انضم إلينا
اغلاق
"12 Angry Men".. هل يستطيع البشر تطبيق العدالة؟

"12 Angry Men".. هل يستطيع البشر تطبيق العدالة؟

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

إذا ما نظرنا لأعمال المخرج الأميركي سيدني لوميت، فسنعجز عن إيجاد خط أو هاجس واحد يجمع بينها كلها، إذ لا تتشابه أفلامه سوى في أقل القليل. فلوميت، كما عبّر هو نفسه في كتابه "فن الإخراج السينمائي"، لا يطارد فكرة واحدة يكشف عن أوجه مختلفة لها في كل أعماله كما نجد عند مخرجين كثيرين، بل يبدأ الأمر عنده بنصٍّ يتفاعل معه، بفكرة يشغف بها كفاية حتى يُقرِّر تسخير كل أدواته السينمائية من أجل التعبير عنها. وقد وجد ما كان ينشده في نص "12 رجلا غاضبا" الذي كتبه ريجنالد روز قبلها بثلاثة أعوام للتلفاز، [1]ثم حوّله لوميت عام 1957 إلى فيلم سينمائي يظل حتى يومنا هذا ضمن أفضل ما أنتجته السينما الأميركية في تاريخها الطويل.

  

البحث عن العدالة

لا يزدحم زمن الفيلم القصير نسبيا بعشرات الأفكار، ولا يتتبّع عددا كبيرا من المواضيع؛ بل يبقى من البداية إلى النهاية يناقش التساؤل ذاته بعد تقليبه على مختلف أوجهه وتشريحه حتى الوصول لأعماقه. ذلك التساؤل هو: هل يستطيع البشر تطبيق العدالة بحياد كامل؟

 

لنناقش هذا السؤال بشكل أفضل، علينا أولا أن ننظر لمفهوم العدالة بتمثّله الفني الأبسط عبر التاريخ: منحوتة "سيدة العدالة". تلك المنحوتة التي وجدت فيها مختلف الحضارات شرقا وغربا التمثيل الأفضل للعدالة، امرأة معصوبة العينين تحمل ميزانا، تُعصب عينا المرأة حتى تتجرد من الرؤية وكل ما تجرّه تلك من انحيازات، وميزانها آلة صماء بلا مشاعر أو أهواء، لا تعرف سوى المفاصلة بين كفتين والترجيح أيهما أثقل. تلك هي العدالة كمفهوم مجرد، أما عندما تنزل لأرض الواقع وتُطَبَّق عبر القانون ومَن يقوم عليه من بشر، تختلف الصورة كثيرا، وهو ما يذهب إليه لوميت في "12 رجلا غاضبا".

    

  

يفتتح لوميت فيلمه بلقطة للمحكمة وأبهائها العالية بكل ما توحيه تلك من عَظَمة تُذكِّرنا بتمثال "سيدة العدالة". في اللقطة التالية مباشرة يدخل بنا لتلك المحكمة ونرى القائمين عليها محض بشر؛ بشر ثرثارون، نَزقون، تتحكم فيهم الأهواء، وتُعميهم الانحيازات. تصغر الصورة أكثر وأكثر، ومن قاعة المحكمة المزدحمة ننتقل لغرفة صغيرة بها هيئة مُحلّفين مكوّنة من 12 رجلا، وفتى مُتّهم بقتل أبيه، وقاضٍ. لن نرى القاضي أو المتهم ثانيةً، أما الـ 12 رجلا فسنقضي معهم ما تبقى من زمن الفيلم كاملا، ففي أيديهم وحدهم يقبع مصير الصبي، فإما النجاة وإما الموت.

 

انحيازات ومشاعر

عوضا عن عصابة العينين التي ترتديها سيدة العدالة، نجد رجالنا الاثني عشر بعيون مفتوحة على اتساعها، لكنها تعجز مع هذا عن رؤية الواقع بشكل مجرد. فبين الواقع وبين عيونهم تقف عدسات ملونة بتواريخهم الشخصية وانحيازاتهم وأهوائهم، عدسات إنسانية للغاية، كفيلة دون أي سوء نية من جانبهم أن تشوِّه الحقائق وتحول دون تنفيذ العدالة.

   

منذ اللحظة الأولى، بعد أن يُغلق باب الغرفة دون أولئك الرجال، يلفت لوميت نظرنا لهذا. لا يجلس أمامنا ملائكة منزهون لا يهمهم شيء في الوجود سوى أن يحصل كل شخص على حقه، بل بشر متسرعون لكل واحد منهم حياته الشخصية التي يود العودة إليها سريعا، فلا يقلبون الأدلة والشهادات على أوجهها ويكتفون من الأمور بظاهرها مسرعين بالحكم على الفتى بالموت. يظهر هذا جليا أكثر ما يظهر في شخصية المحلّف رقم 7، الذي لا يكف عن التلويح بموعد المباراة التي يود حضورها بعد بضع ساعات من الآن، فيوافق الأغلبية فقط ليتمكّن من الوصول للملعب على الموعد.

       

المحلّف رقم 7 (مواقع التواصل)

  

أقل أنانية ربما من هذا المحلّف، لكن ليس أقل تسرّعا ونزقا، نجد المحلف رقم 10. يعجز ذلك المحلّف عن رؤية الفتى المتهم المنتمي لأقلية عِرقية سوى عبر انحيازاته العنصرية. يرى الفتى مجرما في البداية لأن كل الأدلة ظاهريا تُشير لهذا، وعندما يبدأ المحلّف رقم 8 بزعزعة سطوة تلك الأدلة والتشكيك في صحتها بالحجة والمنطق، يرفض رقم 10 الاستماع، فذهنه مملوء على آخره بصورة منمطة عن الأقلية العِرقية التي ينتمي إليها الفتى، صورة تجعل منه مجرما بالضرورة.

 

أما المحلّف رقم 3، أكثر المحلّفين عنادا، فليس عنصريا ولا متسرعا كالآخرين، بل أسوأ؛ إنه يحكم على القضية بشكل شخصي تماما، ويفشل في الفصل بين ما حدث في حياته كأب هجره ابنه الشاب، وبين القضية المتهم فيها ابن بقتل أبيه. يُسْقِط هذا المحلّف حياته الشخصية على القضية، وتصير رغبته في إيقاع العقاب على الفتى الذي قتل أباه بشكل حرفي، إسقاط ذاتي لرغبته في معاقبة ابنه الذي قتله بشكل مجازي عندما هجره. تلك الرغبة المشتعلة في الانتقام لذاته، المدفوعة ولا بد من حب شديد خانه ابنه في اللحظة التي هجره فيها، تنأى بالمحلّف رقم ثلاثة بعيدا عن العدالة وما تطلبه من حيادية، وتجعله أقرب لسياف متعطش لإنزال العقاب على مَن يجلس في كرسي الإعدام.

 

أمام كل تلك الانحيازات البشرية، ما الحل الذي يطرحه الفيلميا تُرى؟ لا توجد قوى مفارقة هنا ستتدخل في اللحظة الحرجة وتُرسي العدالة. فكما أمال بعضهم كفة الميزان ناحية كون الفتى مذنبا، سيأتي بعضهم الآخر ليميل الكفة للناحية الأخرى؛ ليس لأنهم أكثر حكمة أو ارتقاء عن النفس البشرية وما تنطوي عليه من خصال تنأى بها عن الحيادية، بل لأنه عوضا عن الانحياز للأهواء، يحرك أولئك خصلة بشرية أخرى مختلفة؛ إنها القدرة على التعاطف.

   

المحلّف رقم 8 (مواقع التواصل)

     

من تلك القدرة على التعاطف، ينبثق دافع المحلّف رقم 8 في البحث أكثر وراء شهادات الشهود وأدلة الجُرم. فعوضا عن المحلّفين الآخرين الذين نجدهم إما غير مكترثين لحياة الفتى ومصيره ويعاملون الأمر برمته ببرود، وإما منحازون ضده ويرونه محض "آخر" -من أقلية عِرقية مختلفة- أو ابنا عاقا يستحق العقاب، يضع المحلّف رقم 8 نفسه مكان الفتى، ويتساءل ويسأل الآخرين من حوله: لو أنك أنت مَن تجلس على كرسي الاتهام على بُعد خطوات من الموت، ومصيرك بأكمله يقع في يد 12 رجلا، أما كنت لتريد منهم أن يتريثوا في إطلاق الحكم عليك، وأن ينظروا بتمعن لكل الأدلة والشهادات؟

  

يقف المحلّف رقم 8 وحيدا في وجه 11 رجلا حكموا بكون الفتى مذنبا، لكنه لا ييأس، فوقوفه ضدهم هو وحده ما حال بين الفتى وبين الموت بعد دقائق من التصويت الذي جاءت أغلبيته الساحقة ضده. وسرعان ما يجد ذلك التعاطف صدى في قلب رجل آخر، يقف معه ويزرعان بذرة التمرد في قلب القاعة.

  

يأخذ المعارضون موقفا ليس ببعيد عن زملائهم الذين يرون الفتى مذنبا؛ هم أيضا يحكمون على الأمر على ضوء تجربتهم الحياتية الشخصية. يرى المحلّف رقم 9 الطاعن في السن إمكانية كون جار الفتى العجوز الذي ادّعى أنه رآه يفر بعد أن قتل والده قد اختلط عليه الأمر وتمادى في شهادته المُدِينة للفتى لما جلبته عليه من اهتمام. يعرف رقم 9 مرارة ذاك الشعور جيدا؛ أن تمر عليك السنون وتصير منسيا ووحيدا، ويعرف كيف قد يفعل المرء أي شيء ليتخلّص منه. ومن هنا، تُزرع بذرة الشك في شهادة العجوز، وبعد تمحيصها، يجد المحلّفون إمكانية حقيقية أن تكون غير دقيقة، أو في أسوأ الأحوال خاطئة. ولأن المحلّف رقم 5 عاش عمرا بأكمله في الأحياء العشوائية التي سكنها الفتى، وانخرط في ماضيه بالضرورة في عراكات مُسلَّحة، نجده يعرف جيدا صعوبة كون الفتى المتهم قصير القامة قد قتل أباه وهو ممسك السكين بزاوية منخفضة كما جاء في ملف القضية.

    

المحلف رقم 3 حاملا السكين (مواقع التواصل)

  

هكذا، من شيء إنساني تماما كالقدرة على التعاطف، تنقلب كفة الميزان من نقيض إلى نقيض، فالذين يحكمون هنا ليسوا ملائكة منزهين عن الأهواء والمشاعر، وليسوا آلهة يمكنها كشف أحجبة الماضي ورؤية الحقيقة، بل بشر عاجزون وجاهلون، تُعمي المشاعر بعضهم عن الرؤية، وتفتح في قلوب البعض الآخر بصيرة عميقة.

  

يُقدِّم لوميت هكذا نظرة متفائلة نوعا ما، فالعدالة بتمثّلها المنزّه عن كل مكروه لا وجود لها. لا يوجد سوى البشر الخطّائين البعيدين كل البعد عن الحكمة. لكن أولئك البشر على كل ما فيهم من عيوب، يصلون عبر اختلافاتهم للتوازن المنشود؛ فأمام التسرع والانحياز الذي يحكم به البعض على الأمور، نجد لدى البعض الآخر صدرا رحبا وسعة لا حدود لها على الصبر والتعاطف مع الآخرين. وعلى عاتق النوع الثاني، الذي مثّله هنا شخصية المحلّف رقم 8، تقع مسؤولية التغيير.

     

    

فن الإخراج السينمائي: كيف تجعل مكانا ثابتا يضيق؟

تجد كل تلك المعاني الموجودة في نص "12 رجلا غاضبا" المسرحي طريقها بانسيابية لشاشة السينما. فعلى الرغم من ضيق ومحدودية المكان، وازدحامه على آخره بعدد كبير من الشخصيات، يوظّف لوميت كل أدواته السينمائية لتُعبِّر عمّا يريد.

  

يمكننا تقسيم الفيلم إلى فصول ثلاثة، نلاحظ في كل فصل منها تغيير لوميت لزوايا كاميراه. في الفصل الأول، يلتقط مشاهده من زوايا مرتفعة، والزوايا المرتفعة في السينما تُعبِّر عن قلة حيلة موضوعها، ما يناسب تماما الفصل الأول من الفيلم حيث نرى 12 رجلا موهومين أنهم يُطبِّقون العدالة، بينما هم يبعثون بشخص لا يوجد ما يُثبت تماما إدانته للموت. بمرور الأحداث، تأخذ زاوية الكاميرا في الانخفاض تدريجيا، حتى نجد وجوه الشخصيات وأجسادها تُسيطر على الكادر كليا. أخذ الوهم في التساقط، وترك الرجال تسرّعهم ونزقهم، ليفحصوا القضية بتمعّن أكبر، ويسيطروا على زمام الأمور. وكان لاستخدام لوميت لعدسات يضيق مداها على مدار الأحداث هدف درامي آخر: الإيحاء بالضيق الخانق للمكان، ما يسهم في زيادة حدة التوتر بتقدم الأحداث.

   

يقول لوميت عن هذا في كتابه "فن الإخراج السينمائي": "مع تكشّف أحداث الفيلم، أردت أن تصبح الغرفة أكثر ضيقا باستمرار، كان هذا يعني انتقالي التدريجي إلى عدسات أطول مع استمرار الفيلم. بهذه الطريقة، ومع اقتراب النهاية، بدأ سقف الغرفة في الظهور. لم تكن الجدران فقط ما تُطبق على الشخصيات، بل السقف أيضا. وإحساس ضيق المكان المتزايد أسهم بالكثير في زيادة التوتر في الجزء الأخير من الفيلم. أما في اللقطة الأخيرة، حيث يغادر رجال هيئة المحلّفين المحكمة، استخدمت عدسة واسعة الزاوية، أوسع من العدسات التي استخدمتها في الفيلم كله، ورفعت الكاميرا إلى أعلى مكان فوق مستوى سطح العين. كان الهدف من هذا إعطاءنا جميعا مزيدا من الهواء بالمعنى الحرفي للكلمة، لكي نتنفس بعد ساعتين من الحصار المتزايد".[2]

تقارير متصدرة


آخر الأخبار