انضم إلينا
اغلاق
"جدار الصوت".. هل استغل الفيلم وجع "السوريين"؟

"جدار الصوت".. هل استغل الفيلم وجع "السوريين"؟

آية طنطاوي

كاتبة
  • ض
  • ض

"تُعلّمك الحرب أشياء كثيرة؛ أولها أن تُرهف السمع وتنتبه لتُقدِّر الجهة التي يأتي منها إطلاق النيران، كأنما صار جسمك أذنا كبيرة فيها بوصلة تُحدّد الجهة المعينة بين الجهات الأربع، أو الخمس، لأن السماء غدت جهة يأتيك منها أيضا الهلاك"

(رضوى عاشور، رواية الطنطورية)

  

قبل ثلاثة عشر عاما من الآن، تلاشت النجوم من سماء لبنان، وسيطرت نيران القذائف المتبادلة بين "إسرائيل" وحزب الله على المشهد. استمرت الحرب ما يزيد على ثلاثين يوما، يطوف شبح الموت في الشوارع ليلا، ويقطن بيوتا لم تعد تسكنها الحياة، تركت الديار وحيدة يستوطنها الظلام ورائحة البارود. الصور معلّقة على الجدران، وبقايا مبعثرة هنا وهناك تخبر الموت أن الحياة كانت تسكن هنا قبل أن يختفي أثرها.

     

  

يعود بنا الفيلم اللبناني "جدار الصوت" -الحائز على ثلاث جوائز من أسبوع النقاد في مهرجان فينيسيا 2019- إلى زمن حرب تموز 2006 من خلال بطل الفيلم مروان الذي يقطع مسافة من بيروت إلى جنوب لبنان ليطمئن على أبيه ويأخذه معه إلى بيروت مرة أخرى بعيدا عن أجواء الحرب، هذه الرحلة التي تبدو قصيرة لن تستغرق الكثير من زمن الفيلم تخدعنا وتضع مروان في ورطة اللا عودة، لم يجد مروان أباه، وعندما يقرر الرجوع تُسرق سيارته أمام عينه ولم يقوَ على استردادها، ومن هنا يبدأ التصاعد الدرامي لأحداث الفيلم حيث يبقى مروان في بيت اثنين من أصدقاء أبيه، محاطين بالحرب ومسجونين داخل بيت جدرانه هي غطاء حمايتهم الوحيد.

    

نتوقّع أن نشاهد على مدار أحداث الفيلم مشاهد من الحرب بين اللبنانيين والإسرائيليين، لكننا لا نرى شيئا، بل نستمع إلى أصوات المروحيات والقذائف والرصاص الحي، ونرى الأبطال وقد سُجنوا في بيت تأويهم جدرانه التي لم تُهدم بعد، ومن فتحات صغيرة حفرها الرصاص الحي يراقبون السماء التي يضيق اتساعها وتتبدّل زُرقتها إلى رماد. يعتمد السيناريو في أفلام الحروب على مشاهد المعارك والمطاردات والدماء التي تسيل كالنهر، لكن "جدار الصوت" لا يُطلعنا على ساحة الحرب ولا العدو الإسرائيلي، لكنه يؤلمنا ويحاصرنا بالصوت، أن تجلس في قاعة السينما وتحيط بك أصوات القذائف كأنك محاصر بالفعل، أن تنتفض رعبا مع كل اقتراب لأصوات المروحيات، أن تشعر بصوت الرصاص الحي كأنه يخترق جدران قاعة السينما، حينها فقط نعرف أن ذاكرتنا عندما تستدعي الحرب فهي تستدعي صوت الحرب، والخوف الساري في أجسادنا.

       

      

"الفيلم هو تردد مستمر بين المعنى والصوت"[1]

(بول فاليري)

   

دائما ما تشغلنا الصورة في السينما وفي المقابل ننسى الصوت. الفيلم هو وحدة متكاملة من الصوت والصورة. بالتوازي مع الصورة التي نراها يمر شريط الصوت بما يحمله من حوار وموسيقى ومؤثرات صوتية، والصوت في الفيلم كما يصفه المخرج أحمد غصين له دلالاته التي تحكي الكثير، فمثلا في المشاهد التي نسمع فيها وقع خطوات الجنود الإسرائيليين نحن لا نراهم، بل نسمعهم كما يسمعهم الأبطال المحبوسون بالطابق السفلي من البيت، لم يكن وقع الجنود عاديا، بل ثقيل ويحرّك حالات من الخوف التي تُثير اضطراب الأبطال لشعورهم بالخطر يحاصرهم ولا مهرب للنجاة[2]. يتغير مسار الفيلم إلى طريق لم نتوقّعه من البداية، وبحث مروان عن الأب يتحوّل إلى حصار إجباري يتغيّر معه السؤال الدرامي؛ هل سينجح مروان في الهرب من الجنوب والعودة إلى زوجته التي تنتظره للهرب من لبنان؟

    

بين الداخل والخارج

بدا الفيلم كإعادة تمثيل للمشاعر التي يختبرها الإنسان في أيام الحرب. تحفر حرب تموز سطورها في ذاكرة المخرج اللبناني أحمد غصين الذي استلهم من أحداثها التي عاشها في شبابه ومن حكايات سكان قرية فرون عن الحرب في جنوب لبنان، من هنا تكوّنت خيوط قصة الفيلم الروائي الأول لغصين "جدار الصوت" ويوضح أن الأحداث مستوحاة من أحداث حقيقية عاشها أشخاص من الجنوب اللبناني أيام حرب تموز.

  

تضعنا اختيارات أحمد غصين في صناعة فيلمه أمام رؤية فنية جديدة تُشكّل إضافة لفيلم لبناني يتحدث عن الحرب بطريقة غير معتادة. اختار غصين أن يصنع فيلما روائيا وليس تسجيليا ليضعنا أمام فكرة التمثيل لاستدعاء الماضي، واستحضاره على شريط الزمن الحاضر، وليضعنا أيضا أمام تجربة الحرب وحصاراته. من جهة أخرى لم ينخرط الفيلم في حوارات سياسية أو خطب وعظية أو أيديلوجية، بل كان أقرب ما يكون لتجربة إنسانية يعرفها جيدا أي إنسان عاش ظروف حرب مشابهة. يقول غصين: "لست مهتما بالسياسة وإلا كنت سأتوجّه لكتابة المقالات. أنا أصنع سينما، والسينما عليها أن تُدخلنا إلى التجربة لا أن تُلقي علينا الخطابات"[3].

    

أحمد غصين (مواقع التواصل)

   

 "في ديناميكا الهواء، يُقصد بـ "جدار الصوت" المرحلة التي تنتقل فيها الطائرة من مرحلة الترانسونيك إلى المرحلة فوق الصوتية، أي قبل سرعة الصوت مباشرة وإلى ما هو أعلى منها"

(ويكيبيديا)[4]

  

هذا التعريف البسيط لجدار الصوت يُخبرنا عن الجدار اللا مرئي الفاصل بين ما فوقه حيث الصوت وما تحته حيث انعدام الصوت، وهذا التعريف يوضّح لنا المقصد الرئيس وراء عنوان الفيلم. إذا كان جدار الصوت يعزل عنا صوت الطائرات المدنية وهي تحلّق في الأعالي فإن هذا المعنى ينتفي تماما مع أصوات الطائرات الحربية التي تخترق جدار الصوت لتهتز على أثرها البيوت والأبدان أيضا. الصوت مؤلم ويستدعي الخوف، لذا يأتي الصمت بعد صوت المروحيات والقذائف لنلتقط معه الأنفاس، لنهدأ قليلا، ولنتذكّر أننا في قاعة السينما ولسنا في ساحة حرب وأن ما نسمعه هو اختراق الطائرات الحربية لجدار الصوت.

    

غضب سوريا على أنقاضها

يسير مروان في بدايات ونهاية الفيلم وسط خراب القرية التي وُلد فيها، أنقاض بيوت تكسوها رمادية الخراب، يتساءل المشاهد لوهلة: هل هذه الأنقاض لم تعمّر بعد؟ لكن المخرج أحمد غصين يوضّح على تيترات الفيلم وفي الأحاديث الصحافية أن الفيلم تم تصويره في أنقاض قرية الزبداني السورية التي خاضت حربها مع حزب الله، وهنا تتبدل الموازين قليلا.

  

     

    

وصفت العديد من الأقلام الصحفية والنقدية أن الفيلم غير مراعٍ للوجع السوري وأن أحمد غصين اختار الخراب الطازج[5]. ما زالت قرية الزبداني خاوية، هاجر أهلها وبقي خرابها، كيف لمواطن سوري أن يرى فيلما عن حرب تموز اللبنانية على خلفية بيته المهدم الذي لا يحق له دخوله حتى الآن. يدافع غصين عن فيلمه ويقول إن الفيلم عن الحرب أينما كانت، وعن الفرد المتروك لمصيره خلال هذه الحروب[6]. تضعنا أنقاض قرية الزبداني أمام غمرة من الأسئلة عن الحدود التي يقف عندها الفن على أرض الواقع، هل اختيار غصين أخلاقي وإنساني؟ أم أنه استغلال لجرح لم يندمل بعد؟ وهل الأنقاض السورية تخبرنا أن الحرب واحدة وأثرها يُدين الإنسان في أي مكان في العالم؟ وهل يسرد لنا غصين قصة واحدة ومتشابهة لكل المتضررين من الحرب؟

  

ينتهي الفيلم ليضع أمامنا نهرا جاريا من المشاعر، وفيضا من الأسئلة، ما الذي تتركه الحروب بداخلنا؟ وكيف تتبدل ملامحنا ورؤيتنا للعالم من حولنا؟ الكثير من الأسئلة ولا إجابات في الإمكان. في نهاية الفيلم يقف مروان بين أنقاض البيوت المهدَّمة ويرفع رأسه إلى السماء، تبدو السماء مختنقة كأنها تتنفس من جديد لتشيح عنها رماد الحرب. ما زال مروان يطالع السماء، كأنه يلومها، أو يلوم الله بنظرات صامتة، ثم ينتهي الفيلم ولا نعرف مصيره أو حتى مصير رفاقه في الحبس داخل البيت، لا شيء، فقط صمت طويل بعد معركة ممتدة بالأصوات، كأن الصمت يخبرنا كل شيء ولا شيء.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار