انضم إلينا
اغلاق
"Green Book".. فيلم يهاجم العنصرية أم يكرس لها؟

"Green Book".. فيلم يهاجم العنصرية أم يكرس لها؟

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض

لم يكن هدوء القاعة الذي ما لبث أن انساب بداخله صوت نات كينج كولي الناعم كالمخمل يشي بما سيحدث بعدها بدقائق. فجأة، تحوّلت نعومة الأغاني لصمت تلاه صرخات وعنف وذعر بعدما اعتلى مجموعة من رجال مجهولين خشبة المسرح وأخذوا يوجهون الضربات للمغني ويسبونه بشتائم عنصرية.

أتى كولي في ذلك اليوم من عام 1956 ليحيي حفلا غنائيا في ولاية آلاباما الجنوبية، ما جعله أول فنان أميركي من أصل أفريقي يجرؤ على الغناء في إحدى ولايات الجنوب المعروفة بعنصريتها. ورغم الصدمة التي أصابته بها الكراهية المطلقة له ولأعضاء فرقته لا لشيء سوى لكونه أسود، فإن ما حدث بدرجة ما كان متوقعا. فحتى لو كنت مغنيا جابت شهرته أرجاء الأرض واكتنز حسابه البنكي ملايين الدولارات، لن يحصنك أي من ذلك ضد العنصرية التي لن ترى فيك سوى إنسان من درجة أدنى. (1)


لهذا السبب، عندما قرر عازف البيانو والملحن الأميركي الأسود دونالد شيرلي أن يقوم بجولة موسيقية في ولايات الجنوب بعد تلك الحادثة بسنوات قليلة، كان عليه أن يأخذ احتياطاته. وقد كان أهم تلك الاحتياطات أن وقع اختياره على توني فاليلونجا، الرجل الذي سبقته شهرته كحارس في الملاهي الليلية ذو قدرة استثنائية على حل الخلافات بتسديد اللكمات لأي من يفتعل الشغب، ليرافقه في رحلته كسائق للسيارة على الطريق، وحارسا شخصيا في الفنادق والملاهي حيث سيغني. وقد كانت تلك الرحلة التي قطعها الاثنان في ولايات الجنوب في أواخر عام 1962 الأساس الذي اقتبس منه نيك فاليلونجا، ابن توني، والمخرج بيتر فاريللي فيلم "الكتاب الأخضر".

 

المفارقة بين البطلين: محرك للأحداث فقط أم خضوع لقوالب عنصرية أيضا؟

يبدأ الفيلم بتقديم توني، الذي وجد نفسه بلا عمل فجأة بعد أن أغلق الملهى الليلي حيث يعمل أبوابه. وبما أنه العائل الأساسي لزوجة وطفلين، فلم يتردد كثيرا قبل أن يقبل الذهاب لمقابلة عمل مع عازف البيانو دون شيرلي الذي يبحث عن شخص يصحبه في جولته الموسيقية في الجنوب.

منذ اللحظة الأولى، يوقن الرجلان والجمهور معهما أن ليس هنالك اثنان من الأشخاص أكثر اختلافا عن بعضهما البعض منهما. فتوني الأبيض الفقير ينتمي لطبقة اجتماعية دُنيا طبعت نفسها في كلماته وتصرفاته التي تميل دائما للسوقية، ودون الأسود يسكن فيما يشبه قصرا مُصغّرا لملك أفريقي ويتحلّى بدرجة عالية من الثقافة طبعت نفسها هي أيضا على تصرفاته وكلماته المنمقة دائما لأقصى درجة. نعرف هكذا منذ اللقاء الأولى بينهما أن الكوميديا في الفيلم ستنبع من المفارقات التي يولّدها وضع هذين الاثنين مع بعضهما البعض لمدة شهرين في سيارة، بينما سيأتي الخط الأكثر جدية في الفيلم من تناول العنصرية التي كان على السود في أميركا مواجهتها في تلك الفترة. لكن، هل جاء ذلك التناول جديا بما فيه الكفاية؟

الكتاب الأخضر الذي يستمد الفيلم اسمه منه هو كتاب حقيقي كان منتشرا في الولايات المتحدة في الفترة بين ثلاثينيات القرن الماضي وأواسط الستينيات، وكان لا غنى عنه بالنسبة لأي مسافر أميركي أسود في تلك الفترة؛ فقد تضمن قائمة بكل الأماكن التي تسمح باستقبال السود وتعاملهم بشكل طيب، وذلك حتى لا يجد أي أسود نفسه يقع فريسة لمكان عنصري تتراوح فيه الإهانة من الضرب والامتهان وحتى القتل في بعض الأحيان.(2) الفيلم هكذا له جذور قوية في الماضي العنصري للولايات المتحدة، وبينما جاء فيه بالفعل عدّة مشاهد توضح الصعوبات التي تعرض لها شيرلي في الكثير من الأحيان في رحلته على الطريق، فإن زاوية التناول الأساسية جاءت لترسّخ القوالب العنصرية عوضا عن أن تمحوها.

 


فالفيلم الذي من المفترض كونه يتناول العنصرية، يتولى فيه توني الأبيض دور البطولة -فيبدأ القص وينتهي عنده أيضا- ولا نرى فيه دون، ضحية تلك العنصرية، سوى من وجهة نظر توني. وفي أحد أكثر المشاهد محورية في الجزء الأول من الفيلم، يلقي توني بكوبين من الماء قدمتهما زوجته لعاملين أسودين في سلة المهملات. يؤسس هكذا الفيلم لنفسه كرحلة سيقطعها توني من كونه شخصا ينظر للآخر الأسود باحتقار، لآخر يُكنّ له الاحترام والتقدير. مجددا، توني الأبيض هو من يقبع في بؤرة الحدث، بينما دون الأسود منفي في الهامش، يقول عن هذا الناقد إنكو جانج: "يركز "الكتاب الأخضر" على رحلة توني في تجاوز جهله، وذلك بالرغم من أن تناول أي جانب من حياة شيرلي كان ليصنع فيلما أفضل بكثير. بدلا من هذا، نجد أنفسنا مجبرين على مشاهدة رجل أبيض يصادق شخصا أسود لأول مرة في حياته". (3)

 

كما لا تخلو المفارقة الأساسية بين طباع الاثنين من تأكيد للقوالب العنصرية وإن ظهر عكس ذلك. فيجعل الفيلم كلًّا من بطليه يتحلى بالصفات التي رسخ في الأذهان كون العرق الآخر يتحلى بها. فتوني يستمع لموسيقى الجاز ويأكل الدجاج المقلي الذي يشتهر السود في أميركا بحبه ولا يتردد قبل استخدام العنف لحل المشكلات، بينما يحب دون الموسيقى الكلاسيكية ويتحلى بقدر عال من الثقافة وموهبة فائقة في تأليف الموسيقى ولعب البيانو. هنا، يتم اللجوء للكليشيه لرسم وتأسيس الشخصيات، فيتم النظر لكلا البطلين لا كبشر حقيقيين لهم صفات مميزة ويتحلون بالفرادة، بل أغلب الوقت فقط كعباءة تنطوي على القوالب المعروفة عن كل عرق وقد تم عكسها، وهو ما ينتقده الناقد أيه أو سكوت بشدة: "ليس هنالك الكثير هنا مما لم تشاهده من قبل، والقليل جدا مما لا يمكن وصفه بالفج والواضح الواقف على حدود المهين، حتى وإن حاول أن يبدو مشجعا وإيجابيا".(4)

 


ربما يصبح الميل للتسطيح الذي تعامل به الفيلم مع موضوعه مفهوما بالنظر لفيلموجرافيا بيتر فاريلي، مخرج الفيلم وأحد كُتّابه، التي تكاد لا تحتوي سوى أفلام كوميدية ساذجة على غرار "الغبي والأغبى" (Dumb and Dumber) و"هال السطحي" (Shallow Hal) و"أنا - نفسي وآيرين" (Me, Myself and Irene) والتي منيت جميعا بفشل نقدي كبير. (5)


كما يبدو الفيلم محاولة من صُنّاعه لاستغلال اللحظة الراهنة، حيث يلقى أي فيلم يتناول موضوع العنصرية، في أعقاب حملة أوسكار بيضاء جدا عام 2015، اهتماما كبيرا سواء من الجماهير أو من القائمين على جوائز السينما بأميركا. يصبح بهذا الفيلم، وفقا للناقد إنكو جانج، محاولة لمداعبة مشاعر الجماهير البيضاء التي تود أن ترى نفسها في ضوء إيجابي على الشاشة فتتماهى مع توني المنقذ الأبيض للسود؛ وفي الوقت نفسه، محاولة لجذب الجوائز التي باتت تفضل ترشيح أفلام تُعنى بمواضيع مثل العنصرية وحقوق المرأة مؤخرا. وقد لقيت تلك المحاولة بالفعل نجاحا كبيرا، فترشّح الفيلم لخمس جوائز جولدن جلوب فاز بثلاثة منها، كما رُشّح أيضا لثلاث جوائز أوسكار ومن المنتظر أن يفوز بواحدة منها على الأقل.(6)


وسط كل هذا، يبقى أفضل قرار اتخذه فاريللي في "الكتاب الأخضر"، هو اختياره لمهارشلا علي وفيجو مورتنسن ليلعبا دور دون وتوني. فكلا الممثلين استطاع أن يأخذ شخصية كُتبت كمحض تجميع لقوالب جاهزة وبث فيها عبر الأداء المتمكن الروح. فمورتنسن، بالجسد الممتلئ الذي اكتسبه لأداء الدور وتمثيله لشخصية توني الذي ينضح بالعفوية والطيبة، وعلي الذي تمكن من أن ينقل عبر تعبيرات وجهه وحدها مشاعر العزلة والاغتراب لأميركي أسود في أواسط القرن العشرين يتعرض للاضطهاد ولا يشعر أنه ينتمي لأي فئة أو مكان، استطاعا الارتقاء بالفيلم وبث الحيوية فيه؛ فلولاهما ما كان "الكتاب الأخضر"، رغم مشاكله الكثيرة، تجربة تستحق المشاهدة.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار