انضم إلينا
اغلاق
أفلام مارفل ليست سينما.. ما السينما إذن؟

أفلام مارفل ليست سينما.. ما السينما إذن؟

حسام فهمي

محرر سينما
  • ض
  • ض

"لقد حاولت، ولكنها ليست سينما. في حقيقة الأمر أكثر ما يُمكنني أن أشبهها به سيكون مدن الملاهي". (1)

  

هل تخيّلت يوما أن الحكايات التي ارتبطت بها، وأثّرت في مشاعرك، وربما حتى شكّلت على خلفيتها ذكريات مع أصدقاء وأحباء فارقوك اليوم، مُسحت من كتب الحكايات، وجُرِّدت من لقب حكاية بالأساس؟ إذا ما انتقلنا إلى عالم السينما والأفلام، هذا ما فعله تماما السينمائي الأميركي الكبير "مارتن سكورسيزي" من خلال هذا التصريح الذي أطلقه في بداية شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، واختص به أفلام عالم مارفل المأخوذة عن القصص المصورة الشهيرة لمجموعة من الأبطال الخارقين، في مقدمتهم "أيرون مان" و"كابتن أميركا".

  

تصريح سكورسيزي ليس بالأمر الهين في عالم السينما، فالرجل الذي استمر في صنع الأفلام طوال الخمسين عاما الماضية يحظى بمكانة كبيرة في عقول وقلوب الفنانين والنقاد والجماهير على حدٍّ سواء، مكانة لم تضمنها له أفلامه الشهيرة والأيقونية فقط مثل "سائق التاكسي" في عام 1976 و"جود فيلاز" في عام 1990، وصولا إلى "الراحل" في عام 2007، وهو الفيلم الذي تُوِّج من خلاله بجائزة الأوسكار في فئة أفضل مخرج، ولكنها مكانة تدعمها أيضا جهود "سكورسيزي" الهائلة كناقد ومحب للسينما، والتي تبلورت في قيامه بالعمل على حفظ وترميم العديد من التحف السينمائية العالمية، في أميركا والهند واليابان، وصولا للوطن العربي، والتي نذكر منها فيلم "المومياء" للمخرج المصري شادي عبد السلام، والذي أُنقِذت نسخته الأصلية ورُمِّمت وحُضِّرت مرة أخرى للعرض الجماهيري من خلال مؤسسة مارتن سكورسيزي. ما الذي يدفع رجلا بهذه القيمة وهذه العقلية إذن لوصم عدد كبير من الأفلام ذات الشعبية الهائلة بين محبي السينما بأنها ليست سينما من الأساس؟ والأهم من كل ذلك؛ هل يمكننا بشكل محايد تماما أن نُعيد تقييم أفلام مارفل في ضوء هذا الصراع؟

   

مارتن سكورسيزي (رويترز)

     

ما السينما؟

في الجزء الأول من كتابه التأسيسي "ما هي السينما؟"، يؤكد الناقد والفيلسوف الفرنسي "أندريه بازان" حقيقة واضحة حيث يقول: "إن كل الأفلام تولد حرة ومتساوية". (2) وهي المقولة التي يمكن أن نبدأ منها إجابتنا عن هذا السؤال المعقد. السينما هي فن حديث نسبيا، وُلد من رحم فن التصوير من خلال اختراع كاميرات قادرة على التقاط مجموعة متتالية من الصور ثم اختراع آلة عرض قادرة على عرض هذه الصور بشكل متتالٍ لتظهر للمشاهد وكأنها تتحرّك، هذه التقنية التي أدّت إلى عروض السينما الأولى، التي نظّمها الأخوان لوميير في فرنسا خلال عام 1895، تطوّرت بشكل متسارع لنصل إلى تقنيات العرض ثلاثي الأبعاد والأفلام التفاعلية في عصرنا الحالي.

  

لكن بغض النظر عن كل هذا التطور يبقى فن السينما وفيًّا لتلك القاعدة التي أكّدها "بازان"، وهو الناقد الذي يُعزى إليه التطور الملحوظ في استيعاب فن السينما، من خلال مجموعة المقالات التي كتبها عقب الحرب العالمية الثانية، والتي ألهمت عقب ذلك ظهور "الموجة الفرنسية الجديدة"، وهي الموجة السينمائية التي أثّرت بشكل مباشر في سينما العالم بأسره، وأدّت شيئا فشيئا إلى الانتقال من التعامل مع السينما كوسيط ترفيهي إلى وضعها في مكانتها الملائمة كوسيط يؤثر في الواقع ويصنعه في بعض الأحيان، وهي الفكرة التي منحت الحرية بشكل أكبر لصانعي السينما من المؤلفين والمخرجين، وأدّت إلى ظهور أجيال جديدة من سينما المؤلف، تلك الأجيال التي يمكننا بلا شك أن نضع جيل صُنّاع السينما الأميركية في السبعينيات بينها، ونقصد هنا جيل مارتن سكورسيزي وفرانسيس فورد كوبولا وجورج لوكاس وستيفن سبيلبيرج. هذا المدخل يُحيلنا بشكل مباشر إلى الآباء الأصليين لعالم مارفل السينمائي، الأب الروحي لسلسلة حرب النجوم "جورج لوكاس"، ورائد الخيال العلمي في السينما الأميركية "ستيفن سبيلبيرج".

  

هنا نجد سكورسيزي في مواجهة مباشرة مع نفسه، فالرجل الذي امتدح من قبل ستيفن سبيلبيرج، وبالتحديد في فبراير/شباط 2018، قائلا: "إن سبيلبيرج يُعيد اختراع فن السينما مع كل لقطة جديدة" (3)، لم يفكر ربما وهو يطلق تصريحه الشهير ضد مارفل بأن صانع أشهر أفلام مدن الملاهي هو "ستيفن سبيلبيرج" نفسه، ونقصد هنا بالطبع سلسلة "جوراسك بارك" الشهيرة، التي صنعها سبيلبرج لتدور بالأساس حول مدينة ملاهٍ تعتمد على وجود مجموعة من الديناصورات، تتحوّل بشكل ما إلى خطر على زوّارها وعلى العالم عقب ذلك.

     

ستيفن سبيلبيرج (رويترز)

   

يعود بنا هذا أيضا إلى تصريح من "ستيفن سبيلبيرج" نفسه يخبرنا فيه بأفلامه المفضلة في فئة الأبطال الخارقين، حيث صرّح سبيلبيرج على هامش مهرجان "كان" في عام 2018 قائلا: "أحب فيلم "سوبرمان" للمخرج ريتشارد دون، وفيلم "فارس الظلام" لكريستوفر نولان، لكن فيلم الأبطال الخارقين الذي يبهرني بالشكل الأكبر هو الفيلم الذي لا يأخذ نفسه على محمل الجد، وأقصد هنا "حماة المجرة"".

   

إشارة سبيلبيرج هنا تبعها بالطبع تأكيده أنه يشعر بالمتعة والتأثر بشكل أكبر حينما يشاهد أبطالا واقعيين بدلا من كائنات ذات قدرات خارقة، تستطيع الطيران وتدمير الأشياء بحركة إصبع، وهو الرأي نفسه الذي حملته تصريحات "فرانسيس فورد كوبولا" رجل جيل السبعينيات الذي صنع شهرته بالأساس من خلال ملحمة "العراب" التي تدور حول قصة عائلة مافيا أميركية من أصل إيطالي، تصريحات كوبولا جاءت قاسية على جمهور مارفل، حيث أكد صانع العراب أن السينما التي يُفضِّلها هي سينما البشر، السينما التي تُعلِّمنا شيئا أو تلهمنا بشيء ما، وهو ما لا يجده في "أفلام مارفل"، التي وصفها بأنها "مُشينة".

  

يبدو محصلة كل هذا هو تفضيل سكورسيزي وكوبولا وحتى سبيلبيرج للسينما الواقعية، حتى لو كان هذا الأخير هو مَن ابتدع وجود الفضائيين والوحوش في السينما الأميركية. على كل حال، يجب هنا أن نعود إلى اقتباس آخر من "ما هي السينما؟" للناقد الفرنسي الكبير "أندريه بازان"، حيث يقول: "الواقع ليس بفن، لكن الفن الواقعي هو الفن الذي يُمكنه أن يخلق وجها جماليا مكملا للواقع".

   

وجه جديد للفن

  

هل ما تقدمه أفلام مارفل هو تعبير فني جديد إذن؟ وهل يمكننا أن نعتبرها بشكل ما امتدادا طبيعيا للواقع الذي نعيشه؟ هذا هو ما يمكننا أن نعتمد عليه للحكم على هذه السلسلة الطويلة من الأفلام، التي سيطرت على السينما في العشر سنوات الأخيرة، حتى وصل فيلم "نهاية اللعبة" للمرتبة الأولى في قائمة أعلى الأفلام إيرادات في تاريخ السينما الأميركية.

  

الناقد الأميركي "كيفن إردمان" يجيب عن هذا في مقاله المنشور على موقع "كوميكس فيرس" في فبراير/شباط من عام 2019، حيث يقول:  

"ليست القوى الخارقة هي ما تمنح العظمة للأبطال الخارقين، ولكنها الشخصية وراء هذه القوى، والسيناريوهات التي يتم وضعهم فيها. كيف يتعاملون في المواقف المختلفة، وكيف يتواجهون فيما بين بعضهم بعضا، هذا ما هو ممتع بحق. من الأكيد أن مشاهدة هالك وهو يدمر كل شيء من حوله أمر مضحك، ولكن متابعة د. بروس بانر وهو يصارع الوحش المدفون بداخله يحمل قدرا أعمق وأكثر ديناميكية من الترفيه". (4)

  

هنا يشير إردمان إلى الأزمة الرئيسية في تجريد أفلام مارفل من كونها أفلاما، حيث يبدو هذا مُهينا بشكل خاص لكل هؤلاء الملايين الذين شاهدوا أفلام مارفل وشعروا برابط يجمعهم بهؤلاء الأبطال، خصوصا أن صُنّاع هذا العالم الممتد قد ابتكروا واستلهموا من كنز ممتد من القصص المصورة ورسموا ملامح لحكايات شخصية للغاية عن كل واحد من هؤلاء الأبطال، بحيث أصبحت جذوره مؤثرة بشكل مباشر على حاضره ومستقبله.

  

ربما لهذا السبب بالتحديد قرّر سكورسيزي أن يُخفّف من حِدّة هجومه عقب ذلك، حينما سُئل أثناء العرض الخاص لفيلمه الجديد "الأيرلندي" مجددا عن رأيه في أفلام مارفل، وحينها قرر سكورسيزي أن يُعبِّر بشكل مختلف، حيث وصفها بأنها شكل فني حديث، وأن اعتراضه الوحيد أن تزدحم دور السينما بهذه النوعية من الأفلام في حين لا تجد الأفلام الواقعية وسينما المؤلف فرصة للعرض، وهو اعتراض بالتأكيد لا يختلف عليه أحد. (6)

 

أكثر من مجرد مؤثرات بصرية

  

بالنظر بشكل أكثر تفصيلا على سلسلة أفلام مارفل بشكل خاص، سنجد أنها قد نجحت نقديا في العديد من الأحيان بجانب نجاحها جماهيريا أيضا، وهو الأمر الذي فشلت فيه وبشكل مخزٍ سلسلة أفلام عالم دي سي الأخيرة، وهو ما يجعل توجيه اللوم بشكل مكتمل لأفلام مارفل أمرا شديد الغرابة. كما يؤكد أن الجمهور يمكنه الاختيار بين الجيد والرث في عالم الأبطال الخارقين، يمكنه أن يجعل سلسلة أفلام مبنية على قصص مصورة ناجحة بشدة، ويمكنه أيضا أن يقود سلسلة أخرى إلى حافة الفناء.

  

ففيلم "بلاك بانثر" الذي عُرِض في عام 2018، حصد تقييما يبلغ 88% حتى الآن على موقع "ميتاكريتيك" النقدي، وفقا لتقييم 55 ناقدا على مستوى العالم، الفيلم قد رُشِّح أيضا لثماني جوائز أوسكار فاز بثلاث منها في النهاية، كل هذا بالطبع قد تأثر بأنه الفيلم الأول عن بطل خارق من أصول أفريقية، وهو أمر بالغ الأهمية دون شك، في عالم ما زال يتعرّض فيه أصحاب البشرة السمراء للتمييز ضدهم حتى اليوم، ولكن لأن الفيلم أيضا قد قدّم رؤية متماسكة أشرف عليها كاتب ومخرج موهوب هو "رايان كوجلر"، وهو أيضا الشاب الذي منح لعالم "روكي" قُبلة الحياة من خلال إخراجه لفيلم "كريد" في عام 2015.

  

ألا تشبه حكاية "بلاك بانثر" بشكل كبير شغف "كوبولا" بصناعة أفلام تحمل قصصا إنسانية عن أبطال أميركيين من أصل إيطالي؟ حتى لو فعل ذلك في إطار أفلام المافيا التي كانت بالفعل شهيرة قبل ظهوره، ولكنها كانت مجرد مشاهد أكشن وقتال سطحي، حتى أتى كوبولا ومن بعده سكورسيزي لينقلوها إلى إطار صراع الإنسان مع نفسه ومحيطه، ألا يمكن أن ننظر لأفلام مارفل بالطريقة نفسها؟ إطار محبب للجماهير يمكن لصُنّاع السينما أن يضعوا فيه سما أو عسلا، تماما كما قال بازان، فكل الأفلام تُولد متساوية، لكن ما يُقدِّمه صُنّاعها هو ما يُفرّق بعضها عن الأخرى.

  

وبمد الخط على استقامته، وحينما نتذكر صراع الأبطال في فيلم "كابتن أميركا: الحرب الأهلية"، للمخرجين الأميركيين "أنطوني روسو" و"جوي روسو"، نتيجة اختلاف الأبطال على التداعيات الأخلاقية لاستخدام القوة في محاربة الشر، وما تتسبب فيه هذه القوة من أذى للمدنيين داخل حيز القتال، ألا يُمثِّل هذا الصراع سؤالا أخلاقيا مُهمًّا يجب أن يتم طرحه داخل المجتمع الأميركي الذي تدخل جيوشه حروبا في كل أنحاء الدنيا تحت غطاء محاربة الشر ثم تترك هذه البلدان بعد أن حطمت أحياء المدنيين وقتلت الآلاف منهم؟ ألا يورط هذا الجمهور في صراع نفسي وعاطفي، ويضعهم أمام سؤال أخلاقي يدفعهم للتفكير حتى لو كان ذلك في إطار فيلم يحمل علامة أبطال مارفل الخارقين؟

  

مَن يحكم السينما؟

  

يبدو الأمر بلا معنى إذا ما ناقشناه فقط من وجهة نظر سكورسيزي وكوبولا وحتى كين لوش الذي وصف أفلام مارفل بأنها فواصل إعلانية طويلة، الأمر بلا معنى تحديدا لأن هؤلاء الرجال، ورغم كونهم صُنّاع سينما كبار، ولا خلاف على ذلك، قد اعترفوا بأنهم لم يشاهدو أيًّا من أفلام مارفل، والقاعدة الأولى في السينما هي أنك لا يمكنك أن تحكم دون أن ترى.

   

مَن يحكم هي الملايين التي شاهدت أفلام مارفل، عشرات الملايين التي منحت لفيلم عالم مارفل الأهم "نهاية اللعبة" مركز الصدارة في أعلى إيرادات السينما عبر تاريخها، والأكيد أن هؤلاء المشاهدين قد ارتبطوا عاطفيا ونفسيا بهذه السيرة الملحمية المطولة والتي تشبه لحد كبير ميثولوجيا جديدة لعصرنا الحالي. الجماهيرية والشعبية ليست بالتأكيد دليلا كافيا على الجودة الفنية، لكنها دافع مهم بلا شك لصُنّاع السينما ونُقّادها للبحث بشكل أعمق في أسباب هذا النجاح.

  

عالم مارفل الذي ابتدعه ستان لي مبني بالأساس على كل التفاصيل الحقيقية في عالمنا، وكل ما تمت إضافته فيه يمكن مدّه على استقامته قليلا لنجد شبيها له في الميثولوجيا الإغريقية، أو المصرية القديمة، أو ديانات الشعوب الاسكندنافية، أو حتى بعض تفاصيل الديانات الإبراهيمية. وهنا نجد أن النقطة المشتركة الأهم بين فلسفة عالم مارفل وكل هذا القصص المقدس أن الحكاية تدور بالأساس حول بضعة أسئلة مبدئية، أولها، إذا ما حصلت على قوى ما، كيف ستستخدمها؟ وما النقطة التي ستتوقف عندها؟ وثانيها، كيف ستتعامل مع القوى المحيطة بك؟ ما شروط التعاون ومن أين يأتي الخلاف؟ وثالثها وأهمها، ما الشر؟ وما الخير؟ وهل يمكن أن نشهد صراعا يظن طرفاه أنهما يُحسنان صنعا؟

    

حقق فيلم "جوجو رابيت" جائزة الجمهور من مهرجان تورنتو السينمائي الدولي لأفضل فيلم

مواقع التواصل
   

شغلت هذه الأسئلة بال البشر لمئات السنين، وما زالت تشغلهم حتى اليوم، استمعوا لها في قصص إيزيس وأوزوريس وست، وفي قصص هرقل وزيوس وهاديس، واليوم يتكرر الأمر مع قصص "أيرون مان" و"دكتور سترينج" و"ثور" في مواجهة "ثانوس". الأمر الذي يمكننا أن نذكره كنقطة إضافية لصُنّاع عالم مارفل هو أنهم أضافوا لقصص عالم "ستان لي" بُعدا فكاهيا جديدا، بحيث أصبح أبطال هذا العالم غير عابئين بالتصرف بجدية طوال الوقت، حتى إنهم لا يترددون في كسر الحاجز الرابع، وذلك من خلال السخرية بشكل تلقائي من أنفسهم وقواهم الخارقة، وهو ما حدث بشكل مستمر في سلسلة "حماة المجرة" للمخرج الأميركي "جيمس جن"، وهي السلسلة التي مزج فيها "جن" أيضا عددا كبيرا من أغاني الستينيات والسبعينيات ضمن شريط الصوت الخاص بأفلامه.

  

هذه الأجواء الطريفة والممتعة هي ما تمنح الجمهور سعادة يكافئ عليها صُنّاع هذه الأفلام بالذهاب إليها مرة أخرى، وهو ما حدث أيضا مع فيلم "ثور راجنوراج" للمخرج النيوزيلندي "تايكا وايتيتي"، والذي تم فيه بشكل مكتمل السخرية من الصورة النمطية للأبطال الخارقين، وكأننا نشاهد "فيلم بارودي" عن ثور وهالك وكل ما تعلمناه عنهم.

  

هذه الطزاجة في الطرح تَعِدُ بمخرج موهوب أيضا، وهو ما حدث بالفعل في عام 2019 حيث صنع "وايتيتي" فيلمه الجديد "جوجو رابيت"، وهو الفيلم الذي تدور أحداثه في إطار ساخر أيضا، ولكن هذه المرة عن وحش حقيقي هو القائد النازي أدولف هتلر. حقق فيلم "وايتيتي" جائزة الجمهور من مهرجان تورنتو السينمائي الدولي لأفضل فيلم، ولا نظن بأي حال من الأحوال أن هذا الرجل يمكننا أن نصف أفلامه بأنها ليست سينما.

  

السينما هي تجربة المشاهدة الجماعية

  

لا يسعنا في النهاية سوى أن نختتم حديثنا بالتأكيد أن اعتراض مارتن سكورسيزي على قلة اهتمام دور العرض بعرض الأفلام الواقعية وأفلام سينما المؤلف أمر مؤسف، وهو ما أفاض في شرحه "سكورسيزي" نفسه من خلال مقال رأي نُشر في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني على موقع "ذا نيويورك تايمز". (7) هنا يجب أن نُشير إلى نقطة إيجابية للغاية يمكن احتسابها في رصيد أفلام مارفل، وهي أن هذه الأفلام من خلال هذه الإيرادات الضخمة قد نجحت بشكل ما في إنقاذ دور السينما حول العالم من الإفلاس، كما أنها أعادت لتجربة المشاهدة الجماعية قيمتها في عصر سطوة المنصات الإلكترونية الخاصة بالعرض المنزلي، ومن أبرزها نيتفلكس وهولو وديزني بلس.

  

في غياب أفلام مارفل التي تدفع الملايين للذهاب لدور السينما، كان من الممكن أن تندثر تجربة المشاهدة السينمائية التي عرفها العالم منذ عروض الأخوين لوميير في عام 1895 وحتى اليوم، وهي التجربة التي تكتمل بها وبها فقط قيمة الفيلم السينمائي، من خلال تأثير صُنّاعه في جمهور يتجاوب مع المحتوى نفسه في التوقيت نفسه بكمٍّ هائل من المشاعر والأفكار، ليخرج هذا الجمهور عقب ذلك من دور السينما بأسئلة جديدة حول الفيلم وحول رؤيته للعالم.

  

هذه المشاهدة الجماعية هي ما حاول كوبولا الحفاظ عليها من قبل في العراب، وهي ما دفعت سبيلبيرج لاختيار "إي تي" الكائن الفضائي المحبب في بطولة أحد أهم أفلامه، كما أنها هي العامل الرئيسي وراء ابتكار "جيمس كاميرون" الخاص بصنع الفيلم المكتمل الأول الذي عُرِض بتقنية ثلاثي الأبعاد، ونقصد هنا "أفاتار". عالم مارفل هو إكمال لمسيرة كل ذلك. خط سينمائي ممتد من هروب الجماهير من القطار المتحرك باتجاههم على شاشة العرض في أحد مقاهي باريس منذ 124 عاما، وصولا لهتافات ودموع أتت مع عودة أبطال مارفل إلى الحياة في نهاية صراعهم الملحمي مع "ثانوس"، هذا هو الإيهام المكتمل، وهذه هي السينما.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار