انضم إلينا
اغلاق
فيلم "Split".. ما الذي يعنيه أن تعيش 23 شخصية داخلك؟

فيلم "Split".. ما الذي يعنيه أن تعيش 23 شخصية داخلك؟

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض
 "هنالك امرأة في الخارج" 
    
لم تكد الفتيات الثلاث يصدقن أعينهن عندما رأين من فتحة الباب الصغيرة، نافذتهم الوحيدة على العالم الآن، شبح امرأة. تسارعت الأفكار في العقول، هناك أمل، لسن وحدهن في ذلك القبو المعتم، ستنقذهن المرأة ربما من خاطفهن المجهول وسيعدن لبيوتهن من جديد. في صوت واحد، صاح الثلاثة: "النجدة"، لكن عندما فُتَح الباب، وأطل منه الخاطف نفسه وهو يرتدي ملابس امرأة، أدركن أن خاطفهن ليس شخصا طبيعيا، وأنهن وقعن في هوة بلا قرار. 
 
بفيلمه "المُنفصِل" (Split)، الذي عُرض في السينما ببدايات عام 2017، استطاع المخرج إم نايت شايلامان العودة مجددا للأضواء. فبعد مسيرة سينمائية شهدت أفلاما حققت نجاحا جماهيريا ساحقا مثل "الحاسة السادسة" (The Sixth Sense) و"غير قابل للكسر" (Unbreakable)، خفت ضوء شايلامان طويلا، واكتفى لسنوات بصناعة أفلام متوسطة الجودة لم تلق استحسانا لدى النقاد أو الجماهير. لكنه بهذا الفيلم أعلن عودته بقوة، ومع عودته رجع مجددا بصحبة الثيمة السينمائية التي رافقته في أفلامه الأكثر نجاحا: المرض والمعاناة كبواعث على القوى الخارقة. المرض هذه المرة هو انفصام الشخصية، أو ما يُسمى علميا باضطراب الهوية التفارقي، والذي تكرر تمثيله بالفعل في عشرات الأفلام التي صار بعضها الآن من الكلاسيكيات. فهل أضاف تناول شايلامان أي جديد؟ أم أنه اكتفى بالاعتماد على القوالب المعروفة والمكررة؟  
  
  
فيلم "Split".. ما بين كليشيهات النوع ومحاولات التجديد
لم يبد هنالك أي شيء مثيرا للريبة حيال باري في ذلك اليوم. بابتسامته الودودة وسكتش تصميمات الأزياء الذي لا يفارقه، حيّا طبيبته النفسية الدكتورة فلتشر وجلس يحدثها عن مختلف الأشياء. لكنها لم تملك سوى أن تشعر أن شيئا ما غير طبيعي، شيئا ما ليس على ما يرام. أهو باري فعلا من تحدث أم واحد آخر من الشخصيات الـ 23 التي تسكن جسده؟ 
  
كان حدس الدكتورة على صواب. ففي بيت باري، أو بالأحرى دينيس، إحدى الشخصيات غير الودودة تماما التي تسكن ذلك الجسد، كان هنالك الآن ثلاث مراهقات محبوسات في القبو بلا أمل في الخلاص. وجدن أنفسهن هناك بعد أن قام دينيس بتخديرهن واختطافهن دون أن يعلمن ماذا يريد، أو أي مصير مظلم يحضره لهن. كل ما كن على يقين تام منه، بعد أن رأين الرجل الذي احتجزهن يتحول لامرأة أحيانا، ولطفل ذي تسع سنوات أحيانا أخرى، أن وضعهن من أسوأ ما يكون. 
    
أحد الأشياء التي حافظ بها شايلامان على الإثارة على مدار الأحداث كان إبقاء الهدف من اختطاف الفتيات مخفيا عن المُشاهِد مثلما هو مخفي عن الشخصيات. بذلك، استطاع الاحتفاظ بالمشاهدين في حالة من الترقب يتابعون معها ما يجري في انتظار لحظة التنوير التي سيفهمون عندها كل شيء. وحتى تأتي تلك اللحظة، ولئلا تقع الحبكة في فخ التطويل وتصيب المشاهد على عكس المطلوب بالملل، ألقى شايلامان بخيوط أخرى تمدنا بخلفية حياة كايسي، إحدى الفتيات المُختطَفات، وبعض المعلومات على لسان دكتور فليتشر عن المرض الذي يعاني منه باري، كما أكثر من المشاهد الطويلة التي انفرد فيها البطل جيمس ماكفوي بالكاميرا وأثبت فيها قدراته كممثل يستطيع تجسيد أكثر من شخصية والانتقال بينهما في الآن نفسه بسلاسة باهرة.
    
 
    
نرى مشاهد من طفولة كايسي، الفتاة التي أسس لها الفيلم منذ اللحظة الأولى كفتاة منطوية مختلفة عن الفتاتين الأُخريين، في تتابعات لها في غابة مع والدها وعمها أثناء اصطيادهم للحيوانات البرّية. تضفي تلك التتابعات التي تحدث في فضاء ملون وواسع تنويعا مطلوبا على الطابع البصري حتى لا يصاب المُشاهد بالملل من قضاء الفيلم أغلب وقته في القبو الضيق مع الفتيات. لكن الأهم من ذلك هو كونها تضيف عمقا وأبعادا على شخصية إحدى الضحايا، وهنا يبتعد شايلامان قليلا عن إكليشيه أفلام الرعب المعتاد من تسطيح الشخصيات والاكتفاء بالتركيز على تطور الأحداث، وإن وقع فيه في رسمه لشخصية مارشيا وكلاير. 
    
كما يعكس تطور الأحداث في خط ماضي كايسي ما يحدث في الحاضر، فيعقد عبره شايلامان المقارنة بين الوحوش التي كانت تصطادها كايسي في الغابة وبين خاطفها الآن، ويفسر رباطة جأشها وقدرتها على التفكير والتصرف بشكل عقلاني مقارنة بمارشيا وكلاير اللتين تستسلمان للهلع. لكن نظرات كايسي المنكسرة بعض الشيء والتي صوّرتها ببراعة عينا الممثلة آنيا تايلور جوي اللتان تشبهان عيني غزال جريح توحيان أنها تخبئ سرا أكثر ظلامية مما رأيناه حتى تلك اللحظة. 
  
    
      
أما بالنسبة لدكتور فليتشر، فيتم التركيز في خطها على أبحاثها واكتشافاتها فيما يخص مرض انفصام الشخصية، وفي محاضرة تُلقيها عبر "سكايب" نعرف نظريتها حول كون الأشخاص المصابين بالفصام يملكون القدرة على استخدام قدرات العقل البشري لأقصى مداها، على عكس الأشخاص العاديين الذين يبقون محدودين بما تفرضه عليهم شخصياتهم المحدودة بدورها. كما استطردت فليتشر حول كون كل شخصية من الشخصيات التي تعيش داخل جسد المصاب بالمرض تمتلك نقاط ضعف وقدرات جسدية غير الأخريات، فإحداها قد تكون مصابة بالسكري، والبقية غير مصابة، وفي مثال أكثر دراماتيكية، قد يصاب المريض بالعمى، فيُطوّر شخصيات أخرى تمتلك القدرة على الإبصار.
 
قد يُعاب على ذلك الجزء من الفيلم لجوءه للمباشرة والخطابية، لكنه لا يشذ في هذا عن عدد كبير من الأفلام التي تتناول موضوع الفصام، والتي يأتي في أكثرها مشهد متكرر للطبيب النفسي يشرح لشخصيات الفيلم، وللجمهور معا، طبيعة ما رأوه. أشهر هذه المشاهد هو مشهد النهاية في فيلم ألفريد هيتشكوك الشهير "سايكو"، والذي أخذ فيه الطبيب يفسر لحبيب القتيلة ماريون وصديقتها الطبيعة النفسية للقاتل نورمان بيتس، والشيء نفسه نراه في نهاية فيلم كمال الشيخ "بئر الحرمان" الذي تعاني فيه البطلة سعاد حسني من الفصام، ويشرح طبيبها النفسي الذي يلعب دوره محمود المليجي في مشهد النهاية لخطيبها وعائلتها طبيعة مرضها. تلك المشاهد مبررة في سياقها الزمني، حيث المرض غير معروف بشكل كبير للجماهير، أما شايلامان فيستخدمه لغرض آخر، فما تقوله دكتور فليتشر في الفيلم كلام غير علمي، لكنه يدعم التحول الذي سيحدث في نهاية الفيلم ويصبح بمنزلة التمهيد له. 
  
   
    
بتطور الأحداث، وتضفير خط جلسات باري -أو كيفن أو دينيس- النفسية التي تُلقي الضوء على ماضيه، مع خط ماضي كايسي، نصل لمعرفة أن كليهما في الواقع ضحيتان لطفولة مضطربة، فباري تعرض للعنف المنزلي ما كان السبب في إصابته بالفصام، وكايسي تعرضت للتحرش الجنسي من عمها، ما جعلها انطوائية وغير قادرة على التواصل مع الآخرين إلى الآن. عبر ذلك التضفير، يود شايلامان أن يصل بنا للاستنتاج الذي لا يخلو من الافتعال، عن كون الجاني والمجني عليه غير مختلفين كثيرا عن بعضهما البعض، وأن كليهما ضحية لشيء أكبر منهما. وعبر هذا أيضا يضع تأسيسا لما ستشعر به شخصية الوحش من تعاطف مع كايسي ما سيجعله يحجم عن إيذائها. 
  
في هذا يختلف "Split" عن غيره من أفلام الإثارة والرعب. ففي تلك الأفلام التي تحدث فيها مطاردة بين مجرم أو كائن خارق لمجموعة من الفتيات، تتم "معاقبة" الفتيات ذوات السلوك غير الملتزم جنسيا بجعلهن يمتن أولا، بينما يُكتب للفتاة البريئة غير ذات الخبرات وحدها النجاة، فيما يعرف في ذلك النوع من الأفلام بتقليد "الفتاة الأخيرة" (final girl). هنا، من يقتلهن الوحش هن الفتيات البريئات اللواتي عشن حياة بلا تجارب ولا معاناة، بينما يُمثّل ما عانته كايسي السبب في خلاصها الأخير.  
  
بجمعه بين حبكة استطاعت الاحتفاظ بالإثارة والغموض والإبقاء على إيقاع متوازن، وبين الأداء المتقن لآنيا تايلور جوي والمثير لجيمس ماكفوي، استطاع الفيلم أن يحرز نجاحا جماهيريا كبيرا، لكن ذلك النجاح يعود جزء كبير منه أيضا للابتذال السينمائي المعتاد لبعض الأمراض النفسية التي يجدها المشاهدون مثيرة للفضول والاهتمام، واستغلال الفيلم ذلك الاهتمام لأبعد مدى بإدخال تفاصيل غير حقيقية، ولا منطقية أيضا، على أصحابه، كما لم يخل الفيلم أيضا من تسطيح لتجارب الاعتداء الجنسي أو البدني على الأطفال ورسمها في ضوء مضلل، فمن يمرون بهذا، في الواقع، لا يتحولون إلى أبطال خارقين ولا يصيرون الوحيدين الذين تُكتب لهم النجاة.  

تقارير متصدرة


آخر الأخبار