انضم إلينا
اغلاق
الفيلم الياباني "ميراي".. عن الطفولة والعائلة والعصر الحديث

الفيلم الياباني "ميراي".. عن الطفولة والعائلة والعصر الحديث

The Atlantic

مجلة أميركية
  • ض
  • ض

إن شاهدت المقطع الدعائي لفيلم المخرج مامورو هوسودا "ميراي" فلن ألومك إن ظننت أنه يبدو طفوليا بعض الشيء. يتبع الفيلم الياباني رحلة الصبي كون تشان البالغ من العمر 4 سنوات في صراعه مع غيرته من أخته الرضيعة المولودة حديثا "ميراي"، إلى أن يلتقي بالنسخة المراهقة منها، في تحول خيالي للأحداث. نرى الفيلم في أغلب الوقت بعيني الصبي الصغير، حيث تشتعل الأحداث في الفيلم كما تشتعل نوبات غضب الأطفال، ويصبح السحر بديهة لا مجال للتشكيك فيها أو مساءلتها. تدور الحبكة حول التجارب البسيطة للحياة اليومية للأطفال الصغار، أمور مثل التقاط الألعاب من على الأرض أو الضياع في محطة قطار.

 
علّق الكثير من النقاد على التصوير الحيوي للفيلم، ففي تقييم على نيويورك تايمز، كتب بيلجي ابيري أن فيلم "ميراي" بدا كما لو أنه "حلم طفل فطن للغاية"، وقالت إيميلي يوشيدا من مجلة فالتشر: "إن ارتكاز ميراي حول قصة طفل صغير يضمن الإعجاب من النظرة الأولى". وفي حين أن هذه الملاحظات في محلها فإن هناك سردية أخرى تتكشف في خلفية حكاية ميراي عن الطفولة؛ وهي حكاية والد كون تشان. فبرواية قصته، يكشف الفيلم أنه لا يدور حول صبي صغير وأخته فحسب، بل كذلك حول رجل يبحث عن توازنه في زمن واجهت فيه الأدوار التقليدية للآباء في اليابان تحديات كثيرة.
      

  

نلتقي للمرة الأولى بأوتوسان "تعني الأب باليابانية" بانتقال بطيء صعودا من قدميه حتى رأسه حيث تحاكي الكاميرا نظرات عيون كون تشان من منظوره كطفل صغير. كان أوتوسان وأوكاسان "الأم باليابانية" قد عادا للتو من المستشفى يحملان ميراي. يلقي كون تشان بنفسه على قدمي والدته، منتحبا لشعوره بالوحدة في غيابها ويتجاهل والده. وحيث تتكشف أحداث الفيلم، يتضح أن أكثر من تغير كبير يحدث في المنزل. وبالنسبة للطفلة الثانية للزوجين ستقطع أوكاسان إجازة الأمومة مبكرا لتعود للعمل، بينما سيتولى أوتوسان، المهندس الذي اتجه مؤخرا للعمل الحر، مجمل أعمال المنزل وواجبات رعاية الأطفال.
 
في البداية يوضح المخرج ذلك التغير بمرح وفوضى؛ ففي الصباح التالي لمجيء ميراي، تجلس العائلة على طاولة الطعام، يصرخ كون تشان طالبا إفطاره، الحليب والموز، وكل طلب يسبقه نداء متذمر "أوكاسان"! لكن أمه تجلس صامتة على طرف الطاولة منصرفة تماما إلى إرضاع الطفلة ويهرع أوتوسان مجيبا "نعم!" بدلا منها عندما يهتف كون تشان "أمي" ويحرص على تلبية ما يريده؛ ولكن كلما ناول الوالدُ الطفلَ شيئا يدفع يده بعيدا بعناد. إن نيّات أوتوسان الجيدة وجهوده المخلصة للقيام بمهام رعاية الأسرة لن تكون كافية بالضرورة، كما يقترح هوسودا، لإعادة ترتيب هيكل السلطة في الأسرة على الفور.
 

في مرحلة ما تذكُر أوكاسان أنه عندما ولد كون تشان، كان أوتوسان غائبا دوما عن المنزل، فافترضَت أن الرجال بطبعهم غير مهتمين بالأطفال. وبينما كانت تشرح كيف فعلت كل شيء بمفردها بدا على أوتوسان الأسف وأومأ برأسه معتذرا. بينما تتبع القصة الأساسية كون تشان إذ يوثق علاقته بأخته القادمة من المستقبل، يستخدم المخرج أجزاء من المحادثات الخلفية للتلميح إلى أن أوتوسان ربما لم يكن أكثر الآباء أو الأزواج حضورا. رغم أن هناك صفة مشتركة عالمية لصراع كون تشان، التحول من طفل وحيد إلى أخ أكبر، فإن تحول أوتوسان يبرز لا سيما مع تحول ثقافي أوسع في اليابان.

      

في مقابلاته حول فيلم "ميراي"، قال هوسودا إنه حاول "تصوير المشاكل الاجتماعية في اليابان وتصوير العائلة وتوضيح مدى ارتباطهما"، مع إيلاء اهتمام خاص إلى تزايد ظاهرة عدم الإنجاب في البلاد وتغير ثقافة العمل. ففي ديسمبر/كانون الأول الماضي أفادت وزارة الصحة والعمل والرفاه أن عدد الأطفال المولودين في اليابان قد انخفض إلى أدنى مستوى له على الإطلاق مع ما يقدر بنحو 921 ألف ولادة في عام 2018، وهو انخفاض حاد مستمر في عدد السكان في البلاد. أضف إلى ذلك القوة العمالية سريعة التقدم في العمر، وكذلك ثقافة مكان العمل سيئة السمعة في اليابان، حيث أصبح تجاوز 40 ساعة من العمل الإضافي في الأسبوع أمرا معتادا، وليس الكاروشي (الموت عن طريق الإفراط في العمل) بالأمر الجديد. لمكافحة هذه المشاكل، اقترح رئيس الوزراء شينزو آبي إصلاحات لخفض أوقات العمل الإضافي، وكذلك سياسات لتشجيع "اقتصاد المرأة"، أي فكرة تعزيز مشاركة المرأة في العمل لسد الفجوات التي خلّفها كبار السن.
 
ولئن كانت هذه الإصلاحات واعدة على الورق، فإنها قد فشلت من الناحية العملية. حيث يصف مقال صحفي جديد في "نيويورك تايمز" واقعا كئيبا تُكلف فيه اليوم النساء اليابانيات بالعمل داخل المنزل وخارجه، وهو شيء بعيد كل البعد عما صوره "اقتصاد المرأة" من الأسر الممكَّنة والمتكافئة. ووفقا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يساهم الرجال اليابانيون بأدنى عدد ساعات من الأعمال المنزلية بين الرجال في دول المنظمة. ووجدت دراسة منفصلة أجراها نوريكو تسويا، وهو أستاذ جامعي في جامعة كيو (يشار إليها أيضا في مقالة التايمز) أن الرجال اليابانيين يقومون في المتوسط بأقل من خمس ساعات من العمل المنزلي في الأسبوع في المنازل، في حين عادة ما تقوم النساء اللواتي يعملن عما يزيد على 49 ساعة أسبوعيا، بنحو 25 ساعة من العمل المنزلي. لقد أثبتت التغييرات الأخرى في السياسة التي تهدف إلى أن تكون طموحة أنها فارغة، تماما كما أن مشروع قانون إصلاح أسلوب العمل الياباني الذي أُشيد به كثيرا لا يتضمن حاليا أي أحكام للإنفاذ القانوني.
 
رغم أن الحكومة اليابانية وضعت رسميا الحد الأقصى لعدد ساعات العمل الإضافي (100 ساعة في الشهر)، فإن هناك ثغرات مثل نظام "المهنيين ذوي المهارات العالية"، والذي يسمح باستثناء الموظفين ذوي الياقات البيضاء[1] من قواعد العمل الإضافي. وحتى عندما تقلل ساعات العمل الإضافي، أفادت قناة إن إتش كيه اليابانية إن بعض الرجال لا يعودون إلى منازلهم، لتجنب أعباء الأعمال المنزلية ورعاية الأطفال. وقد أدت هذه الظاهرة إلى ظهور مصطلح عامي ياباني جديد وهو "فراريمان". وكمأخذ على الموظف الياباني، فإن فراريمان هي صفة تستخدم لوصف تجوال الموظفين بلا هدف وتسكعهم في الحدائق العامة والمتاجر لتجنب العودة إلى منازلهم، وذلك حتى بعد الانتهاء من العمل في ساعة معقولة.

   

إن فيلم هوسودا حكاية خيالية مرحة ورؤية متفائلة للأبوة في الوقت ذاته

مواقع التواصل الاجتماعي
  

وهكذا تواجه اليابان هذه المعضلات الاجتماعية المزدوجة؛ ففي الوقت نفسه الذي يُراد فيه حث النساء على المشاركة في سوق العمل، تحتاج اليابان من الأمهات الولادة وتربية الأطفال، وكذلك في محاولة تخفيف ظروف العمل الوحشية لإتاحة مزيد من الوقت في المنزل للرجال والنساء تم خلق أسطول من الرجال المشردين الذين يرفضون العودة إلى منازلهم، وخلال هذه اللحظات من التغير المستمر للعائلات والأهالي الذين يواجهون أزمة، وصلت ميراي إلى اليابان.
 
إن فيلم هوسودا حكاية خيالية مرحة ورؤية متفائلة للأبوة في الوقت ذاته، وهي رؤية تعيد تخيل دور الرجل في المجتمع الياباني بصدق وروح دعابة. يعج فيلم "ميراي" بمشاهد يتعثر فيها أوتوسان ويفشل؛ إنه رجل لطيف ولكنه في بعض الأحيان شخص أناني أمامه الكثير ليتعلمه. ويجتهد أوتوسان، الذي كان يعمل في السابق بدوام كامل، ليحقق توازنا بين مهنته كمعماري حر ورعايته للأطفال، وهو ما يشير إلى الواقعين المترابطين لتغيّر مكان العمل والثقافة الأسرية في اليابان. وحيث يتنقل ذهابا وإيابا إلى الحضانة، متجولا في الأنحاء دافعا عربة الأطفال أمامه، عندما يجلس أوتوسان في النهاية للعمل على مشروع ما، يكون قد غلب عليه الإرهاق ولا يتمكّن من التركيز. ومن ناحية الأبوة، لا يستطيع حمل ابنته دون أن تبكي، وكذلك لا يمكنه تعليم ابنه أن يركب دراجة دون أن يخرج كون تشان عن السيطرة.
 
وحتى المجتمع بأكمله يشكك في قدرات أوتوسان؛ ففي وقت مبكر من الفيلم، يتباهى أوتوسان في الفناء الأمامي أمام مجموعة من الأمهات، قائلا إنه ليس من الصعب عليه الاعتناء بالأطفال، بينما تقف النساء مذهولات من بقائه في المنزل. وعندما يعود للداخل ليضع قدرا من الماء على الموقد يبدو سعيدا معتدّا بذاته، تنظر أوكاسان إليه بغضب وتخبره أنه لا ينطلي على النساء ادعاؤه باللا مبالاة، وأنهن يتحدثن عنه من وراء ظهره. وعندما تنتهي من تعنيفها له، يغلي الماء وينسكب، فينحني أوتوسان لمسح الماء من على الأرض بقطعة قماش، ولكن أوكاسان تخبره ببرود بأن القماش الذي يستخدمه مخصص للماء المنسكب على المنضدة وليس على الأرض، فيميل بحزن وأسى.
   

مامورو هوسودا، مخرج فيلم "ميراي" (مواقع التواصل)

 
بعرض محاولات أوتوسان للتظاهر بالكفاءة وعدم مراعاة أوكاسان لمشاعر زوجها، يعقّد المخرج فكرة أن يكون الرجال هم مقدمي الرعاية الأساسيين. حيث لا يريد الفيلم أن ينظر إلى أوتوسان باعتباره شهيد المجتمع، كما لا يريد أن يحصل على فضل أكبر مما يستحقه بالفعل. فبالنسبة إلى هوسودا، لا يمكن أن تعتمد رحلة تطور أوتوسان كوالد على المظاهر والثقة الزائفة؛ يجب عليه أولا أن يدرك عيوبه الخاصة بارتكاب الأخطاء والتعلم منها، وحينئذ فقط يمكن أن يصبح والدا أفضل.
    
أحيانا يبدو هوسودا عديم الرحمة في تصويره لتخبّط أوتوسان، وقد يرجع السبب في ذلك جزئيا إلى أن فيلم "ميراي" مبني على قصة عائلة هوسودا وخبرتهم في إنجاب طفل ثانٍ، وهو ما يعني أن مخرج الفيلم يعرف عن ظهر قلب ما يعنيه أن يكون في مكان أوتوسان. ورغم أن الأب شخصية مساندة، من الناحية الفنية، في فيلم "ميراي"، فإنه مُنح قدرا معقولا من وقت الشاشة، كما يؤدي صوته الممثل الأكثر شهرة (على الأقل للجمهور الياباني) جين هوشينو، الذي قفز إلى النجومية في عام 2016 لتمثيله دور البطولة الرومانسي في الدراما ذائعة الصيت "Nigeru wa Haji da ga Yaku ni Tatsu" (والتي تدور بالمناسبة أيضا عن اختلاف بنية العائلة في اليابان).
 
لا يعرض لنا الفيلم نقلات مونتاج سريعة ومُرضية كما في فيلم "روكي"، ولا يتحسن أداء أوتوسان لواجاباته الأبوية في دقائق معدودة ومشاهد متسارعة، بل يشاهد المتفرج لحظات غير كاملة متداخلة من النجاح والفشل. في أحد المشاهد المؤثرة، يشعر أوتوسان باليأس بعد أن فشل في تعليم كون تشان كيفية ركوب الدراجة بدون عجلات التدريب، وهي مهمة تبدو أبوية عن جدارة. وعندما يتجول كون تشان بالدراجة على العشب بمفرده (بعد نقلة زمنية لليابان بعد الحرب العالمية الثانية لزيارة جده، يتعلم بعدها ركوب الدراجة)، يتقبّل أوتوسان فشله كمدرب ركوب دراجات. ويكتفي بالوقوف جانبا ليشجع ولده في دهشة وفرح. يبدو الأمر كما لو أنه أدرك أن ما يهم في تربية الأطفال ليس التدريب نفسه، بل تقديم الدعم الكامل.

  

   
قال هوسودا إن أوتوسان يهدف إلى تصوير "الأب المعاصر"، الذي "يصعب التعبير عن وجوده". ويشير إلى الطريقة التي تتغير بها العائلات ولا يعود بالإمكان تعريفها بأم تعمل ربة منزل وأب عامل وعدد من الأطفال. فالآن، كما يقول، نحن في عصر نبحث فيه عن عائلاتنا ونختار شكلها (وهو موضوع بارز في فيلم "سارقو المحلات" لصانعه هيروكازو كوري-إيدا والذي رُشح للحصول على جائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي).

 

رغم أن تحول الرجال لمقدمي الرعاية الرئيسيين قد لا يكون الحل لكل عائلة، أو حتى الحل للاضطرابات الاجتماعية العديدة في اليابان، يُترك المشاهدون في ختام "ميراي" مع أوتوسان الذي ما زال يبحث لكنه قد اختار الأبوة لنفسه، إنه ليس والدا مثاليا لكنه ملتزم وآخذ في التعلم والتطور.

 

في المشهد الأخير، نرى أوتوسان وهو يجهز السيارة مع زوجته استعدادا للانطلاق في رحلة عائلية. وبينما كانت يغلب التشكيك في قدرات أبوة أوتوسان على محادثاتهم السابقة، أصبح الثنائي الآن أكثر انسجاما في مناقشة ما مر به كلاهما من تغيير. تقول أوكاسان إن أوتوسان يبدو أكثر لطفا الآن، حتى إنه أكثر لطفا مما كان عليه قبل إنجابهما للأطفال. ويشير أوتوسان إلى أن الأمر نفسه ينطبق عليها. ومعا يناديان على كون تشان وميراي اللذين يستجيبان لهما مستعدين جميعا لحيثما تأخذهم رحلة العائلة في المستقبل.

-------------------------------------------------------------------

ترجمة (سارة المصري)

هذا التقرير مترجم عن: The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

آخر الأخبار