انضم إلينا
اغلاق
حين تخترقنا الغرفة المظلمة.. هكذا يمكن للسينما أن تعالجنا نفسيا

حين تخترقنا الغرفة المظلمة.. هكذا يمكن للسينما أن تعالجنا نفسيا

آية طنطاوي

كاتبة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

  

 "هل تريد أن تعرف ما الذي يحل بجسدك وعواطفك وعقلك أثناء مشاهدة الأفلام؟ هل ترغب في فهم ما يدور في عقلك عندما يتم تحفيزه بصريا بالأفلام ودعوته لأفكار غريبة كغزو عالم جديد؟ هل تشعر بالوحدة وتريد أن تناقش وتشارك أفكارك ومشاعرك بعد مشاهدة فيلم ما؟ إذا كانت إجابتك نعم فالحل عندنا، كل يوم سبت في الساعة 6:30 مساء نتمتع معا بليلة علاج السينما.. تعال وشاهد معنا الأفلام"[1].

    

تمهّلوا! كان هذا مقتطفا من إعلان فعالية أسبوعية تُنظِّمها شركة "D and G company" بمقاطعة شاويانغ الصينية تساعد الجمهور على تحفيز حواسهم وتحسين خيالهم والتنفيس عن مشاعرهم واستيعابها بممارسة فعل عادي للغاية، بمشاهدة الأفلام. ربما نسأل أنفسنا لماذا نحب الذهاب إلى السينما ومشاهدة الأفلام؟ هل تسيطر على مشاعرنا حقا؟ ولماذا نُفتِّش فيها على مشاعر بعينها (حب، غضب، ضحك، رعب)؟ لأنها ببساطة تستهدف إثارة مشاعرنا وتنجح في الأمر، ولكن كيف؟

   

(صورة من فعالية cinema therapy) (مواقع التواصل)

    

غيمة من المشاعر

لم ترغب في الإفصاح عن هويتها، تحدثت "س.ع" مع "ميدان" وتتداعى في ذاكرتها تجربتها الأولى في الذهاب إلى السينما، تقول: "كنت أشاهد أنا وإخوتي الصغار الأفلام دائما، نجتمع معا في غرفة المعيشة أمام شاشة التلفاز لنمارس طقسنا الحميم، ما زلت أذكر ضحكاتنا وارتعاشات أجسادنا في سهرات أفلام الرعب، كان التلفاز نافذتنا الكبرى لنرى العالم خلف حدود عالمنا الصغير لكننا لم نذهب يوما إلى السينما، عندنا في خان يونس لا توجد سينما". بعد أن تركت فلسطين وانتقلت "س.ع" للعيش في القاهرة من أجل الدراسة، طلبت من أصدقائها أن تفعل شيئا طالما تخيلته وحلمت به: "أريد أن أذهب إلى السينما وبيدي صحن كبير من الفيشار". ابتسمت "س.ع" شجنا وهي تستدعي مشاعر الدقائق الأولى في قاعة السينما: "خفق قلبي بشدة، وشعرت أن تلك الشاشة الكبيرة تبتلعني في الظلام، وأنا مكبلة في مقعدي وعقلي يسبح في غيمة كبيرة من المشاعر التي تتراقص في جسدي دون توقف، مزيج من البهجة والنشوة والتوتر كأن الشاشة تسيطر على عقلي وتطير به بعيدا". هنا سرحت قليلا، فكرت في كل ما سبق، وسألت نفسي: هل غيمة المشاعر التي سيطرت على "س.ع" محض صورة بلاغية منها؟ أم أنها حقيقة فعلا؟

    

قديما وصف أرسطو التراجيديا بأنها تُثير بداخلنا عاطفتي الخوف والشفقة، وأن الدراما لا تُحصر في الأفعال والأحداث فحسب، لكنها تتشكَّل من مجموع الدوافع والمشاعر الذاتية التي تكمن وراء الفعل الدرامي، فأصبحت الدراما في المسرح والفن القصصي مرتبطين بإثارة شيء من المشاعر بداخلنا[2]، إلى أن جاءت السينما لتتلاعب بالصورة والصوت وتطوِّر عملية الاستيعاب والإغواء الشعوري من خلال أنواع سينمائية متعددة، فالميلودراما مثلا تنطوي على حبكات درامية تجعل الشر يطارد الطيبين طيلة الوقت ومن ثم تُثير مشاعر الشفقة بداخل المتفرج، والكوميديا تستدعي حالة الضحك والشعور بالمتعة والسعادة. إذا استطاع صانع الفيلم أن يُحرِّك ويستقطب الطاقة الشعورية للجمهور تجاه فيلمه فهذه بالتأكيد علامة نجاحه سينمائيا، لأن المشاهد -بمنتهى العفوية- سينسى أنه يُشاهد فيلما ويغوص داخل مشاعره[3].

    

يستنبط مجال الحوسبة الفعالة (Affective computing) تدفق المشاعر الإنسانية المتباينة بإجراء اختبارات عملية على فئات عمرية مختلفة عبر قياسات متخصصة تعتمد بالأساس على عرض مقاطع سينمائية على الشخص الخاضع للاختبار، والهدف إثارة مشاعره وقياسها عبر المقاطع الفيلمية التي تحمل خمسة مشاعر رئيسة: (التسلية، الحزن، الغضب، الاشمئزاز، والخوف)، ثم تخلص نتائج الاختبارات إلى مدى العلاقة بين التصنيف العمري للخاضعين للاختبار وبين اختيار مقاطع فيلمية معينة تستثير مشاعر بعينها، وتأثير الحس العاطفي على الفئات العمرية المتباينة.[4] مثل هذه الاختبارات تُفيد صُنّاع الأفلام وشركات الإنتاج في فهم طبيعة الجمهور الذي يخاطبونه ويتماسّون مع مشاعره في منتجهم السينمائي، في واحد من تلك الاختبارات أشارت النتائج إلى أن الأفلام المفعمة بالغضب تُثير الشباب من 18 إلى 35 سنة، بينما تُسيطر مشاعر الحزن على الفئة العمرية من 36 إلى 50 سنة[5].

  

الناقد الأميركي روجر إيبرت في قاعة عرض سينمائي (مواقع التواصل)

     

"ينشأ الشعور بالتشويق أثناء مشاهدة العديد من الأفلام، وهو ينطوي، شأنه شأن الرعب، على الخوف. ولكي يُصنَّف فيلم ما ضمن فئة أفلام التشويق فلا بد له أن يحافظ على شعور جارف بالقلق تجاه ما سوف يحدث؛ فأفلام التشويق تتضمن عادة توجها للمستقبل، فهي تضع المستقبل محل شك كبير، وتدفع الجمهور إلى اختبار مشاعر الهلع والترقب لفترة زمنية ممتدة"

(عالم النفس الأميركي سكيب داين يونج)

    

العلاج بالسينما

يخبرنا علم النفس المعرفي أن عقولنا أثناء مشاهدة الأفلام تعمل بنشاط كبير تنشط معه حواسنا، وعلى مستوى أعمق يتماس فعل المشاهدة مع أعمق مساحات خفية بداخل مشاعرنا التي لا نُظهرها على السطح، لهذا أصبحت الأفلام تُستخدم في العلاج النفسي، لأن الأفلام بحسب سكيب يونج "تُتيح للمشاهدين عقد صِلات مجازية بين محتوى الفيلم وعالم الواقع". ومهارة الطبيب النفسي أن يُساعد المريض في عقد تلك الصِّلات، الأمر أشبه بتقديم طبق من المشاعر أمام المريض وعليه أن يتواصل معها لمعرفة الصلة التي يربطها عقله وحواسه بتلك المشاعر، فلا تُعرِّضه للحزن أو للألم المباشر، فقط تُعرِّضه لها عن بُعد لتتماس مع دواخله فتنفتح أبوابه السرية المؤصدة. يروي سكيب يونج قصة طبيب نفسي لم يتمكن من الحديث مع مريضه المراهق إلا بعد أن عرض له واحدا من أفلامه المفضلة ثم جلسوا معا يتناقشون في الفيلم، ببساطة استدعى الفيلم مشاعر الراحة والطمأنينة بداخل المريض مما أتاح لطبيبه التواصل معه عبر مساحة آمنة للتواصل والتأمل والفهم الذاتي[6].

  

حاور "ميدان" الطبيب النفسي أحمد عزت، تناقشنا معه في منهجية العلاج بالسينما وسألناه عن رأيه كطبيب في جدوى السينما في الطب النفسي، يقول د. أحمد: "إنه علاج تكميلي وليس أساسيا مثل العلاج بالفن أو الرسم أو الموسيقى"، ثم استطرد في تبسيط ماهية العلاج بالسينما موضحا أنه يُستخدم على الأغلب في علاج حالات الإدمان والاكتئاب، يقول: "يجلس الطبيب مع مريضه، يحاوره ويصل معه إلى جذور مشكلته والظلال القديمة التي تسببت في مرضه النفسي، ثم يقترح عليه مشاهدة أفلام معينة تخاطبه وتتماس معه على المستوى النفسي والشعوري، فمثلا إذا كان المريض مدمنا فيقترح عليه طبيبه مشاهدة فيلم يمر فيه البطل بمرحلة التعافي، وفي حالات مرض الاكتئاب قد تُستخدم الأفلام لأغراض تنفيسية تستخرج مشاعر المريض كالحزن والبكاء، البكاء هنا يساعد في طرد شعور المريض بالألم. بعد المشاهدة يعود الطبيب ليبدأ نقاشا مع مريضه عن المشاعر التي لمسته داخليا، هنا تُفتح نافذة صغيرة تكشف جزءا سريا وخاملا من مشاعر المريض تساعد الطبيب في فهم المريض وديناميكيته النفسية".

   

على مستوى آخر يستخدم بعض الأشخاص الأفلام بهدف "التحكم في المشاعر"، كأن يلجأوا إلى مشاهدة أفلام مسلية أو كوميدية في حالات التوتر الشديد، أو ربط مشاهدة الأفلام بتناول الطعام أو الجلوس على أريكة الاسترخاء، أو مشاهدة الأفلام من أجل التغلب على الشعور بالوحدة، كلها أمور تربط الحالات المزاجية المختلفة بفعل مشاهدة الأفلام، بل أفلام محددة شاهدناها من قبل من أجل استحضار مشاعر معينة في أوقات معينة، وما يعزز متعة الأفلام هو متعة أن يكون الإنسان مراقبا ومتفرجا على العالم حتى لو كان متخيلا[7].

     

المشاهدة فعل وتأثير

   

يُحلِّل الكاتب والمخرج الفرنسي "جي دوبور" سلوك المجتمعات المعاصرة في كتابه "مجتمع الاستعراض" ويخلُص إلى أن المشاهدة ليست مجموعة من الصور، بل علاقة اجتماعية بين أشخاص تتوسط فيها الصور. لا يقصد دوبور مشاهدة الأفلام بالتحديد بقدر الحديث بشكل عام عن المشاهدة كفعل له علاقة أصيلة بأنفسنا وبالحياة من حولنا . تُقدِّم الحياة في المجتمعات الحديثة نفسها باعتبارها تراكما ضخما من المشاهدات، فأصبح كل ما يمكن لمسه في الحياة الطبيعية يتحول إلى تمثيل وتمثّل يمكننا ببساطة أن نشاهده عبر وسيط، وهو أمر أصبح معتادا وأسهل من مشاهدة الحياة نفسها[8]، كأن تشاهد فيديوهات عن الثورات، أفلاما عن الحروب، مقتطفات فيلمية لأشخاص يسيرون في الشوارع أو أطفال يلعبون في الحدائق، تشاهد كل العالم عبر الصورة بدلا من رؤيته على أرض الواقع. يتحدث دوبور عن تورطنا في فعل المشاهدة، لكن الأمر يقودنا إلى مساحة أكثر خصوصية وهي علاقة ذواتنا بفعل المشاهدة الذي يجذب اهتمامنا كي نصبح في بؤرة النظر والرؤية، نصبح ناظرا/منظورا، رائيا/مرئيا، وهو ما يقودنا إلى تساؤل؛ ما الأثر الذي يتركه فينا فعل المشاهدة؟

    

الأفلام القديمة لا تُخيِّب آمالنا

  

سافر شخص يُدعى نيلسون في رحلة سياحية إلى فلورنسا وإيطاليا واضعا خطة محددة لهذه الرحلة، سيزور أماكن بعينها في أوقات محددة ولن يخطو ميلا واحدا أبعد مما خطط له، والسبب أن نيلسون يُعيد تفاصيل رحلة قضاها مع زوجته وأبنائه من أربعين سنة ماضية، فقد نيلسون أسرته وأصبح وحيدا، فقرر أن إعادة تفاصيل هذه الرحلة أشبه بالحج، رحلة عاطفية هدفها إعادة ملء بنك ذكريات ومشاعر الماضي بتكرارها في الحاضر. لكن ما علاقة رحلة نيلسون تلك بحديثنا عن السينما؟[9]

   

يفكر الكاتب ديريك تومسون في ذكريات طفولته ويُعيد النبش في صور الماضي، الأفلام التي يحفظها عن ظهر قلب ويُعيد مشاهدتها حتى هذا اليوم دون ملل، ثم يتساءل برغبة في البحث والتنقيب: "ما الذي يدفعنا إلى استهلاك أوقاتنا في مشاهدة الأفلام ذاتها مرارا وتكرارا؟"[10]. في واحدة من أوراقهما البحثية يتتبع كريستيل روسل وسيدني ليفي جذور إعادة استهلاك المواد الترفيهية (re-consumption)، ثم ربطا حكاية نيلسون بعادة استهلاكنا لمشاهدة الأفلام نفسها طيلة الوقت، ويفترضان أن إعادة مشاهدة الأفلام القديمة أفضل من مغامرة مشاهدة أفلام جديدة نختبر فينا مشاعر جديدة قد تُخيِّب ظنوننا، في حين أن الأفلام القديمة تلك اختبرناها من قبل ونعرف جيدا ما الذي سنشعر به عندما تنتهي، وهو ما يمكننا تسميته التنظيم العاطفي[11] (emotional regulation).

    

إذا أعدنا النظر إلى الحالة السابقة سوف نستشعر العلاقة الحميمة بين المشاهد والسينما تماما كعلاقة نيلسون بذكرياته، يتعامل معها بشيء من الثقة والاشتياق وبالمزيد من العرفان والود، أنت تعرف تماما أن فيلما قديما لن يخذلك وسيُعيدك إلى نوستالجيا مشاعر قديمة هو أشبه بتذكر الحبيب الأول الذي اختبرت معه الحب وما زلت مُمتنًّا لأثره الخفيف الذي يزورك كطيف يحمل نسيم الماضي، فيتحوّل الأمر إلى إعادة استهلاك مشاعرك التي تُثيرها الأفلام، وهو أمر شديد الذاتية والحميمة.

    

التعاطف مع الشخصيات الخيالية

  

يمكن للأطباء النفسيين النظر إلى الكيفية التي يخلق بها الممثل مجموعة المشاعر المختلفة من أجل فهم الطبيعة البشرية بطريقة مختلفة، يتولّد الأمر من جذور الشخصية المتخيلة؛ "لماذا يفعل البطل تلك التصرفات؟ وما ماضيه الشخصي؟". التمثيل هو اختراع إنساني بحت، يرتدي الممثل قناع شخص آخر غيره، قناع متخيّل بالكلية لشخصية غير حقيقية لكنها تحمل صفات إنسانية تشبهنا بكل تناقضاتنا[12].

   

على مدار سنوات طويلة شاهدنا شخصية "الچوكر" العدو الأول لباتمان في العديد من الأفلام، لكننا لم نعرف على وجه الدقة مَن هو؟ ما منابت الشر التي تغذيه؟ وما جوهر دوافعه؟ إلى أن شاهدنا الفيلم الأخير "الچوكر" الذي لم يهتم بشيء سوى رسم ملامح شخصية الچوكر بكل ما يحمله من صفات وتعقيدات نفسية، تغيرت البوصلة وأثارت حياته الموحشة مشاعرنا، فتعاطفنا معه كأنه شخص حقيقي يسير بجوارنا في الأزقة والطرقات الوعرة، وتحولت المشاعر الغاضبة تجاهه إلى محبة مفرطة للشرير الأشهر في عالم دي سي الذي يخبرنا أنه لا عزاء لخير مطلق أو شر مطلق، فكلنا في عبث لا نهائي، مجرد ظلال تحوم في الشوارع وتبحث عن خلاص، وهو ما يتماس مع مشاعر المشاهد العادي الذي اختبر ثقل المدينة على كاهله، وضآلته في مجتمع يحوّله إلى صورة مشوشة ومريضة وغير مرئية. يستمع المشاهد إلى ضحكات الچوكر ويرى الحزن الكامن في تجاعيده فيدرك أن شيئا من مشاعره يمس بأصابع شخصية متخيلة في عالم خيالي.

     

في واحدة من مقالاته ذات الحس الساخر العفوي يكتب المخرج المصري محمد خان وصفة للطموح السينمائي المزمن، يقول فيها: "مشاهدة فيلم على الأقل كل 24 ساعة كمضاد حيوي للعلاج من هذا الداء والولع المنتشر داخل خلايا المخ". تبدو مزحة طريفة من خان، لكنها بشكل ما حقيقية للغاية، السينما داء يسري في الجسد ودواؤها هي السينما أيضا. جرعات مكثفة من الأفلام فتصبح كما يصف خان "طقسا من طقوس الحياة اليومية" تختبر معها في كل مرة مشاعر جديدة تسكن بداخلك لا يحركها سوى ظلال متحركة في قلب الظلام، هناك، على شاشة السينما.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار