انضم إلينا
اغلاق
لماذا وقعنا في حب مسلسل "أصدقاء" (Friends)؟

لماذا وقعنا في حب مسلسل "أصدقاء" (Friends)؟

آية طنطاوي

كاتبة
  • ض
  • ض

يصرخ چوي محتجا وغاضبا: "هذه تغييرات كبيرة!"، فأصدقاؤه يمرون بأحداث جديدة في حياتهم، فيبي تزوجت، مونيكا وتشاندلر سينتقلان إلى ضاحية جديدة وبيت جديد، وريتشل ستسافر إلى باريس، هؤلاء الأصدقاء سيتفرقون بالتدريج، لأن الحياة يجب أن تمضي قدما بالجميع، لكن چوي لم يتقبل الأمر، ونحن نجلس على أرائكنا المريحة في المنزل نتابع ما يحدث في الحلقات الأخيرة من المسلسل ونقول مثل چوي: "لا! كيف ينتهي هذا المسلسل فجأة بعد كل تلك السنوات".

 

سبتمبر/أيلول 1994 هو تاريخ العرض الأول لمسلسل السيت-كوم الشهير "أصدقاء" (Friends) والذي ظل مرافقا لجيل الثمانينيات والتسعينيات على مدار عشر سنوات تحوّل خلالها الأطفال إلى مراهقين، والمراهقون إلى شباب يافعين، وحتى يومنا هذا، أصبح المسلسل متاحا على منصة نتفليكس والأجيال الشابة الحالية ما زال يثيرها الفضول لمشاهدة هذا العمل الذي يتحاكى عنه الجيل السابق دوما. أثر "أصدقاء" ما زال ممتدا إلى الآن كأن هناك سحرا خاصا يجذبنا دون مجهود لمشاهدة هذه الرحلة الطويلة نسبيا لهؤلاء الأصدقاء الستة دون ملل من تكرار المشاهدة، لكن ما الذي يجذبنا حقا ويجعلنا نحب مسلسل "أصدقاء" (Friends)؟

  

 

مفهوم جديد للعائلة

كانت الخمسينيات والستينيات هي مرحلة الظهور الأول والعصر الذهبي لكوميديا الموقف* على شاشة التليفزيون والتي اعتمدت في بنائها الدرامي على قوالب معينة، فكان الشكل السائد فيها للعلاقات بين الشخصيات يعتمد بالأساس على وجود "عائلة" وتدور الأحداث بين أفرادها وداخل المنزل، استمر الأمر لسنوات طويلة، لكن في أواخر الثمانينيات وعلى عتبات الألفية الجديدة تغير كل شيء، وأصبحت علاقات الصداقة أشد حميمية من علاقة العائلة ودون وصاية أو سلطوية، لا على أرض الدراما فحسب، بل إن نمط الحياة الحديثة المستقلة عن وثاق الأهل فرض شكلا جديدا للعلاقات تجاوزت فكرة الارتباط -فقط- بالعائلة، وأصبحت الصداقة تتشكّل على أرض جديدة بمفهوم أكثر عمقا وثقلا، كأنها عائلة حقيقية، ومسلسلات السيت-كوم التي تبني قوامها على هذا النوع من العلاقات يطلق عليها "Pseudo-domcom" أو كوميديا العائلة الزائفة[1]. عام 1989 تعرفنا على مجموعة من الأصدقاء يعيشون معا في سيت-كوم "ساينفلد" (Seinfeld) فكان الملهم لسلسلة أعمال درامية لاحقة ستبني قوامها على رابطة الصداقة، وكان "أصدقاء" (Friends) هو التعرف الأول لجيلنا الشاب على هذا النوع من كوميديا الموقف.

 

"مسلسل "أصدقاء" (Friends) عن أوقات حياتك عندما يكون أصدقاؤك هم عائلتك"

(مارتا كوفمان، كاتبة المسلسل)

   

لأننا بحاجة إلى أصدقاء

جزء من تشكل هويتنا يرتبط بالعلاقات السليمة التي نخوضها مع الآخرين، ولا مجال هنا للحديث عن العلاقات الخفيفة أو المشروطة. بالانفصال عن الأسرة والخروج إلى المدرسة والجامعة والعمل نكتشف الناس وأن وجودهم في حياتنا يُشكّل مساحات جديدة تتداخل مع ذواتنا، وتتحول علاقات الصداقة إلى دعم متأصل لهوياتنا الاجتماعية[2] ومن هنا تتكون الصداقات. في "أصدقاء" نشاهد جذورا أصيلة تربط بينهم جميعا، بل إنها تزداد ترابطا بمرور الوقت الذي يمتد بينهم وبيننا لعشر سنوات/عشرة مواسم. عندما نشاهد أي عمل درامي رومانسي نتمنى أن نقع في الحب مثل الأبطال، الشيء نفسه حدث هنا، فهؤلاء الأصدقاء داعبوا مشاعر جديدة بداخلنا وهي الرغبة في أن يكون لنا أصدقاء حقيقيون يشبهونهم، نعيش معهم معا ونشاركهم لحظاتنا الطيّبة والسيئة، يجيدون احتضان أزماتنا ومشاكلنا، يجلسون معنا على الأرائك نفسها، نفعل معهم كل شيء بحرية ويتحولون إلى مأوى وملاذ آمن يساعد ذواتنا على البقاء.

   

  

" "أصدقاء" (Friends) هو النسخة السيت كوم من الحياة"[3]

 

الأريكة

هناك دائما في منزلك أريكة مفضلة تجلس عليها وتشعر معها بالاسترخاء، تتحول إلى بقعتك الخاصة المفضلة، وعلى الأغلب تأكل وتقرأ وتشاهد التلفاز وأنت جالس عليها، وعلى الشاشة في بداية تعرفنا الأول على "أصدقاء" تستقبلنا الأريكة الخاصة بهم وهم يتوافدون عليها تباعا، سنعرف أنها جزء رئيس من حياتهم حيث يجلسون ويتبادلون الأحاديث، وتوظيفها الدرامي لا لشيء عدا إكسابنا شعور الأريحية الذي تشعر به تماما وأنت تحدق في التلفاز؛ ليست الأريكة فحسب، هناك المقهى (Central Park) وغرفة المعيشة، كلها أماكن مغلقة وحميمة، وترتبط بحيواتنا أيضا ومقاهينا وأرائكنا الخاصة. عند انتهاء أجزاء المسلسل تحولت أماكن المسلسل إلى ذكريات، الباب بنفسجي اللون، الأريكة البرتقالية، شقة مونيكا، طاولة الطعام، كراسي جوي وتشاندلر "La-Z-Boy"، المقهى، هناك العديد من المقاهي حول العالم الآن تحمل اسم "سنترال بارك" لتجذب الجمهور من محبي "أصدقاء" (Friends). نحن لم نرتبط بأبطال المسلسل فحسب بقدر ارتباطنا بأماكنهم الحميمة، فالأماكن تُخلّد ذكراهم إلى الأبد.

  

"مصدر الكوميديا في السيت-كوم ينبع من البشر بأخطائهم وعيوبهم الإنسانية"[4]

 

كوميديا متصلة كالحياة

ست شخصيات من قلب ولاية نيويورك تستطيع أن تجعل شابا في شرق العالم يصرخ من فرط الضحك، الكوميديا هنا لا تحتاج إلى ثقافة من نوع خاص لتفهمها، بل إنها تنبع من أشخاص عاديين يملكون حسا فكاهيا ويتورطون في مواقف حياتية تجعل من الضحك وسيلة مشتركة بيننا وبينهم. تغذّت أغلب الأعمال الكوميدية على السلوكيات السيئة للشخصيات استجلابا للضحك، كالأحمق والسمين والمتعثر في السير، لكننا هنا أمام كوميديا مختلفة تنبع من شخصيات خفيفة تملك حس دعابة فحسب دون حاجة إلى افتعال صراعات أو مفارقات أو مقالب تجلب بضع ضحكات[5].

   

  

تعتمد أيضا دراما السيت-كوم على ضحك الجمهور (Laugh Track) وهي تقنية تم تطويرها في التسعينيات بحضور جمهور حقيقي يشاهد الحلقات في الأستوديو، ويتم تسجيل أصوات ضحكاتهم أثناء فعل المشاهدة في محاولة لخلق تجربة تلقٍّ -مسرحية- جماعية[6]، وأصوات الضحكات تمنحنا كمشاهدين مشاعر تلقٍّ مشتركة، فالضحك عدوى، وانتقالها إلينا يزيد من قوام حس الدعابة، وهذه الضحكات بشكل أو بآخر تأصيل للتشاركية بين الشخصيات وبين الجمهور الضاحك ومشاهد السيت-كوم.

 

التلصص على الآخرين

في كل مرة نشاهد "أصدقاء" (Friends) من الزاوية نفسها كأننا نحفظ أماكنهم وأماكننا، فزاوية التصوير الثابتة والموقع الثابت يذكرنا ببرامج الواقع (Reality TV Shows)، كأن الكاميرا مثبته في أحد البيوت وتراقب أهله، ونحن بطبيعة الحال نحب التلصص، أن نعرف كيف يعيش الآخرون داخل بيوتهم الموصدة عليهم؟ عمّ يتحدثون؟ وكيف يعيشون؟ وإن كانوا أصدقاء كيف يتعاملون كأصدقاء في بيت واحد؟

   

  

في اللحظة التي تطلب فيها مونيكا يد تشاندلر[1]  للزواج انسحب چوي خارجا ليتركهما في تلك اللحظة الرومانسية الخاصة، وبقينا نحن نشاهد طلب الزواج، أصوات الجمهور في العرض تتعالى ونحن أمام الشاشة نحبس أنفاسنا على هذه اللحظة الرومانسية التي ستغير مسار علاقة مونيكا وتشاندلر، هذه العلاقة تشكّلت بشكل ما بين الجمهور وبين الأبطال الستة، هم فتحوا لنا أبوابهم ونحن مستمتعون بالمراقبة التي امتدت لفعل أكثر خصوصية وتشاركية. الكثير من جمهور "أصدقاء" (Friends) لا يعتبرهم شخصيات درامية، يظنون أنهم حقيقيون تماما، ورفض عدد من محبي المسلسل فكرة وجود الممثلين الستة في أعمال أخرى لأنهم يعتبرونهم حقا أصدقاء، وهو ما يعيدنا من جديد لعلاقتنا مع أشخاص يجلسون أمامنا بأريحية على الأريكة، فكيف لنا أن نتوقف عن التلصص الحميم عليهم كأنهم حقيقيون تماما؟

  

النوستالجيا

ما زال الماضي يشغلنا ويستحوذ على حاضرنا الذي نعيش، والتلفاز، الوسيط الترفيهي الذي كنا نلتف حوله، قدم لنا على رأس كل ساعة وجبات ترفيهية ستنطبع في ذاكرتنا إلى الآن. "أصدقاء" (Friends) ذكرى أول مسلسل سيت-كوم يجعلنا نضحك ونبكي ونحب ونكره، داعب مشاعرنا فأصبح جزءا منا. في سبتمبر/أيلول القادم سيحتفل محبو "أصدقاء" (Friends) بمرور 25 عاما على العرض الأول له، وكل هذه الأعوام تحمل معها الساعات التي قضيناها بصحبة الأصدقاء، كأنه احتفال خاص بأعمارنا التي مرت بالتزامن مع ذكرى "أصدقاء" (Friends).

  

  

إنها نوستالجيا جيل التسعينيات التي عاصرها جيل تتراوح أعماره الآن بين العشرين والثلاثين والأربعين، ولأن الأصدقاء احتلوا دون سواهم هذه المساحة المضحكة في أيام الصبا لم ترتبط ذاكرتنا بأحد سواهم، وأثر الذكرى ما زال ممتدا إلى أجيال نتفليكس التي بضغطة واحدة تستعيد أعواما كاملة عشناها سابقا مع الأصدقاء.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار