انضم إلينا
اغلاق
لماذا لا يتوقف هوس هوليوود بأفلام الملاكمة؟

لماذا لا يتوقف هوس هوليوود بأفلام الملاكمة؟

رحمة حداد

محرر فن
  • ض
  • ض

"الملاكمة هي مجاز لكل ما نفعله في الحياة، إذا كنت تصنع الأفلام فأنت داخل الحلبة كل مرة"

    

في نهاية السبعينيات تحطمت معنويات المخرج مارتن سكورسيزي بسبب فشل فيلمه الغنائي "نيويورك، نيويورك" نقديا وجماهيريا، دخل في دوامة من الاكتئاب أودت به إلى جرعة زائدة من الكوكايين كادت أن تقتله، لم يكن السؤال هو ما الفيلم الذي سينفذه لاحقا، بل كان هل سيصنع أي فيلم آخر على الإطلاق؟ في هذه اللحظة المؤلمة من حياة سكورسيزي زاره الممثل روبرت دي نيرو في المستشفى أثناء تعافيه، ومن وقتها وهما حسب كلام دي نيرو مثل الإخوة، في تلك الفترة كان كل ما يشغل بال دي نيرو هو كتاب السيرة الذاتية الخاص بالملاكم جيك لا موتا، وشعر أن سكورسيزي هو الرجل الملائم لمهمة تحويله إلى فيلم، لكن الأخير لم يكن مستعدا للعودة إلى السينما، خاصة لصنع فيلم مليء بمشاعر الغضب والحزن.

   

لكنه فجأة استوعب أنها قصة رجل تأكله شياطينه ومشاعره الجامحة حيا وينبذ كل شخص يقدم له يد المساعدة، وبسبب اقتراب أوصاف تلك الشخصية منه في تلك المرحلة المعتمة من حياته رأى سكورسيزي حياة الملاكم فرصة للخلاص والتطهر يمكنها أن تنقذ حياته الشخصية والمهنية، فأخذ على عاتقه تنفيذ فيلم "الثور الغاضب" بأفضل شكل ممكن، مما جعله واحدا من أهم أعماله بالإضافة إلى أنه بث فيه من روحه، فهو لم يعتبره فيلما عن رياضة الملاكمة، بل فيلم شخصي حميم يتناول المشاعر الإنسانية أكثر مما يتناول نتائج جولات المباريات.(1)

  

لا تعتبر الملاكمة من الرياضات الأكثر شعبية في العالم ولا حتى في أميركا وحدها، لكن لسبب ما لا تكل هوليوود ولا تمل من صنع أفلام عن الملاكمين بل والملاكمات، فهي أفلام يسهل تحديد من الأبطال فيها ومن الأشرار، تكون فيها دوافع الجميع واضحة والأهداف مرأى العين، يمكن لمخرج مثل سكورسيزي من خلال فكرة الرياضة المجردة أن يُعبّر عن أكثر مشاعره حميمية وشخصية، وعلى الجانب الآخر يمكن استخدام المتنافسين الشرسين على حلبة الملاكمة لإسقاط الآراء السياسية، اعتاد الجمهور سماع صافرات الحكام وهتافات المدربين وتطاير الدماء من أفواه المتسابقين، فأصبحت أفلام الملاكمة أشبه بنوع في حد ذاته، لكن ما المزايا والأفكار القصصية التي تجذب صانعي الأفلام لتلك الرياضة تحديدا؟

  

      

سردية رحلة البطل

"ينطلق البطل من عالمه العادي إلى منطقة من العجائب الخارقة للطبيعة، يكتسب فيها قوى عظيمة ويفوز بقتال مصيري، يعود بعده البطل من مغامرته ممتلكا قوة وحكمة كافيتين لينقلهما للآخرين ويتغير من داخله"

    

في القصص الأسطورية القديمة عادة ما يوجد خطوات ووقفات محددة في رحلة كل بطل يذهب في رحلة مصيرية، ينتقل من عالم إلى عالم آخر حيث تحدث المغامرة، يمضي أوقاتا يشكك فيها في قدراته وقابلية تخطيه للصعاب ومن ثم الوصول إلى هدفه، وفي نقطة ما على الطريق يقابل كيانا ما، سواء كان إنسانا أو كائنا من نوع آخر، يرشده إلى طريق اكتساب القوة ويأخذ بيده لتخطي المحن، ثم يعود إلى عالمه فائزا ومليئا بالحكمة.

  

بالطبع لم تُروَ الأساطير في عصورها الأصلية على أسس مدروسة بهذا الشكل، ولكن أتى الدارسون بعدها ليخلقوا النظريات حولها، بل تحولت تلك النظريات إلى تركيبات تسير عليها القصص الحديثة تيمّنا بالأسطورة. ترجع بداية دراسة الأساطير للعام 1871 على يد عالم الإنسانيات إدوارد بيرنت تايلر، حدث ذلك عندما بدأ في ملاحظة الأنماط المتكررة التي تجمع رحلات الأبطال داخل أساطيرهم، لكن الدراسة أخذت شكلا أكثر تفصيلا بعد ذلك بسنوات بفضل جوزيف كامبل مؤلف كتاب "البطل ذو الألف وجه"، وفيه يفصل كل خطوة في تلك الرحلة وكأنها كتيب إرشادات لكُتّاب القصص والأفلام.

  

يقسم كامبل الرحلة إلى 17 مرحلة متفرقة على مدار ثلاثة فصول، سواء كانت فصولا قصصية أو مسرحية أو سينمائية، يتعرض البطل في الفصل الأول لنداء لمغامرة ما، يرفضه في البداية ثم بشكل سحري أو قدري تأتيه المساعدة على هيئة مرشد، يوقظ فيه رغباته وقدراته الكامنة ليذهب في مغامرته، بعدها يبدأ الفصل الأول بطريق وعر مليء بالاختبارات والمخاطر، وفيه يقابل ما يسميها كامبيل ربة الجمال وهي مجاز للإغراء الذي من الممكن أن يحيد البطل عن مهمته، ينفذ البطل كل ما يلزم لتنفيذ مهمته ويصبح منتصرا، حينها يدخل فصله الثالث والذي من المفترض أن يعود فيه إلى عالمه سواء كان عالما مختلفا حقا أو مجرد مجاز، لكنه يرفض العودة في البداية، لكنه يعلم أن عليه نقل الحكمة إلى الآخرين فيعود ويصبح سيدا للعالمين بنبله وحكمته. 

  

جوزيف كامبل
جوزيف كامبل (مواقع التواصل)

  

تجعل تركيبة رحلة البطل الفيلم قابلا للفهم بسهولة، ويمكن للجميع أن يتأثر ويتفاعل مع البطل بانتصاراته وسقطاته، يتوحد المشاهد مع البطل ورحلته ويتوقع ما سوف يحدث لكنه أبدا لا يمل من ذلك التكرار، يستخدم صانعو أفلام الملاكمة تلك الحيلة ببراعة، وهي حيلة متكررة في معظم الأفلام الرياضية، نادرا ما تحيد الأفلام عن الوصفة المثالية، تبدأ ببطل تستحوذ عليه رغبة في مغادرة عالمه القديم أو منزله ليصبح مقاتلا حقيقيا أو يصبح الأفضل في مجاله، يبدأ ضعيفا متشككا ثم يرمي القدر في طريقه مرشدا أكثر منه حكمة وخبرة يضعه على الطريق، فينطلق البطل في سلسلة من النجاحات يسمو فيها فوق ذاته القديمة ويتعلم الكثير.

  

عادة ما تكون فرص البطل شبه مستحيلة، فهو المبتدئ الفقير وخصمه الضخم المتدرب في أفخم النوادي، لكنه يجد ثغرة لينتصر، وهو ما ينقلنا للنقطة الأخرى في تفكيك عوامل جاذبية تلك النوعية من الأفلام وهي الميل للمستضعفين.(2)

   

الميل للمستضعف

لكي تنجح سردية رحلة البطل في أفلام الملاكمة يجب أن تكون مشبعة عاطفيا للمشاهد، يحدث ذلك عندما يكون البطل مستضعفا لكنه نبيل ذو مواهب لا يمكن إغفالها، ربما هو أفقر من منافسيه، أقل في الوزن والإمكانيات، لا يملك ما يملكونه من تكنولوجيا ومعدات، لكنه يملك قلبا شجاعا يعبر به تلك الثغرات ولو بعد معاناة. يملك المستضعف قيمة تجعله محببا لدى الجمهور، يشجعونه بملء قلوبهم، يبكون لبكائه ويهللون لفوزه، تكمن تلك الجاذبية في أنهم يرون أنفسهم فيه، يجعلهم يتساءلون ماذا لو بإمكاننا نحن أيضا غور تلك المناطق وخوض تلك الأهوال حتى نصل إلى القمة.

    

  

ينتظر الجميع أن يفوز روكي على البطل الأكثر حظا منه، فالبطل المبتدئ المستضعف هو بطل الشعوب، يحمل على عاتقه هموم الطبقات العاملة ويحمل ملامح قريبة من الرجل العادي الذي يضع نفسه تلقائيا مكانه، كأنه يلعب لعبة إلكترونية لكنها عامرة بالمشاعر. لذلك يعد فوز ذلك البطل وانتصاره حدثا جللا، لا يتعلق فقط بموقعه داخل لعبة رياضية، لكنه يمتد ليملأ قوالب فارغة ذات معانٍ مختلفة، فيصبح تارة نصرا سياسيا، وتارة عائليا أو إنسانيا أو حتى دينيا.

  

الإسقاطات في أفلام الملاكمة

حتى وقتنا هذا لم تتخلص أميركا من عدائها لروسيا أو الاتحاد السوفيتي سابقا، منذ الحرب الباردة وعلاقتهما المضطربة بعد الحرب العالمية الثانية، لكن حتى بعد انتهاء الخلافات رسميا لا تخلو السينما أبدا من الإشارة إليها، مستغلة صراع الرياضة البريء لكي تحوله إلى صراع آخر، صراعات بين ثقافات وبلدان وسياسات، يمكن رؤية ذلك بوضوح في رابع أجزاء سلسلة الملاكمة الشهيرة "روكي" من إخراج وبطولة سيلفستر ستالون، وأكثرها نجاحا ودرا للأرباح، فيه يصعد الاتحاد السوفيتي لمشهد الملاكمة عن طريق الواعد إيفان دراكو، ينازله في أميركا أبولو كريد، لكن الأخير يلقى حتفه على يد دراجو بشكل مأساوي، محملا بالغل والغضب لصديقه يقرر روكي بالبوا البطل الأشهر في أفلام الملاكمة الانتقام لصديقه ولبلده عبر منازلة دراجو في الاتحاد السوفيتي وإلحاق العار به.

   

  

يُعتبر ذلك استخداما لقالب الفيلم الرياضي للإسقاط السياسي، لكن ليست كل الإسقاطات قومية أو سياسية، فمن الممكن أن تكون مجازا لشعور إنساني، مثل فيلم "مليون دولار بيبي" لكلينت إيستوود، الذي يختلف عن غالبية الأفلام لكون بطلته امرأة، لكن هنا يكمن المجاز، يرفضها جميع المدربين ويقبل بها فرانكي القائم بدوره كلينت إيستوود نفسه، وهو الأب المسن الذي يملك علاقة مضطربة بابنته يحاول أن يعوّضها عن طريق تدريب الفتاة التي سوف يحبها كابنة ويصبح مرشدا لها حتى تنجح، يتحمل رؤيتها تتعرض لأسوأ أنواع العنف من ملاكمات أخريات لا يمتلكن نزاهتها أو أخلاقها الرياضية، لكن هذا العنف محبب بشكل أو بآخر، يستمتع الجمهور برؤية اللكمات القوية والخروج عن قواعد اللعبة، والغريب أن السينما أيضا تحبه وتبحث عنه.(3)

  

العنف السينمائي

لقطات الدم القاني المتطاير واللعاب السائل، ارتطام الرؤوس بالتصوير البطيء بأرضية الحلبة والحركة الثنائية المتناغمة والعنيفة في آن بين المقاتلين، كل تلك صور ومشاهد نراها في أفلام الملاكمة، تبدو شاعرية وسينمائية رغم قسوتها، إنها أقرب لرقصة وحشية بين جسدين تسنح للمخرجين بفسحة كبيرة للخيارات الجمالية والإخراجية، تتفاوت بين القطعات السريعة التي اعتمدها سكورسيزي في فيلمه "الثور الغاضب" في الثمانينيات أو اللقطة الطويلة دون قطع التي تُظهِر اللاعبين من جهات عدة يحومون حول بعضهما التي اعتمدها ريان كوجلر في فيلم "كريد" عام 2012، فيصبح العنف السينمائي مبررا ذا سياق حكائي بالإضافة إلى قيمته الشكلية التي تكمن في جماليات الرياضة نفسها وحركة الجسد الإنساني.(4)

   

يصعب اعتبار الملاكمة رياضة شعبية مثل كرة القدم أو حتى كرة السلة، لكنها بالتأكيد رياضة شعبية في الأفلام، نستقي معلوماتنا عنها عن طريق الشاشة الفضية، نتفاعل مع دفعات الأدرينالين مع اللكمات المتتالية متشوقين لمعرفة الفائز وكأنها مباراة حقيقية، أو نتفكر في المعاني الخفية وراء الإشارات التي وضعها خفية صانعو الأفلام.

آخر الأخبار