انضم إلينا
اغلاق
لا وجود للخير ولا للشر.. هكذا عكست أفلام "تارانتينو" روح العصر الحديث

لا وجود للخير ولا للشر.. هكذا عكست أفلام "تارانتينو" روح العصر الحديث

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض

"أسرق من كل فيلم تمت صناعته. لو أن هنالك شيئا واحدا مميزا في عملي، فهو أنني آخذ أشياء من هنا وأشياء من هناك وأدمجها معا"

 (كوينتن تارانتينو)

   

يلجأ نقاد السينما كثيرا إلى تعبير "مرآة للواقع" حتى يصفوا نوعا معينا من الأفلام يبرع مخرجوه في خلق انعكاس شبيه تماما بالواقع عبر أعمالهم؛ قد تصل تلك البراعة أحيانا إلى حد شعور المشاهد أن ما يراه على الشاشة ليس سوى قطعة حقيقية من الحياة وأن كل ما فعله المخرج هو أن أخذ كاميراه ليصورها. تصير الكاميرا إذن بمنزلة مرآة تعكس صورة ما يقع عليها، ومن هنا جاء وصف النقاد. لكن ماذا لو قام أحدهم وأخذ تلك المرآة السينمائية، وبدلا من توجيهها للحياة الواقعية، وجّهها لمرآة سينمائية أخرى؟ إذا أردت أن تعرف الإجابة، ليس عليك سوى مشاهدة أحد أفلام المخرج الأميركي كوينتن تارانتينو.

فبداية من العنف المفرط الذي لا يشبه أي شيء يحدث في الحياة الفعلية، وحتى الحقائق التاريخية المعروفة للجميع التي تُعاد كتابتها، نجد كسرا دائما للإيهام؛ أفلام تارانتينو لا تحاول أن تظهر كجزء من أي عالم واقعي أو خيالي، أفلامه تقدم نفسها إلينا على ما هي عليه تماما: أفلام ليس إلا، لا تستمد مادتها من الواقع، بل من أفلام أخرى. لا وجود فيها كذلك لأي سرديات كبرى، لا خير محض ولا شر محض، بل قوى متصارعة لا يُمثّل أي منها أي قيم، ويُكتب الانتصار في النهاية للأقوى. كل ذلك يجعل أفلام كوينتن تارانتينو أفلاما ما بعد حداثية بامتياز. فما تيار ما بعد الحداثة بالنسبة للفنون؟ وكيف نجد بصماته بوضوح في أعمال كوينتن تارانتينو؟

 

لا شيء جديد هنا



لم تأت ما بعد الحداثة بأي شيء جديد، لم تهتم بأن يكون لها تعريف خاص بها بقدر ما كانت عبارة عن رفض لكل ما مثّلته وحملته الحداثة من قيم وتعريفات. يمكننا تخيّلها كمطرقة هوت على صلابة وتماسك معتقدات الحداثة الثابتة، ولم تترك منها سوى شظايا مبعثرة أخذت تخيطها معا لتُشكّل منها تكوينات هازئة. لا تهتم ما بعد الحداثة شأن الحداثة بالأصالة؛ لا تؤمن ما بعد الحداثة بالأصالة من الأساس.[1]


في كتابه المهم حول ما بعد الحداثة، يطرح المفكر فريدريك جيمسون تخوفه من كون الإبداع في الفنون قد تم استنفاده تماما في الوقت الحالي، فعلى حد قوله: "لن يتمكن أدباء وفنانو الحاضر من اختراع أساليب وعوالم جديدة، فكل ما هنالك قد تم اختراعه بالفعل؛ يوجد عدد محدود فقط من التراكيب، وتلك المبتكرة تم التفكير فيها من قبل". لكن من قال إنه عليك حقا أن تكون مبتكرا لتخلق عملا فنيا جيدا؟ ليس وفقا لفنون ما بعد الحداثة.[2]


أخذ فنانو ذلك التيار والتيارات السابقة عليه منذ القرن العشرين يتوجهون بشكل متزايد للتلاعب بأشياء موجودة بالفعل عوضا عن خلق أعمال من الصفر. ففي أحد أشهر أعمال ما بعد الحداثة "لوح مارلين المزدوج"، أخذ آندي وورهول كادرا ثابتا لوجه مارلين مونرو في أحد أفلامها وكرره خمسين مرة فوق لوح مزدوج، دون أن يغير أي شيء فيه سوى الألوان. وفي فنون بصرية شكّلت إرهاصات لما بعد الحداثة مثل الكولاج، يقوم الفنان بقص أشكال ومواد غير مترابطة بالضرورة، ولصقها معا لتخلق صورة مبتكرة. يمكننا هكذا النظر لأفلام كوينتن تارانتينو كنوع من الكولاج السينمائي، يُقطِّع مشاهد وثيمات من عشرات الأفلام السابقة عليه، ويمزجها معا بشكل خلّاق.

 


يأخذ تارانتينو أنواعا سينمائية معروفة، بإكليشيهات تكررت مئات المرات، ثم يقطعها ويضعها معا لتُشكّل مزيجا غير متوقع. في "خيال رخيص" (Pulp Fiction) على سبيل المثال، وفي المقطع الخاص بميا وفينسنت، يبدو كل شيء حتى نقطة معينة شبيها بإكليشيه سينمائي لأفلام الرومانسية: امرأة جميلة وصغيرة في السن متزوجة من رجل ثري ذي نفوذ يكبرها بعشرات السنوات، تجد نفسها في سياق يجمعها بأحد أعوان زوجها الأكثر منه شبابا ووسامة. ثم ماذا؟ يحدث ما نعرفه جميعا بالطبع وتنشأ علاقة غرامية بين الاثنين.

هذا ما يقودنا تتابع الأحداث إليه، فبعد الرقصة التي يؤديها الاثنان والتي تظهر تناغمهما الشديد، وبعد أن يذهبا معا للبيت، يكون هذا ما نتوقعه؛ إلا أن تارانتينو يأخذ توقعاتنا تلك ويضرب بها عرض الحائط. على الأرض أمام فينسنت الذي خرج لتوّه من المرحاض، تتمدد ميا التي أخذت جرعة زائدة من الهيروين من سترته بين الحياة والموت، وإن لم يسارع في إنقاذها حياته ستكون على المحك؛ هكذا، وفي مشهد واحد، ينقلنا تارانتينو من نوع الرومانسية السينمائي بكل ما فيه من تناغم ونعومة رأيناها في الرقصة، لنوع الإثارة البعيد تماما عن كل ذلك؛ ويكون تحوّل وجه ميا الذي تركز عليه الكاميرا في الحالتين، من ذلك الجذّاب في مشهد المطعم إلى آخر دامٍ ومتغضّن بفعل الهيروين داخل الشقة، إيذانا بانتقالنا من نوع لآخر.

 


وفي فيلم مثل "اقتل بيل" (Kill Bill) بجزئيه، نجد ما لا يقل عن أربعة أنواع سينمائية ممزوجة معا، ووجود إحالات في التكوينات البصرية وفي الموضوع للأربعة. فمقاطع الفيلم التي يختار لها تارانتينو الظهور بالأبيض والأسود، والتي تحدث في كنيسة صغيرة في إحدى صحراوات مدينة تكساس مع موسيقى إنيو موريكوني الذي ألّف موسيقى "الطيب والشرير والشرس" في الخلفية، تُعيد للذهن على الفور أفلام الويسترن القديمة.

والجزء الذي تذهب فيه العروس لمعلم ساموراي ليصنع لها سيف كاتانا ويدربّها فيه إحالات بصرية مباشرة لأفلام الساموراي؛ والمقطع الذي تذهب فيه العروس لتنتقم من أو رين إشي وتتصارع مع عصابتها، يذكرنا بأفلام الفنون القتالية الآسيوية، ولا يترك تارانتينو تلك الإحالة فضفاضة، بل يجعل أوما ثورمان ترتدي في هذا المشهد البزّة الصفراء الشهيرة التي اشتهر بها بروس لي. كما تأتي قصة أو رين إشي مروية بالكامل عبر رسومات الأنيمي، بكل ما يُعرَف به هذا الفن من مبالغات بصرية لإيصال الشعور. [3]ولا نجد سمات ما بعد الحداثة في أفلام تارانتينو تتوقف عند هذا المزج الحر بين الأنواع والسمات، بل تمتد أيضا للثيمات الفكرية لتلك الأفلام.



ولا شيء مهم حقا

لم تنفِ ما بعد الحداثة فقط قيم الحداثة من الإيمان بهدف أسمى تسير باتجاهه البشرية وستصل إليه لا محالة وإن اختلفت الطرق، بل نفت وجود أي قيم على الإطلاق؛ العالم بالنسبة لما بعد الحداثة لا ينطوي سوى على فراغ، ولنا نحن البشر مطلق الحرية إما في ملء هذا الفراغ بما نودّ من معانٍ، وإما تركه على حاله، فارغا هكذا، غير مثقل بمعانٍ أو أهداف أو دلالات، خفيفا لأقصى حد.

تسكن شخصيات كوينتن تارانتينو ذلك العالم الفارغ، لا يحدوهم فيه أي شيء ولو حتى شبيه لقيمة عُليا. تُهيمن الأهداف الفردية وحدها وتصبح المحرك الأساسي: الحصول على المال هو ما يُحرّك العصابة في "كلاب المستودع" للسرقة، الثأر الشخصي هو ما يحرك العروس في "اقتل بيل" للنيل ممن حاولوا قتلها وأفقدوها جنينها، والثأر الشخصي أيضا هو ما يحرك شوشانا في "أوغاد مجهولون" ليصبح هو ما يضع النهاية في آخر المطاف للحرب العالمية الثانية.

في "خيال رخيص"، تعيش الشخصيات أيضا في فراغ قيمي، القوة هنا وحدها تصبح الشيء الوحيد المعترف به في غياب تام للقانون. تُهيمن الفوضى الكاملة على المكان فيما بين القتل والسرقة والاغتصاب، ولا يوجد ولو إشارة من بعيد لوجود شرطة أو أي سلطة مضادة رادعة. القوة هي ما تضع القانون، هي السلطة الوحيدة. تكمن تلك السلطة في الفيلم في شخص مارسيليوس والاس، الرجل المتربع فوق قمة هرم القوة، ليصبح هو المتحكم في سائر الشخصيات، ومن يضع لهم قيمهم البسيطة جدا والمتمثلة في الآتي: القيم الإيجابية تنحصر في اتباع أوامره، والسلبية في الفشل في تنفيذها. [4]

تَنَكُّرُ العاملين في زيّ ممثلين في فيلم "خيال رخيص" ليس بدوره شيئا دخيلا على سينما تارانتينو، فعنده، لا يحاكي الفن الحياة، بل تحاكي الحياة الفن

مواقع التواصل
 

في ذلك الخواء القيمي، نجد انحسارا تاما للدين، سواء على مستوى الممارسات أو مستوى الرموز، وتحل الثقافة الشعبية محله. رموز تلك الثقافة وعاداتها تصبح اللغة المتبادلة بين الأفراد، والتي يجيد الجميع الحديث بها وفهم إحالاتها. ففي أول مشهد لـ "كلاب المستودع"، أول أفلام تارانتينو، يجلس أفراد العصابة ويتناقشون في حوار طويل نسبيا حول معنى أغنية مادونا الشهيرة "كعذراء"، وفي بداية "خيال رخيص"، يتناقش فينسنت وجول حول اسم شطيرة البيج ماك في أوروبا. يصل ذلك الحلول الرمزي للثقافة الشعبية محل الدين لذروته في مشهد المطعم، حيث العاملون هناك يضعون مكياج وأزياء نجوم هوليوود على غرار جيمس دين ومارلين مونرو في أدوارهم الشهيرة، في أيقنة لأحد أهم عناصر الثقافة الشعبية.


في ذلك العالم، لا شيء مقدس، لا شيء فوق المساس به، الحياة الإنسانية نفسها تصبح بلا قيمة. تتناثر مئات الجثث على طول أفلام تارانتينو وعرضها، جثث لأشخاص لا يموتون لأهداف نبيلة أو قضايا عظمى في الغالب، بل يموتون هكذا، في منتهى العبثية، مثلما حدث للرجل الذي قتله فينسنت عن طريق الخطأ عندما دهس على المسدس ففجر رأسه دون قصد.

ذلك العنف المفرط الذي تتسم به أفلام تارانتينو لا يعبر عن موقفه من الحياة الواقعية، العنف هنا خفيف تماما، لا معنى له، مجرد أداء حركي ممتع، شبّهه تارانتينو في أحد الحوارات بالرقصات الاستعراضية أو الكوميديا الحركية. وهو ما يُعيد إلى أذهاننا ذلك المشهد الذي يقول فيه آلدو راين في "أوغاد مجهولون" للضابط الألماني إن مشاهدة صديقهم الملقب بـ "اليهودي الدب" يحطم رؤوس النازيين هو أقرب شيء شبيه بالأفلام يتسنى لهم مشاهدته؛ العنف هنا استعراضي تماما. ويُبقينا ما يتسم به هذا العنف من لا واقعية -الرأس عندما يُطلق عليها الرصاص في أفلام تارانتينو تنفجر كقنبلة من الدماء، والأعضاء تتطاير لمسافات بعيدة في الهواء بعد أن تُطلق هي الأخرى نافورة من الدماء- واعين بأن ما نشاهده فيلم ليس إلا، في اتساق مع أسلوب تارانتينو الذي يحرص على كسر الإيهام وتذكيرنا أننا بصدد محاكاة غير واقعية لأشياء غير حقيقية، ما يساهم بدوره في أجواء الخفة التي تسيطر على الأفلام.


تَنَكُّرُ العاملين في زيّ ممثلين في فيلم "خيال رخيص" ليس بدوره شيئا دخيلا على سينما تارانتينو، فعنده، لا يحاكي الفن الحياة، بل تحاكي الحياة الفن. يصبح التمثيل مهمة أساسية على الشخصيات إجادتها ليؤدوا مهماتهم. يقول قائد الضابط الذي عليه انتحال شخصية لص لتهيئته للمهمة: "على الضابط المتخفي أن يصير مارلون براندو، لتقوم بالمهمة عليك أن تصبح ممثلا عظيما. عليك أن تكون طبيعيا، طبيعيا تماما. لو أنك لست ممثلا عظيما فأنت بالضرورة ممثل سيئ، والتمثيل السيئ هراء في هذه الوظيفة". وكذا يصبح على شوشانا تمثيل أنها ليست يهودية للنجاة إبان الاستعمار النازي لفرنسا، وعلى الضابط البريطاني تمثيل أنه ضابط ألماني لينفذ "المهمة كينو"، وعلى آلدو راين ورفاقه تمثيل أنهم سينمائيون إيطاليون أيضا لتنفيذ المهمة. [5]


يأخذ تارانتينو التماهي ما بين الفن والحياة لأقصى مدى في هذا الفيلم. السينما هنا، حرفيا، تصنع التاريخ. فبكرات الأفلام القابلة للاشتعال هي السلاح القاتل الذي يقضي على النازيين ويُنهي الحرب، والسينما هي المكان الذي يشهد تلك المحرقة. بل إن شوشانا، التي كان بإمكانها بكل سهولة تفجير المكان بلا سابق إنذار، تحوّل الأمر برمته لاستعراض، تظهر فيه على الشاشة بعد أن تلاعبت بالفيلم المعروض، وتخبر النازيين عمّا ينتظرهم من هلاك. تنطلق بعدها النيران من شاشة السينما، في كسر تام للحاجز المفترض بين الفن والواقع. التاريخ أيضا يتم التلاعب به، فهو، حاله كحال كل شيء في سينما تارانتينو وعالم ما بعد الحداثة، لا وزن له، ولا ثقل، خفيف كالهواء.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار