودا من المخرجة كارين كوساما، لأن طبيعة الشخصية تبدو مشوهة تماما، فتبدو وكأنها تتحدث من وراء قناع، تقوم كيدمان بدور شرطية، تعيش حياة معذبة بسبب جرائم تسببت في وقوعها، تحاول تعديل حياتها وعلاقاتها الإنسانية بزوجها وابنتها، لكنها تتورط أكثر فأكثر وتصبح شخصا فاقدا للحياة، تهيم على وجهها كالميتة بعودها المتيبس ووجهها المتجهم الصلب، تسير أحداث الفيلم في قالب أشبه بالفيلم نوار، فالبطلة هنا شخص مليء بالعيوب والأخلاقيات المزدوجة غير المثالية، بالإضافة للحبكة البوليسية وأسلوب الإضاءة.(1)
 

إذا استثنينا أداء نيكول كيدمان فنحن أمام فيلم ذي قصة مكررة عن الندم والانتقام، مطاردات ومواجهات بالأسلحة مع لمسة إنسانية تتمثل في علاقة الشرطية بابنتها، لذلك يمكن تفسير شهرة وجاذبية الفيلم في عنصر التمثيل والتحوّل الشكلي، وهو العنصر الذي يستخدم عادة لجذب انتباه المحكمين في موسم جوائز الأفلام، فهل يتم حساب ذلك بشكل متعمد؟

 

طُعم الأوسكار

في كل عام يمكن ملاحظة نمط معين للأفلام التي تترشح للجوائز الكبرى، مثل أفلام الحروب الملحمية أو أفلام تناقش قضايا سياسية حاضرة مثل الإرهاب أو النسوية، أفلام تتناول قصصا حقيقية مع أداءات تمثيلية مسرحية باهرة، وأخيرا تحولات شكلية متطرفة للمثليين من أجل القيام بأدوارهم، فنجد مثلا كريستيان بيل يغير في مظهره ووزنه في كل دور يقوم به.

   

الممثل البريطاني كرستين بيل (مواقع التواصل)

   

وسواء صمد الفيلم الذي شارك فيه في اختبار الزمن أم لا، نجده دائما حاضرا في الترشيحات في فئة أفضل ممثل أو ممثل مساعد، والذي فاز بها أخيرا عام 2010 عن فيلم "المقاتل" (ذا فايتر) والذي أنقص فيه وزنه بشكل ملحوظ لكي يقوم بدور ملاكم متقاعد مهمل في صحته ومدمن على المخدرات.
تكررت القصة هذا العام أيضا، فاز كريستيان بيل بجائزة الجولدن جلوب عن دوره في فيلم فايس، بدا بيل مليء الجسد وذا وجه عجوز وشعر أشيب، وفي خطاب استلامه للجائزة شكر فريق المكياج الخاص به، لأن دونهم لن يكون فوزه ممكنا.

 

بجانب التغيرات الجسدية المستحيلة، نجد دائما الشخصية التاريخية أو الشهيرة، فتحول ممثل نعلم مظهره إلى شخص آخر يثير الاهتمام والدهشة ويجلب الجوائز. سُمّيت تلك الظاهرة بطُعم الأوسكار إشارة إلى فكرة الخداع التي تحدث للفت أنظار القائمين على تلك الفعاليات، أو لضمان المشاركة فيها، مما يضفي عليها قيمة تجعلها تبلي بلاء حسنا في دور العرض، فتجمع أرباحا أكثر، تعتمد بعض الأفلام على تلك الفكرة لجلب قيمة إنتاجها.

  

تم استخدام مصطلح "طُعم الأوسكار" أول مرة عام 1948 في مراجعة لجريدة نيو ريبابلك عن فيلم "فورت أباتشي" لجون فورد مخرج أفلام الغرب الأميركي الأيقوني، لكن في الأربعينيات والخمسينيات كان استخدام الكلمة يعني قابلية التفات أكاديمية العلوم والفنون أو الأوسكار لنوعية معينة من الأفلام، لكن لم تكن الأفلام تصنع بهدف لفت أنظار الأكاديمية عن عمد.

 

يمكن اعتبار فيلم "صائد الغزلان" (ذا دير هانتر) هو أول محاولة لصنع فيلم كطُعم للجوائز بشكل مقصود كإستراتيجية تسويقية، فعندما عُرِضَ بشكل تجريبي لقي ردود أفعال سلبية ومحبطة، فهو فيلم حزين عن حرب فيتنام مليء بالتعذيب والأجواء الكئيبة، تم تغيير المنتج واقترح المنتج الجديد أن أفضل طريقة لتسويق فيلم بتلك المواصفات هو جعله فيلما فائزا بالأوسكار، وبالفعل عُرِض على نقاد وأعضاء بالأكاديمية، وتم ترشيحه لتسع جوائز أوسكار، وعندما تم توزيعه بشكل واسع لقي نجاحا منقطع النظير.(2)

   

 فيلم "صائد الغزلان" (ذا دير هانتر) (مواقع التواصل)

   

في السنوات الأخيرة طُبّق ذلك المفهوم ربما بشكل روتيني وغير واعٍ أو منظم ومدروس، لكنه يتكرر بانتظام ويتغير حسب الأحداث الجارية، مثل صعود حركة الأوسكار بيضاء جدا والتي تنتقد قلة المرشحين سود البشرة، أو حركة أنا أيضا التي تناصر حقوق المرأة، وفي حالة فيلم "ديستروير" أو "مونستر"، فالموضوع مختلف، لا توجد توجهات سياسية أو اجتماعية محددة، ولكنها فكرة الخروج عن المألوف للعين، عادة ما نجد قوائم تسمى "نساء جذابات تحوّلن لقبيحات من أجل التمثيل"(3)، فيبدو ذلك فعلا ثوريا ومضحيا، ربما أكثر من التحولات الرجالية الأكثر تطرفا نظرا لطبيعة عمل النساء كممثلات، وأولوية مظهرهن فوق كل شيء آخر، فيكون ذلك التحول الذي عادة ما يكون للأكثر عادية إذا لم يكن للأقبح بمنزلة تحرر من النمط المفروض عليهن، وفرصة لإظهار إمكانيات تمثيلية حقيقية حتى ولو كانت في أفلام عادية تقليدية أو من أجل الحصول على الجوائز والمجد.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار