انضم إلينا
اغلاق
اغتصاب وقتل وعنف.. الأصول الحقيقية لقصص الطفولة التي نشأنا عليها

اغتصاب وقتل وعنف.. الأصول الحقيقية لقصص الطفولة التي نشأنا عليها

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض

كان يا مكان، في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان.. "

 

قبل النوم في كل ليلة، كانت تلك الكلمات هي المفتاح السحري الذي تُدخلنا عبره الأصوات الدافئة لأمهاتنا وجدّاتنا لعوالم الأسطورة والخيال. حيث الأميرات الجميلات في قلاع بعيدة، والفُرسان الوُسَماء يجولون في الغابات، والأطفال الشجعان يخوضون مغامرات مع وحوش مرعبة وغيلان خطيرة وينتصرون عليها. نشأنا على تلك القصص، وشكّلت جزءا مهما من طفولتنا وذاكرتنا الجمعية، فيبدو كما لو أنها خيط يربطنا بشيء مشترك بيننا جميعا، سابق علينا، وسيبقى بعدنا.

 

لكن الكثير من تلك القصص في نسخته الأصلية لم يكن حالما تماما، ولم ينتهِ نهاية سعيدة حقا، بل امتلأ بتفاصيل دموية مرعبة، وخيّمت على بعضه أجواء كئيبة للغاية. سنستعرض هنا بعضا من تلك القصص الشهيرة، في نسختها الأصلية، قبل أن يجعلها التعديل والتغيير ألطف كثيرا مما كانت عليه.

 

ذات الرداء الأحمر

لم تكن نهاية "ذات الرداء الأحمر" سعيدة تماما. فالفتاة الصغيرة التي ترتدي دائما رداء أحمر عندما ذهبت لبيت جدتها في الغابة ذات يوم، لم ينقذها أحد، وانتهت كوجبة لذيذة للذئب الجائع، أو هكذا تسير القصة في نسخة تشارل بيرو.  في تلك النسخة، يسبق الذئب ذات الرداء الأحمر لبيت جدتها ويباشر التهامها، وبعدها، يرتدي ثيابها ويقبع في السرير منتظرا الصغيرة أن تأتي. حتى تلك النقطة، تشبه القصة تلك التي اعتدنا عليها، لكن عندما تصل ذات الرداء الأحمر للبيت، يحدث شيء غريب. يأمر الذئب الفتاة أن تخلع ثيابها عنها وتشاركه الفراش. عارية، تدخل الفتاة للسرير حيث يلتهمها الذئب.

   

   

تُلقي تلك التفصيلة الضوء على أحد المعاني الرمزية التي حملتها القصة في زمن بيرو. فبالإضافة إلى القيمة الأخلاقية المعتادة المُستخلَصة من القصة من ضرورة عدم الحديث إلى الغُرباء وطاعة الأبوين، هنالك قيمة أخرى موجهة خصيصا للفتيات اليافعات. فالذئب هنا ليس ذئبا فعليا، بل رمز للشباب سيئ النيّة الذي يود التلاعب بالفتيات. يُعضّد هذا المعنى الفقرة التي اختتم بها بيرو القصة حيث كتب: "الأطفال، وبصفة خاصة الفتيات الجميلات، لا يجب أن يتحدثوا أبدا مع الغرباء، حتى لا يصيروا وجبة للذئاب. أقول "ذئب"، لكن هنالك أنواع مختلفة من الذئاب. يوجد ذئاب ساحرة، هادئة، لطيفة، يتبعون الفتيات اليافعات في البيوت والشوارع. وللأسف، فتلك الذئاب اللطيفة هي الأخطر على الإطلاق". [1]ويلتقي ذلك المعنى أيضا مع التعبير الفرنسي الشائع في تلك الفترة عن الفتاة التي فقدت عذريتها بلا زواج، فكان يقال عنها: "لقد رأت الذئب". [2]

  

الجميلة النائمة

تعود أولى النسخ المكتوبة من قصة الجميلة النائمة للقرن السابع عشر، حيث ضمها كتاب "بينتاميرون" الإيطالي تحت اسم "الشمس والقمر وتاليا". ومن تلك النسخة، كان أن أخذ شارل بيرو والأخوان جريم قصصهما على السواء، مغيرين الكثير من التفاصيل عن القصة الإيطالية.  يسير السرد في النصف الأول من القصة الأصلية بلا اختلافات كثيرة عن النسخ اللاحقة، لكن في النصف الثاني، تأخذ الأحداث منحى آخر تماما. فأثناء نوم تاليا، اسم الجميلة النائمة هنا، لا يمر بجانبها مصادفة أمير، بل ملك، وعندما يراها ويُذهل لجمالها، لا يطبع فوق شفتيها قبلة رقيقة كما اعتدنا، بل يقوم باغتصابها. لا تستيقظ الأميرة النائمة أثناء ذلك، ولا حتى خلال حملها وولادتها لتوءم جرّاء ما حدث، بل عندما يمص أحد رضيعيها الإصبع الذي جرحته عجلة المغزل، ويمص معه السُّم الذي بعثها للنوم كل تلك السنين.

   

يعود الملك الذي ظل يحلم بتاليا وولديه مرة أخرى إليهم، ويفكر في أخذهم لقصره، لكن هنالك عقبة وحيدة تحول دون هذا: الملك في الواقع متزوج. لكن هذا لا يثنيه عمّا اعتزم عليه، فيصحب تاليا وولديه منها، شمس وقمر، إلى مملكته. وكما هو متوقع، لا تستقبل زوجته النبأ بأفضل طريقة. فتقوم الزوجة باختطاف شمس وقمر، وتعطيهما للطباخ حتى يذبحهما ويقوم بطهوهما حتى يتناولهما الملك على الغداء. لكن الطباخ طيب القلب يرقّ للولدين، فيخفيهما عنها ويقوم بذبح زوج من الخرفان بدلا منهما ويقدمهما للملك.

 

أمّا للانتقام من تاليا، فتُحضر لها الزوجة قِدرا كبيرا مملوءا بالأفاعي والسموم لتغرق فيه. لكن صراخ تاليا يصل للملك ويأتي لإنقاذها، وعندما تكشف له الزوجة أنها قامت بإطعامه ولديه، تثور ثائرته ويأمر بإحضار الطباخ ليرميه في القِدر. حينها، يخبره الطباخ أن ولديه في أمان. وكعقاب لها، يُلقي الملك زوجته في [3]القِدر ويتزوج بعدها من تاليا، حيث يعيش في قصره برفقتها ورفقة ولديه حياة سعيدة.

   

   

غيّرت نسخة تشارل بيرو الكثير من التفاصيل عن تلك النسخة. فقام بحذف واقعة الاغتصاب، وكون الملك -في نسخة بيرو يصبح أميرا- متزوجا. وبدلا من كون زوجة الملك هي الشرير الأساسي في النصف الثاني من القصة، بدلها بأم الأمير، والتي جعلها في نسخته غولة، ذلك ليفسر واقعة التهام الأطفال التي ستأتي لاحقا.  أما الأخوان جريم، فقد آثرا التخلص من النصف الثاني من القصة كُليا، وحوّلا نهاية النصف الأول من القصة من الاغتصاب لقبلة رقيقة. وقد كانت تلك النسخة، الألطف بما لا يقارن من كل النسخ السابقة والأكثر مُلاءمة للأطفال، هي التي كُتِب لها الشهرة والانتشار، وهي أيضا التي حوّلها والت ديزني لاحقا [4]لفيلمه الشهير "الجميلة النائمة".

 

عروس البحر الصغيرة

ربما لا يوجد في قصص الأطفال قصة أكثر حزنا من قصة عروس البحر. فالقصة كما خطها الكاتب الهولندي هانز كريستان أندرسن في القرن التاسع عشر تبتعد ونهايتها كثيرا عن تلك التي رأيناها في فيلم ديزني الشهير ذي النهاية السعيدة. حتى تلك النقطة التي تذهب فيها عروس البحر الصغيرة من أعماق المحيط لسطحه وتقع عيناها على الأمير لتقع في حبه وتنقذه من العاصفة، لا تختلف القصتان في الخطوط العريضة بشكل كبير. لكن بعد ذلك المشهد، يذهب كل منهما في طرق متباعدة، وتسلك نسخة أندرسن الأصلية الطريق الأكثر حُزنا.

 

فعروس البحر التي ما عادت تطيق حياة الماء والسباحة فيه بذيل سمكة في الوقت الذي يسير فيه من تحب فوق سطح الأرض على قدمين، تذهب لساحرة قاع المحيط لتجعل لها ساقين وهيئة كالبشر، فيتسنى لها أن تقترب أكثر من الأمير، وتجعله يحبها كما تحبه هي. لكن الساحرة كي تجيب طلبها، تطلب ثمنا باهظا للغاية: صوت عروس البحر الأجمل في الأراضي والمحيطات. فكي يعمل الشراب السحري الذي سيعطيها قدمين، يجب أن تقطع الساحرة لسان عروس البحر وتضعه فيه. وهاتان القدمان لن تشعر فيهما قط أنها تسير كأي بشري بلا ألم، فكل خطوة تخطوها ستشعر معها كأنها تسير فوق نصال حادة تُقطّعها بلا دماء. وفوق كل هذا، فإن فشلت عروس البحر في جعل الأمير يحبها ويتخذها زوجة له، ستتحول لزبد يطفو فوق سطح الماء صبيحة زواجه من أخرى وتختفي تماما من الوجود؛ فتخسر حينها في آنٍ معا روح البشر التي تميزهم عن سائر المخلوقات وتعطيهم خلودا في ملكوت السماء، وحيوات كائنات البحر الطويلة التي تمتد لثلاثمئة عام.

 

في فيلم ديزني، كانت تلك اللحظة التي أنقذت فيها عروس البحر الأمير من الغرق ليفتح عينيه ويجدها أمامه الشيء الذي سهّل كثيرا من مهمتها عندما تحوّلت لبشرية وذهبت لسطح الأرض. أما في قصة أندرسن، كانت لحظة الإنقاذ هي أول خيط ينسج مأساة عروس البحر وفجيعتها؛ فالأمير لم يرها قط، وعندما فتح عينيه، أبصر فتاة أخرى ظنّها هي من أنقذته ووقع في حُبها. كما صعّب ضياع صوت عروس البحر الأمور عليها، فالأمير الذي اكتشفت فيما بعد أنه يطرب لصوت الغناء الجميل، لا يعلم أنها كانت تمتلك أجمل الأصوات وضحّت به من أجله. وبعد أن ضاع لسانها، ما عاد بإمكانها الحديث إليه والتواصل معه وإخباره بكل ما مرّت به من أجله، فتكتفي عيناها الحزينتان بالنظر إليه على أمل أن يفهمها.

   

   

حدث أكثر ما كانت تخشاه عروس البحر، سافر الأمير لبلاد مُجاورة ورأى أميرتها، وكانت هي الفتاة التي أبصرها أول ما فتح عينيه بعد الغرق وظنها من أنقذته. عزم الأمير على الزواج منها، وبعد انقضاء حفل الزفاف الذي جرى فوق سفينة فخمة، وقفت عروس البحر تتأمل المياه التي ستصير زبدا يطفو فوقها مع أول شعاع للشمس. وهو ما صار فعلا لجسدها؛ أما روحها، فأثابتها السماء على صبرها ونبل أمانيها، وحوّلتها لواحدة من فتيات الهواء، صارت كائنا أثيريا يطفو بين الكائنات ولا يراه أحد، يعيش ثلاثمئة عام، وبعمله الصالح، ستُمنَح روحه الخلود ويعيش في ملكوت الرب للأبد.

 

وكفتاة هواء، كان هذا أول ما فعلت: "رفعت عروس البحر الصغيرة ذراعيها الشفافتين إلى شمس الله في عليائها، ولأول مرة تذرف الدموع. وفي السفينة، عادت الحياة والحركة، فرأت الأمير وعروسه الرقيقة يبحثان عنها. كانا ينظران آسفين إلى الزبد المتبقبق، وهما يظنان أنها ألقت نفسها في البحر. وقبلت جبين العروس وهي غير مرئية وابتسمت للأمير، قبل أنا تصعد مع أطفال الأثير الآخرين إلى الهواء في السُحب [5]الوردية".

 

لماذا كل تلك الدموية؟

بالإضافة إلى تلك القصص الثلاث، توجد قصص كثيرة أخرى سمعناها ونحن صغار ولم نتخيل قط كونها تمتلك في الأصل تفاصيل بمثل تلك البشاعة. ففي بعض النسخ، من يقوم بنفي سنو وايت للغابة ويحاول قتلها غيرة من جمالها ليس زوجة أبيها، بل أمها. وبعد أن يحبها الأمير ويتزوجها، يعاقب زوجة أبيها -أو أمها- بجعلها ترقص في عرسهما وهي مرتدية حذاء حديديا مشتعلا حتى تخور قوتها وتموت. وفي سندريلا، تأمر زوجة الأب ابنتيها بقطع أصابع قدميهما أملا في أن يناسب هكذا الحذاء إحداهما. وبعد زواج سندريلا من الأمير، تعاقب الطيور الفتاتين على قسوتهما مع سندريلا فتفقأ عينيهما بالمناقير. ربما تجد نفسك تتساءل الآن سؤالا مشروعا للغاية، وهو: لماذا كل تلك الدموية؟

   

   

قد تكمن الإجابة عن هذا السؤال في كون تلك القصص تعود في الواقع لأزمنة موغلة في القدم. ففي دراسة نشرتها الجمعية الملكية للعلوم، يُرجع العلماء بعضا من القصص الشعبية المنتشرة بيننا اليوم لعصور ما قبل التاريخ، والكثير منها عمره يزيد على آلاف السنوات، ما يجعلها أقدم من بعض اللغات الحية التي [6]نتحدث بها اليوم.

 

وفي تلك الأزمنة القديمة، الكثير مما نراه الآن وحشيا ودمويا كان يحدث بشكل دائم ومعتاد. فالعقوبات التي كانت تُطبَّق على الخارجين عن القانون كان بينها: القتل عن طريق الدهس من الفيلة أو العض من عقارب وثعابين، السلخ حيًّا وإخراج الأحشاء، السلق في وعاء من الرصاص المُنصهر، الدفع من فوق قمة جبل، وبالطبع قطع الرأس وفصلها عن الجسد عبر المقصلة، ما كان وسيلة عقاب شائعة حتى الثورة الفرنسية. وفي ذلك السياق، لا يصبح كل ما نعتبره دمويا في القصص الشعبية منفصلا عن الواقع الذي أتى منه. وهنا، ونظرا للطبيعة المرنة للحكايات الشعبية التي تجعلها دائما عُرضة للتغيير كنتيجة طبيعية لتناقلها شفهيا عبر مختلف الأزمنة والثقافات، يصبح ذلك التعديل الذي أضفته العصور الحديثة على تلك القصص وأصّلته اقتباسات ديزني السينمائية في أذهاننا شيئا طبيعيا تماما، بل ومُرحَّبا به للغاية. فمن [7]يا تُرى كان ليحب أن ينشأ على قصة أكل فيها الذئب ذات الرداء الأحمر واغتصب الأمير الجميلة النائمة.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار