انضم إلينا
اغلاق
بعيدا عن الرومانسية الزائفة.. خمسة أفلام  تناولت الوجه الواقعي للزواج والعلاقات

بعيدا عن الرومانسية الزائفة.. خمسة أفلام تناولت الوجه الواقعي للزواج والعلاقات

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض

"كل العائلات السعيدة تتشابه، لكن لكل عائلة تعيسة طريقتها الخاصة في التعاسة"

(ليو تولستوي، آنا كارنينا)

   

ترسم معظم الأفلام لنا صورة حالمة وسعيدة عن الحب، صورة يغلب عليها الألوان الدافئة والوئام. توجد عقبات لا محالة، لكن تلك العقبات تأتي من العالم الخارجي، أما الحبيبان فمتوافقان فيما بينهما أغلب الوقت، وعندما تحل ساعة الخصام فإنها تمر سريعة، تكفي لفتة شاعرية من أحد الأطراف حتى تنقضي وتتحول لموقف رومانسي دافئ. ثم تأتي اللحظة الأهم والأجمل لتضع الخاتمة السعيدة للقصة، لحظة الزفاف، عند تلك النقطة، نترك الحبيبين مغمورين بنشوة الفرح، على أعتاب حياة جديدة مليئة بالحب والرومانسية. لكن علينا أن نتساءل، هل تلك الصورة واقعية فعلا؟

  

الحب والعلاقات والزواج في الواقع أكثر تعقيدا بكثير مما تصوره لنا السينما. ففي الحياة الواقعية، لا يحدث ذلك المشهد الذي تلتقي فيه الأعين، وفي الخلفية موسيقى حالمة، ويقع البطلان في الحب، ولا يوجد توءم روح حقيقي سيفهمك دون الحاجة إلى التواصل ولا الكلام، ولن تكفي لفتة رقيقة أغلب الوقت لتجاوز خلاف ضخم وكبير. فالعلاقات لا تولد في الحياة الواقعية بصورة كاملة دون أن تشوبها شائبة، إنها ككائن حي ينمو،[1] تحتاج إلى مجهود ورعاية وإلا ستذوي وتموت.

  

بعيدا عن الأفلام الرومانسية التقليدية، هناك أفلام على الجانب الآخر تتناول الحب والعلاقات من زاوية أعمق وأكثر واقعية. فعوضا عن الشاعرية المفرطة، تعطينا تلك الأفلام جرعة مكثفة من واقع العلاقات كما هو، بكل ما قد يحتوي عليه هذا الواقع في بعض الأحيان من دفء وشاعرية، وبكل ما يتضمنه في أحيان أخرى من مشاكل وصعاب مريرة. والآن سنتناول خمسة من هذه الأفلام.

   

مشاهد من زواج

"نحن جهلاء عاطفيا. علمونا أشياء كثيرة عن التشريح، عن وسائل الزراعة في أفريقيا، حفظنا المعادلات الرياضية عن ظهر قلب، لكنّ أحدا لم يعلمنا[2]  شيئا عن أرواحنا"

     

  

من تحت عباءة فيلم "مشاهد من زواج" (Scenes From A Marriage) للمخرج السويدي الرائع إنجمار بيرجمان، ستخرج الكثير من الأفلام في هذه القائمة. عُرض هذا الفيلم أول ما عُرض على شاشات التلفاز كمسلسل من ست حلقات، تم دمجها معا لاحقا وقُطع بعض أجزائها لتصير فيلما طوله نحو ثلاث ساعات. يصور الفيلم الحياة الزوجية لبطليه يوهان وماريان، اللذين نقابلهما أول الأمر بعد عشر سنوات من زواجهما، عند تلك النقطة، تبدو علاقتهما لنا رائعة، تمضي هادئة بلا أي مشاكل كبيرة، ولا تزال تحتفظ بقدر كبير من الود والحميمية يحسدهما عليه الأصدقاء. لكن، وكما هي العادة في أفلام بيرجمان، نكتشف بعد قليل أن ذلك كله كان جزءا من طبقة سطحية خادعة، وأن تحت ذلك السطح يوجد ما لا يسر أحد. على مدار الفيلم، يفكك بيرجمان علاقة الزوجين بشكل بارع، وعبر حوار ذكي ومتقن، يكشف المراحل والأطوار الكثيرة التي ستأخذها علاقة يوهان وماريان. استعان بيرجمان في كتابته للفيلم ببعض من ذكرياته عن حياة والديه الزوجية، وبعلاقته الشخصية بالممثلة ليف أولمن، التي أدّت دور ماريان، مما ساهم في خروج الفيلم بهذا القدر من الواقعية.

     

قبل منتصف الليل

"هذه هي الحياة الواقعية، ليست مثالية، لكنها حقيقية"[3]

     

  

بعد أن تركناهما منذ تسع سنوات في فيلم "قبل الغروب" (Before Sunset)، يعود إلينا جيسي وسيلين مرة أخرى من جديد في فيلم "قبل منتصف الليل" (Before Midnight). كنا قد تعرفنا عليهما أول مرة في أول أجزاء ثلاثية ريتشارد لينكلاتر، وهما بعد شابين في أوائل العشرينيات، عندما تقابلا مصادفة على متن قطار في فيينا، ودعا جيسي سيلين لأن يقضيا اليوم معا في المدينة قبل أن يفترقا في اليوم التالي كلٌّ إلى قطاره. ومن ذلك اليوم، وُلد "قبل الشروق" (Before Sunrise)، واحد من أجمل الأفلام الرومانسية في العقود الأخيرة. لكن الأحداث في "قبل منتصف الليل" تأخذ منحى آخر مختلفا كثيرا.

  

جيسي وسيلين الآن في أوائل الأربعينيات، مرتبطان منذ تسعة أعوام، ولديهما طفلتان. كل ذلك يعطي علاقتهما بُعدا أكثر تعقيدا وأقل رومانسية، فبعد أن كانت معظم حواراتهما في الجزأين السابقين لها طابع فكري حالم، نجدها في هذا الجزء تدور أغلب الوقت حول حياتهما العملية والأسرية بكل تفاصيلها المضنية. وبعد أن كانت العقبة الأساسية أمامهما في السابق هي البعد الجغرافي، فجيسي من الولايات المُتحدة وسيلين من فرنسا، نجد أن المسافة الخارجية التي كانت تفصلهما قد أُزيحت، لتحل محلها المسافات الداخلية التي تفصلهما، فهما يتشاركان البيت نفسه والغرفة نفسها، لكنّهما عاجزان عن التواصل. يتبع الفيلم الزوجين في محاولة لتقليص تلك المسافات، والعودة مرة أخرى لما كانا عليه في السابق.

  

أزواج وزوجات

"لا يتمحور الحب حول الشغف والرومانسية بالضرورة، إنه أيضا حول الشراكة والخلاص من الوحدة. ما يُدّمر معظم الناس هي التوقعات غير الواقعية".[4]

  

  

  

عندما أعلن جاك وسالي في إحدى الليالي لصديقيهما جايب وجودي أنهما سينفصلان، أطلقا ما يشبه الانفجار الصغير في حيوات الجميع. جاء هذا القرار بعد تفكير طويل من جاك وسالي، شعرا في إثره أن حياتهما ستكون أفضل إن عاشاها بعيدا عن بعضهما البعض، أما جودي، فاستولت عليها حالة من الصدمة جعلتها تعيد تقييم علاقتها بزوجها جايب بعد زواج دام عشر سنوات.

  

في فيلم "أزواج وزوجات"، وعبر حوار يجمع بين الكوميديا والدراما والسخرية، وعلاقات تسيطر عليها الغرابة والاضطراب، يسلط وودي آلان الضوء على الحياة الزوجية بعد مرور السنوات الأولى. فبعد عدد طويل من الأعوام، يحدث تغيير في شخصيات الجميع لا محالة، وذلك التغيير قد يحمل أحد الزوجين أو كليهما في اتجاه بعيد عن الآخر، مهددا حالة الوفاق الأولى التي شجعتهما على الارتباط؛ ليجد الزوجان أنفسهما عند مفترق طرق، فإما أن يتقبلا ما بينهما من اختلافات ويمضيا قُدما، وإما أن يتجها نحو الانفصال ويبدآ من جديد رحلة البحث عن شركاء آخرين. عبر الشخصيات الأربعة الأساسية، يتبع الفيلم كلا الخيارين ونتائجهما.

  

نسخة طبق الأصل

"لا يوجد ما قد يُبقي على زواج قائما سوى الاهتمام، الاهتمام والوعي. الوعي بأن كل شيء يتغير، وحتى الوعود لن توقف ذلك التغيير. أنت لا تتوقع من شجرة أن تعدك بأنها ستُبقي على أزهارها بعد مرور الربيع، فتلك الأزهار تتحول بعد ذلك لثمار. بعدها، ستفقد الشجرة ثمارها، لكن [5]للأشجار العارية أيضا جمالها الخاص".

    

  

في إيطاليا، خلال الجولة الترويجية لكتابه "نسخة طبق الأصل"، يقابل المؤلف الإنجليزي جيمس ميلر امرأة فرنسية مجهولة، وبعد انتهاء فعاليات إحدى الندوات، تصحبه المرأة في جولة حول المدينة. يقضي جيمس والمرأة بعض الوقت في الجدال حول محتوى كتابه، حتى ينتهي بهما المطاف في مطعم صغير. تتحدث مالكة المطعم لهما بصفتهما زوجين، الخطأ الذي لا يصححانه، ويقضيان بقية اليوم يتحدثان ويتناقشان ويتجادلان كزوجين قضيا عشر السنوات الأخيرة مع بعضهما البعض.

  

كعادته، يتلاعب المخرج الإيراني عباس كياروستمي بمفاهيمنا حول ماهية الواقع، والفرق بين الأصل والمحاكاة، وفي "نسخة طبق الأصل"، أول أفلامه الأوروبية، يأخذ ذلك التلاعب في اتجاه العلاقات. فما يبدأ كقصة عادية متوقعة بعض الشيء عن لقاء غريبين ووقوعهما في الحب، يأخذ منحى آخر غير متوقع، وفي وسط ألاعيب جيمس والمرأة، نبقى دون أن نعرف أين الأصل وأين المحاكاة، أهما زوجان قضيا بعض الوقت في التظاهر بأنهما غريبان يلتقيان للمرأة الأولى؟ أم أنهما غريبان قضيا بعض الوقت في التظاهر بأنهما زوجان؟ حافظ على تلك الدرجة من الغموض التي امتلأت بالانسيابية المرحة الأداء التمثيلي المُتقن لمُغني الأوبرا روبرت شيمل في دور جيمس ميلر وللممثلة الفرنسية جولييت بونيش في دور المرأة، والتي حازت بفضله على السعفة في مهرجان كان عام 2010.

  

تشانكينج إكسبرس

"جميعنا يجد حظه عاثرا في الحب من آن لآخر. عندما يحدث هذا لي، أذهب للجري، فعندما تجري، يفقد جسمك الكثير من الماء، ولا يبقى لديه ما يكفي للدموع".[6]

    

  

في مدينة هونغ كونغ المزدحمة، كحال كل المدن التي تفيض بالبشر، يحدث تناقض غريب، فمع أن كل شخص يجد نفسه في كل لحظة محاطا بالجموع، فإنه تأتي لحظة يشعر عندها لا محالة بالوحدة والغربة الشديدة عن الجميع. في تلك المدينة، يتبع فيلم "تشانكينج إكسربس" (Chungking Express) شخصياته الأربعة في قصتين منفصلتين، يحاول فيها بعضهم الشفاء من حب قديم، ويحاول البعض الآخر أن يبحث عن آخر جديد، ويسعى الجميع للخلاص من الوحدة وسط الجموع.

  

تدور معظم أفلام المخرج الصيني وونج كار واي عن العلاقات والحب في قلب المدينة حيث يشعر البشر بالاغتراب والعزلة. ينجح بعض أبطاله في إيجاد من يتفهّمهم ويحبونه، لكن دائما ما تحيط العقبات بهذا الحب وتجعله يقف، كما في فيلم "في مزاج رائق للحب" (In The Mood For Love)، على حدود المُستحيل. لكنه في فيلم "تشانكينج إكسبرس"، يأخذ منحى أكثر تفاؤلا من أفلامه الأخرى التي تدور حول الموضوع نفسه، يرجع هذا للقصة نفسها والتي تحاول أن تنأى شيئا ما عن نهايات كار واي الحزينة، ولأداء المغنية الصينية الشهيرة فاي وونغ لدور فاي، والذي امتاز بالخفة والمرح، حتى إن المخرج الأميركي كوانتن تارانتينو قال عنه في نقده للفيلم: "من المستحيل أن تشاهده دون أن تقع في حبها". [7]

تقارير متصدرة


آخر الأخبار