انضم إلينا
اغلاق
فيلم "The Favourite".. البقاء للأكثر مكرا

فيلم "The Favourite".. البقاء للأكثر مكرا

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض

دائما ما تُطل القسوة الإنسانية برأسها في أفلام المخرج اليوناني يورجوس لانثيموس. يتغير المكان والزمان والأجواء المحيطة من فيلم لآخر، لكن تبقى قسوة الإنسان عاملا ثابتا في كل أعماله، بشكل يجعل تلك الأعمال بمنزلة دراسات سينمائية مُصغرة عن الجوانب المظلمة من النفس البشرية، وحدود القسوة التي قد نجد أنفسنا على استعداد أن نبلغها في سبيل البقاء إذا ما أجبرتنا الظروف على ذلك.

فقد دأب لانثيموس في كل أفلامه السابقة على وضع أبطاله في أجواء غريبة متطرفة، مارست ضغوطا شتى عليهم وأجبرتهم على اقتراف أفعال بشعة. في "لوبتسر" على سبيل المثال، يسكن دافيد بطل الفيلم عالما كابوسيا، يُحبَس فيه العُزّاب في فندق لمدة 45 يوما، عليهم خلالها أن يجدوا شخصا يرتبطون به وإلا تحوّلوا إلى حيوانات. وفي "قتل غزال مُقدس"، يوقع الفتى مارتن لعنة على الطبيب ستيفن، ويشترط عليه حتى يرفعها أن يقوم بنفسه بقتل أحد أفراد أسرته. في كلا الفيلمين، يُبقي لانثيموس الزمان والمكان مجهولين، ما يشدد الإيحاء الغريب لما نرى. [1]

أما في فيلمه الأخير "المفضلة" (The Favourite)، وبالرغم من كون المكان والزمان معروفين، فالمكان هنا هو القصر الملكي، والزمان فترة حكم الملكة آن في أواخر القرن الثامن عشر، وبالرغم من واقعية المكان وواقعية ما جرى فيه من أحداث، فإن طريقة تناول لانثيموس لذلك المكان وتلك الأحداث تُبقي على الأجواء الغريبة المعهودة لأفلامه حاضرة بقوة؛ ويحضر معها بالضرورة ثيمة القسوة الإنسانية المتكررة لديه، وإن تغيرت ظروف وملابسات تلك القسوة.

 

مثلث ألاعيب القوى

ما يختبئ خلف جدران قصور الحُكّام من صراعات ومكائد ودسائس، وما يمتلكه ساكنوها من سلطة مطلقة يقدرون معها على تغيير مصائر شعوب بأكملها، جعلت منها المسرح المفضل للكُتّاب والفنانين منذ عهد سوفوكليس وإلى يومنا هذا. تلك المكائد والدسائس بدورها تنطوي على قدر لا محدود من القسوة، يصبح معها القصر الملكي المكان الملائم تماما لفيلم ليورجوس لانثيموس. اختار لانثيموس فترة حكم الملكة "آن"، التي جرت فيها واحدة من أخس المعارك المعروفة بين اثنتين من النساء، كانت كل واحدة منهما على استعداد تام أن تدمر الأخرى لتصبح وحدها المفضلة لدى الملكة.

على عرش بريطانيا العظمى في أواخر القرن الثامن عشر جلست الملكة آن، وما اعترى جسدها وروحها من ضعف جعلها فريسة سهلة لمن هم أقوى منها ليسيطروا عليها وعلى مصير المملكة بالتبعية. قامت سارة صديقة الملكة المفضلة لسنوات بتلك المهمة، فكان بيدها السيطرة التامة على آن وعلى قراراتها، وترضخ لها آن على الناحية الأخرى بملء إرادتها، في سبيل ما تعطيها إياه سارة من آن لآخر من شعور بالاهتمام. وقد ظل الوضع على ما هو عليه طويلا، حتى دخلت أبيجل الصورة.

يؤسس الفيلم منذ المشهد الأول للعلاقة المريضة التي تجمع آن وسارة. فتقف سارة مشدودة القامة بشكل يوحي بالثقة والقوة بجوار آن المنكمشة. تخلع آن عنها تاجها بما يوحي بتجردها من القوة، وتنظر إلى سارة منتظرة ثناءها على خطابها الأخير، وهو ما تمنحها إياه سارة. لكن عندما تستغل آن طيبة سارة غير المعهودة كثيرا معها وتطلب منها طلبا آخر، ترفض سارة ببرود: "أنا أحبك لكنني لن أفعل هذا". ترد آن: "لو أنك تحبينني لفعلتِ ما أريد". وهو ما تجيب عنه سارة: "للحب حدود"، وترد آن: "لا يجب ذلك".[2]


يُلقي ذلك الحوار البسيط الضوء على ما يجمع بين آن وسارة، وعن الحب في سينما لانثيموس بشكل عام. سارة هي النقيض التام لآن، تمتلك كل ما تفتقده تلك الأخيرة من جمال وثقة وقوة، ولا تُفوّت فرصة دون بلورة قوتها تلك مقابل ضعف الأخرى. هي تعرف تماما أن آن منجذبة إليها بسبب قدرتها الفائقة على السيطرة، ما يُعوّض شعور آن بالعجز، وإن وقعت هي نفسها فريسة لتلك السيطرة. وسط كل هذا، لا يصير الحب أكثر من غطاء، كلمة حُلوة الوقع تختبئ وراءها ألاعيب قوى معقدة وقذرة، تظهر للسطح فقط كحيلة من أحد الأطراف في محاولة السيطرة.

إن كانت آن ظاهريا الطرف الضعيف والمنسحق في تلك العلاقة بسبب شخصيتها، فإن ما تملكه من منصب ذي صلاحيات لا حدود لها يعوض ضعفها، ويوازن ميزان القوة في علاقتها مع سارة. هكذا، تبقى الاثنتان مربوطتان ببعضهما بعضا كون كل واحدة تمتلك ما تريده الأخرى: آن تمد سارة بالسلطة، وسارة تمد آن بالثقة والاهتمام، ووجودها يمنحها إحساسا بالقوة. يبقى الوضع مستقرا عندما تعطي كل واحدة الأخرى ما تريده منها؛ لكن عندما تضطرب أحوال البلاد نتيجة الحرب على فرنسا فتنصرف سارة عن اهتمامها بآن محاولة السيطرة على الوضع في سبيل مصلحتها وزوجها، وتأتي أبيجل في الوقت نفسه للمعادلة طامعة في الحصول على نصيبها من المنافع في مقابل تقديمها قدرا أكبر من الحب والاهتمام للملكة، يختل التوازن في علاقة آن وسارة بضراوة.

يؤسس ظهور أبيجل الأول في الفيلم بشكل مُوحٍ لها. فهي تأتي للقصر الملكي في عربة حقيرة مرتدية ملابس رثة، يدفعها أحد رُكّاب العربة عند الوصول، فتقع على وجهها ويلطخها الطين. تلك امرأة تسير من الحضيض، ما يجعلها على استعداد أن تفعل أي شيء لئلا تعود إليه مرة أخرى. يكتسب الفوز برضى الملكة وحبها من ثم أهمية وجودية بالنسبة إليها. تخبئ أبيجل ذكاءها ومكرها تحت ابتسامة بريئة ووجه تظهر عليه الطيبة، وهو ما يجعلها، بالإضافة إلى وضعها الدنيء في بادئ الأمر كمحض خادمة في القصر، شخصا يبدو أنه لا يُمثّل أي تهديد على أي أحد؛ ومن ثم، تكتسب ثقة سارة التي ستكتشف ما تتحلى به أبيجل من مكر يضاهيها فقط بعد فوات الأوان. منذ تلك اللحظة، تنطلق ألاعيب كل منهما القاسية في سبيل إقصاء الأخرى، والاستئثار وحدها بالسيطرة على آن.


تُشكّل تلك الألاعيب بين مثلث القوى المتمثل في آن وسارة وأبيجل نقطة القوة الأساسية للحبكة. وتعضّد الأداءات المتمكنة لكل من أوليفيا كولمان ورايشتل وايز وإيما ستون تلك القوة، وتجسد ما تنطوي عليه الشخصيات من دوافع داخلية تحرك صراعاتها الخارجية وتطورها.

ربما أصعب تلك الأداءات كان أداء كولمان، حيث تنطوي الشخصية التي تلعبها على كثير من التناقضات. فبينما تلجأ آن كثيرا للبكاء والصراخ بشكل يعكس ما تشعر به من عجز نتيجة لمرضها وضعف شخصيتها، تظل رغم كل هذا على وعي تام بما تملكه من سُلطة وإن كانت لا تعرف كيف تستخدمها أغلب الوقت، لكنها لا تتردد قبل التلويح بتلك السلطة في وجه من لا ينفذون لها ما تريد. ويعطي السيناريو لها بُعدا عاطفيا يفسر هشاشتها النفسية وضعفها أمام أي من يوهمها أنه يحبها، فنعرف أنها كانت حبلى سبع عشرة مرة ولم يسفر أي حمل عن جنين مكتمل، وأن زوجها مات قبل ذلك بعدة سنوات، ما يصيبها بوحدة شديدة ويجعلها تصرخ في أحد المشاهد: "الجميع يرحلون ويتركونني". [3]

وشخصية أبيجل أيضا احتوى أداؤها على صعوبة ليست قليلة. فكان على ستون لكي تنجح في تجسيدها أن تحتفظ بتعابير تُوحي بالبراءة والطيبة، على أن تُظهر في الوقت نفسه أن تلك البراءة ليست سوى قناع يرتفع من آن لآخر لنرى ما تتحلّى به من مكر وقوة.


وقد احتفظ الطابع البصري في الفيلم في كل هذا على إيحاء الغرابة الذي يميز أفلام لانثيموس. فقد تم تصوير الكثير من المشاهد بعدسة عين السمكة (fish eye lens)، التي تقعِّر أطراف الصورة وتحرفها، ما يعطيها شكلا غير واقعي. كما استخدم لانثيموس الزاوية المنخفضة ليؤطّر شخصياته في العديد من المشاهد، ما أضفى عليهم إيحاء موترا ومخيفا.

لقي فيلم "المفضلة" حفاوة نقدية كبيرة، ففاز بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان فينيسيا في شهر أغسطس/آب الماضي، بالإضافة إلى ترشّحه لعشر جوائز أوسكار جاء أغلبها في أهم الفئات؛ فترشّحت أوليفيا كولمان لجائزة أفضل ممثلة في دور رئيسي، ورايشتل وايز وإيما ستون لجائزة أفضل ممثلة في دور ثانوي، ويورجوس لانثيموس لجائزة أفضل مخرج، وترشّح الفيلم أيضا لجائزة أفضل فيلم، ما يجعله أكثر الأفلام ترشّحا لجوائز الأوسكار عن عام 2018 مع فيلم "روما" لألفونسو كوارون مناصفة. [4]

آخر الأخبار