انضم إلينا
اغلاق
الفيلم الحائز على ثلاث جوائز أوسكار.. "روما" على لسان ابن مكسيكو

الفيلم الحائز على ثلاث جوائز أوسكار.. "روما" على لسان ابن مكسيكو

The Atlantic

مجلة أميركية
  • ض
  • ض

ثمة سطر في فيلم روما كوارون، على لسان إحدى شخصياته التي استلهمها من والدته، لشخصية أخرى استلهمها من مربيته في فترة الطفولة، يُدلي بجوهر الفيلم. تقول الأم للمربية: "مهما قالوا لك، نحن النساء، سنظل وحيدات دائما".

 

بحلول الوقت الذي تعلن فيه هذه الكلمات، أي بعد مرور ساعةٍ ونصف على عمر الفيلم، يبدو كلامها مغايرًا للحقيقة. بالأبيض والأسود وعلى طريقة الواقعية الجديدة، يبدو الفيلم الذي تدور أحداثه في مكسيكو سيتي مركبا لدرجة أن من الممكن للصورة الواحدة أن تتفلق إلى مليون قطعة. يبدأ المشهد الافتتاحي بفوضى عارمة في بيت مستلهَم من بيت كوارون نفسه. يعود أنطونيو، وهي الشخصية المستلهمة من والد كوارون، من عمله كجراح في سيارته الفورد جالاكسي الفارهة ويحاول إدخالها بدقة إلى المرآب الضيق ليدوس على مخلفات كلب المنزل في أثناء ذلك.

 

المساحة ضيقة جدا، لدرجة أن عليه الانزلاق إلى المقعد المجاور لكي يفتح باب السيارة ويمضي إلى المنزل. بعد ذلك بمدة وجيزة، نراه للمرة الأولى، ونسمعه يوبخ زوجته صوفيا التي تحاول استرضاءهُ عبثا، وإن كانت (كما سنعرف لاحقا) على علم بأنه يخونها مع امرأة أخرى. يتعكر مزاجه أكثر في اليوم التالي، عندما يدوس على كومة المخلفات تلك، وكنتيجة، تصب صوفيا غضبها على خادمة العائلة والمربية، كليو، وتؤنّبها على عدم التنظيف وراء الكلب. تتجه كليو إلى المرآب وتقوم بالمهمة.

 

   

في كانون الثاني، وعندما زرته في شاتو مارمونت/ هوليود، أخبرني كوارون "إنّ هذا المشهد هو تصويرٌ لأنطونيو، إنه تقديمه للناس. إنك لا ترى أنطونيو حتى نهاية المشهد. فكل ما نريد قوله يأتي عبر حركة ركن السيارة". 

 

ليلة العرض الأول في لوس أنجلوس، ظهر كوارون في إحدى بزّات الفنادق الفاخرة، وكان يعاني بسبب السفر وفارق التوقيت. ومع أنه كان قد وصل من لندن حيث يعيش للتو، إلا أن مزاجه كان جيدا، ربّما لأن روما كان بالفعل أحد أكثر الأفلام التي نالت أصداء إيجابية من النقاد لهذا العام. وبدا أنه في مكانة تؤهّله لحصد كومة من الجوائز. (مذّاك، نال الفيلم جائزة الجولدن جلوب، كأفضل فيلم بلغة أجنبية، فيما نال هو جائزة أفضل مخرج). 

   

من المزعج لرجل وسيم لهذا الحد أن يكون خلف الكاميرات عوض أن يكون أمامها. ومع أنه يبلغ من العمر 57 عامًا، إلا أنه كان ليبدو أصغر بعقد، لولا شعره الأسود والرمادي. أخبرني كوارون، أنه قد كانت لعائلته سيارة فاليانت قديمة، وهي سيارة رخيصة التكلفة صنّعتها شركة كريسلر للأسواق الأجنبية، ترتطم وتحتك بكل شيء، إلا أنه أحبها رغم ذلك. لكن الأمر كان مختلفًا عندما وصلت الجالاكسي الضخمة. فقد كانت السيارة المستوردة من سوق الولايات المتحدة، أكثر جاذبية للوهلة الأولى، ويقول: "كان الأمر كما لو أنه ’يا إلهي، لديها كل تلك الأشياء الرائعة‘". لكنها مع انهيار زواج والديه، أصبحت مصدرًا للمشاكل.

      

ألفونسو كوارون مخرج ومنتج وكاتب سينمائي مكسيكي (الفرنسية)

 

تظهر السيارة كاستعارة، إنها رمز لرجولة أبيه، "الثمانية أسطوانات هي في الحقيقة ثمانية توستيرونات"، كما أنها كانت استعارةً لماديّة والديه والحسد الطبقي. لقد كانت سيارة فورد مستعملة، وهو ما لم يأتيا على ذكره قط، ونعم، كانت فيها كل تلك الأشياء الرائعة، من طاقة توجيهية، ومكيف للهواء، لكن المكيف دائمًا ما كان يتعطل.

 

وإحدى اللقطات الأخيرة من المشهد الافتتاحي، قبل أن يعطينا كوارون أخيرًا لمحة عن وجه أنطونيو، هي لعلامة شركة فورد على الصندوق الأمامي، التاج الفضي، فيما هي تواجه الكاميرا. ويقول، "بطريقة ما، إنها تبدو وسيلة للتفاخر [الاجتماعي]. فهي سيارة أضخم بكثير من ذلك المرآب"، وأضاف أن الزواج نفسه "تفاخر اجتماعي". في وقت أبعد بقليل من الفيلم، بعد أن يهجر أنطونيو العائلة، تقوم صوفيا ببيع الفورد وتستبدلها بسيارة أكثر تواضعًا، تلائم المرآب وتتيح مساحة أكبر. يقول كوارون "إنها تقودها بروح مختلفة كليا، ولعلها المرة الأولى التي نرى فيها صوفيا بهذه الابتسامة".

 

بالتقليب في كافة أفلام كوارون ولا سيما فيلم روما هناك إحساس بأن الفنان الذي صنعها يعشق، بل يقدس، النساء لكنه ليس متأكدًا تماما من الرجال. ومع أن أحداث روما تعود إلى نصف قرن مضى، في المكسيك، إلا أن من السهل قراءته كنقد للترمبية ورجولة عصر #Metoo.

  

في 2006، صدر لكوارون "أطفال الرجال"، وهي قصة قاسية عمّا يسميه هو "العقم الروحي"

مواقع التواصل الاجتماعي

   

كالكثير من المخرجين، يحاول كوارون أن يتجنب الاشتباك بهذه النقاط في عمله، أو أن يستنطق دوافعه الإبداعية بصورة مفتعلة. ومع ذلك، فلا مفر من حقيقة أن مشاعره إزاء الشخصيات الأنثوية، ونقيضها إزاء الذكريّة، متضمَّنةٌ في كل فيلم صنعه، بدءًا من فيلمه الأول، "الحب في زمن الهستيريا" من فئة الرومانسية الكوميدية المعاصرة، والتي تدور حول دون جيوفاني، وهو كاتب إعلانات يعاشر عددا من النساء في الوقت نفسه، إلى أن تخدعه واحدة منهن وتقنعه أنه مصاب بالإيدز. وكما يقول كوارون، الفيلم يدور حول رجل "أخرق".

 

لاحقا، صنع كوارون اثنين من أفلام هوليود، "أميرة صغيرة"، المستلهَم من كلاسيكية فرنسيس هودجسون بيرنيت عن يتيمة شجاعة، وصدر في 1995، والذي يظل أقربها إلى قلبه من بين كافة أفلامه. ثم أتبعه في عام 1998، بتحديث يحمل طابع مانهاتن لرائعة تشارلز ديكنز "توقعات مرتفعة"، الذي كانت بطولته من نصيب إيثان هوك ظاهريا، إلا أن أحداثه تمحورت حول اليافعة غوينيث بالترو. ثم عاد كوارون إلى ميكسيكو سيتي لفيلم "وأمك أيضًا" الصادر في 2001، والذي تدور أحداثه حول رحلة تقوم بها امرأة تحتضر مع اثنين من المراهقين، وكان من الشجاعة لشركة وارنر بروس أن تقبل بإنتاجه نظرًا لفرط مشاهده الجريئة. والثالث، وهو أفضلها جميعًا، فيلم هاري بوتر، أسير أزكابان. وقد بدا كوارون مهتمًّا بشخصية هارموني أكثر من أي شخصية أخرى في الفيلم، بما فيها، شخصية هاري بوتر نفسه.

 

في 2006، صدر له "أطفال الرجال"، وهي قصة قاسية عمّا يسميه كوارون "العقم الروحي"، وتدور أحداثه حول امرأة حامل في مستقبل خالٍ من الأطفال، إنه ديستوبيا يحاول الرجال فيها قتل بعضهم بعضا للسيطرة على الطفل فتموت والدته وهي تحاول حمايته. عند التفكير في الفيلم الآن، يقول كوارون أنه لا زال قادرًا على الإحساس بكراهيته تجاه النظام الأبوي والتي أدت إلى ميلاد الفيلم. أما فيلمه اللاحق، "غرافيتي"، فقد استلزم منه سبع سنوات لكي يرى النور، لكنه عندما خرج للأضواء، أثار ضجة عالمية، فنالَ عنه جائزة أفضل مخرج، وهو ما جعل كوارون أول مخرج لاتيني يظفر بالجائزة. الفيلم ربما كان أكثر فيلم نسوي بمنظوره وكبريائه الأنثوي، إنها ساندرا بولوك، هائمة تتعثر في الفضاء لوحدها، وتتعهد لنفسها بالبقاء حية.

  

   

وهو ما يقودنا إلى روما. في وسط العائلة التي يصورها الفيلم تقف امرأةٌ هي، تقنيا، ليست فردًا منها، إنها كليو، المستلهمة من مربية كوارون الحقيقية والتي أحبها: ليبو. وأخبرني "لقد اعتدت أن أناديها أمي" ولاحقا عندما أصبح عمره خمس سنوات "أردت الزواج منها". ترك والده البيت وهو في سن التاسعة، لكن أمه المكلومة، وجدت نفسها في ممارسة الأبوّة المنفردة مع أربعة أبناء، بينما ملأت ليبّو، التي تعيش بعيدًا عن عائلتها في أوكساكا الفراغ.

 

وقال كوارون، "ثمة فراغ في حياتي، هناك غياب في حياة والدتي، وغياب في حياة ليبو". في كل حالة، كما قال، كان هناك رجال قد رحلوا. وكان هذا الأمر الثابت: "أن تقوم النساء بتولي تربية العائلات". بعض الرجال كانوا غائبين ماديا، و"بعضهم الآخر، لم يكونوا حاضرين فحسب".

 

لقد أدى كوارون عمل "السينماتوغرافيا" بنفسه في روما، وهي المرة الأولى التي يعمل فيها مديرًا للتصوير في فيلم روائي، لكنه كان الحل الأخير بعد اضطرار معاونه رفيق الدرب (وصديق الطفولة) إيمانويل لوبيزكي لمغادرة موقع التصوير لشئون عائلية. هذا الاستياء كان في صالح الفيلم، فليس ثمة مسافة بين كوارون وكاميرته. وفي تناقض كبير مع الفيلم السابق المندفع والمتسارع، جرافيتي، يتسم روما بالرتابة وتقلباته البطيئة.

   

 

كما يقول كوارون، كان الفيلم بمثابة كفارة بحق ليبو. ويضيف "شعرت أنني مدين لها بشيء ما، ربما كنت أدين لها بتفسير". فلو أنه قصّ حكايته فحسب، وحتى إن أولى المزيد من الاهتمام بحياة ليبو، لربّما جازف بمواصلة تمركز ذاته وسط الأحداث. عوض ذلك، فنحن بالكاد نرى الشخصية التي تمثل كوارون على الشاشة. لدى العائلة ثلاث أبناء، ولا يبدو واضحًا تمامًا أي الاثنين الأكبرين يفترض أنه يمثّلُ كوارون وهو طفل. لكي يكون أمينا في إنجاز الفيلم، اضطر كوارون لخوض محادثات مطولة عديدة مع ليبو بشأن ماضيه، وقد كان مأخوذًا بحكاياها عمن كانته في الأوقات التي لم تكن فيها مربيته، أو ما يسميه "حياتها الاجتماعية خارج الفقاعة، فقاعتي أنا".

 

عند إحدى المراحل من روما، تذهب كليو إلى موعد غرامي مع شاب يافع وسيم وأهوج لكنه فقير مثلها. بعد أن تخبره كليو بحملها، يتسرب إلى خارج المسرح دون أن يعود. لكننا نراه مرتين إضافيتين في الفيلم. في المرة الأولى، يهدد بقتل كليو إن عادت للبحث عنه مجددا. وفي المرة الثانية، يصوب مسدسا نحوها، يأتيها المخاض، وتحدث المأساة.

 

في كل واحد من أفلام كوارون الثلاث الأخيرة، هناك طفل ضائع يطارد الشخصية الرئيسية، ويمزح كوارون بشأن ذلك قائلا إنه يبرهن عن "المخيلة الضيقة التي لدي". لكن للإنصاف، فإن الأطفال الموتى عادة ما يُوظَّفون في الأفلام لتحريك الحبكة، أو إيجاد عذر لسلوك الشخصية المشين. لكن بالنسبة إلى كوارون، فموت الطفل هنا لا يعمل كمحرك للحبكة بقدر ما يحضر كاستعارة لليأس. في أطفال الرجال، يلخص كوارون حزن الرجل على موت طفله على أنه تعاسة مجتمع خال من الأطفال. وبحسب كوارون "إنه وجود بلا أمل". لم يكن كوارون معنيا بالتحقيق أو بتفسير أسباب وقوع هذا العقم الجماعي بقدر ما كان مهتما بتصوير ترابطات الأمومة والإيمان بالمستقبل. والموضوع الحقيقي لجرافيتي هو امرأة حطمها موت طفلها وهي على شفير الاستسلام والغوض في السواد. وفي روما، فإن الطفل المفقود، هو الموضوع الحرفي والمحسوس لأكثر مشهد يمزق القلب في الفيلم، إنه فورة المشاعر بعد 90 دقيقة من الجرح السطحي.

  

ينتهي روما بمشهد من الطمأنينة البيتية، إذ تتجمع عائلة كوارون بلا أب، حول التلفاز لمشاهدة إحدى حلقات "ذا بوركي بيغ"

مواقع التواصل
   

فيما نحن نتكلم، ارتشف كوارون من كوب الشاي الأخضر الساخن وملأ كوب الماء من الثيرموس. كان الصوت أشبه بشخصٍ يغط في بركة ماء بعد القفز من نافذة مشرعة. مرةً أخرى، أعدت سؤاله عن سبب كتابة موضوع موت طفل في ثلاثة نصوص متتالية، فابتسم ابتسامة عريضة وقام ليستلقي على الأريكة. وقال لي "أنت أمسك مفكرتك، وأنا سأستلقي هنا". عندما كان يكتب "أبناء الرجال"، كان لديه ابن في العشرينات، يدعى جوناس، هو الآن صانع أفلام، وشارك في كتابة غرافيتي. مذاك، كان قد أصبح لدى كوارون طفلين إضافيين. قد يكون هذا جزءًا من التفسير، كأب: فهو يعلم أن خسارة ابن هو الخوف المطلق. 

 

يقول "إن أردت التحدث بداروينيّة"، وينيرُ وجهه أكثر من أي شخص آخر فيما هو يقول "داروينيّة"، "فإنني آمل أن تكون هناك إمكانية لاستمرار نوعنا [نحن البشر]، إن توقف هذا الرابط البيولوجي [الإنجاب]، فإنك توقف كل شيء. وإن ترجمت هذا كله إلى ألفاظٍ عاطفية، فهو بالتحديد ذلك الأمر، إنه الأمل".

 

ينتهي روما بمشهد من الطمأنينة البيتية، إذ تتجمع عائلة كوارون بلا أب، حول التلفاز لمشاهدة إحدى حلقات "ذا بوركي بيغ". لقد مر بعض الوقت مذ تخلى حبيب كليو عنها، والعائلة، تتألف الآن من أربعة أبناء وثلاثة نساء (بمن فيهنّ والدة صوفيا) بلا رجال. لقد عادوا للتو من رحلة على الشاطئ كان يمكن لها أن تنتهي بمأساة أخرى لولا تدخل كليو. يخبرني كوارون "الجميع متحمسون للعودة للمنزل"، فيما هو يروي المشهد، "وجميعهم يتحدثون عن مقدار حبهم لكليو. يحبونها لدرجة أنهم يريدون زيارتها في أوكساكا.

 

 

ومع أن الفيلم مصور بالأسود والأبيض، إلا أن دفء المشهد متوهج. بعد سنوات على هذه اللحظة، كما يخبرني كوارون، أصبحت المرأة التي استلهم منها شخصية كليو حاملا مرة أخرى وهذه المرة طفلها سينجو، وابنتها اليوم، امرأة شابة لا تزال تعيش في المنزل نفسه، حيث كبر كوارون، والذي أعاد خلقه من أجل روما. إنه لهم هم بقدر ما هو له. لقد كان لها آنذاك، أيضا. بينما يمضي الفيلم إلى خاتمته، تضحك المرأة وأطفالها قبالة التلفاز. ويطلب الأطفال من كليو بعض الوجبات، فتترك الغرفة، وتنزل السلالم لتحضير الطعام.

------------------------------------------------------------

ترجمة (فرح عصام)

هذا التقرير مترجم عن: The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار