انضم إلينا
اغلاق
منفي مرتين.. "الفلسطيني" في السينما المصرية

منفي مرتين.. "الفلسطيني" في السينما المصرية

أيمن نبيل

كاتب وباحث
  • ض
  • ض
مدخل

للوهلة الأولى، تُعطي السينما المصريّة انطباعا مضلّلا بأن في مكتبتها الكثير عن فلسطين والفلسطينيين، ولكن فحص أرشيفها يثبت نقيض ذلك؛ فالأفلام الروائيّة التي تتناول موضوع فلسطين أو تقدّم شخصيّة الفلسطيني تكاد تكون معدومة بالقياس إلى مجمل الإنتاج السينمائي طوال مئة عام. السؤال الشائق هنا: كيف يتسرّب إلينا انطباع الوفرة إذًا؟ يحصل هذا خلال مَسربَيْن: الأول أن القضيّة الفلسطينيّة ليست موضوعا مركزيا في السينما والدراما التلفزيونيّة، بل غالبا مدار ثرثرة هامشيّة وليست من مكوّنات موضوع العمل الفني، وهذه الجعجعة المكرورة توحي بطحين وفير. 

   

الأمر الثاني هو الخلط التقليدي بين فلسطين/القضيّة الفلسطينيّة والصراع مع إسرائيل (أ). ما تناولته السينما والدراما كثيرا هو الصراع المصري الإسرائيلي وليس فلسطين، ورغم أن أي سرديّة عن إسرائيل أو الإسرائيلي تتقاطع بالضرورة مع سرديّة الفلسطيني، يُنفى الأخير من فضاء الفيلم والمسلسل عادة ويَكادُ وجودُه يُمحى بالمقابلة مع شخصية الإسرائيلي -المُنمّطة- التي تبسط حضورها منذ عقود في السينما والدراما التلفزيونيّة.

   

انطلاقا من هذا التمييز، ستركّز المقالة على أهم الأفلام (ب) في الفترة (1948-2009) التي تحوي شخصيّة فلسطيني وليس فلسطين كنقاش جانبي مفتعل أو الصراع العربي الإسرائيلي. وستتناول الأفلام الروائيّة الطويلة حصرا وذلك لسببين: الأول إجرائي، وهو سهولة الوصول إليها وتوافرها على شبكة الإنترنت بالمقارنة مع الأفلام التسجيليّة والقصيرة. والثاني يخص أحد غَرَضَيْ المقالة، وهو استكشاف الأيديولوجيا المُسيّدة في الفضاء السياسي-الاجتماعي، والتي تظهر بشكل مراوغ ولا شعوري أحيانا في الفيلم الروائيّ والمسلسل الدرامي، بخلاف الفيلمين التسجيلي والوثائقي اللذين يعبّران عن الأيديولوجيا بشكل واعٍ ومقصود. على طريق الغرض المذكور، لا تكتفي المقالة بنقاش المُعبّر عنه، بل وتبحث في المُتغافَل عنه والمُهمل بخصوص فلسطين والفلسطينيين بشَرط غرابة إهماله رغم وقوعه في السياق الاجتماعي التاريخي المصريّيْن؛ هذا "المسكوت عنه" هو "تعبير سلبي" صاخب عن السقف الأيديولوجيّ للمجال الفني.

   

أولا- النفيُ الأول: الفلسطيني المُنَمّط دورا وصورة

١- ريف وفلّاحون:

فيلم "فتاة من فلسطين" (مواقع التواصل)
       

في أول فيلم تذكر فيه فلسطين، وهو "فتاة من فلسطين" (1948) لمحمود ذو الفقار، تظهر صورة قريب فلسطيني للطيار المصري على رف مكتبه مرتديا الحطّة والعقال. هذه الصورة الفوتوغرافيّة كانت تعبيرا عن صورة نمطيّة سابقة في الخيال الثقافي والاجتماعي ستحكُم السينما مستقبلا؛ ففلسطين ستظهر بعد ذلك طوال عقود باعتبارها ريفا شاسعا بلا مدينة، والفلسطينيون باعتبارهم فلّاحين ورعاة يرتدون الزي الريفي التقليدي وهو الحطة والعقال. نرى ذلك أيضا في أول مشهد من فيلم كمال الشيخ "أرض السلام" 1957، حيث يظهر الفدائي المصري (عُمر الشريف) وهو يكتب رسالة لأهله من فلسطين وبجانبه راعي مواشٍ فلسطيني بالزي الفلاحي. وتستمر هذه الصورة عنصرا أساسيا أو خلفيّة بصريّة لأغلب الأفلام والمسلسلات التي تشير إلى القضية الفلسطينية (مسلسل "زيزينيا"، وفيلم "القبطان" مثلا). وحتى في فيلم جريء سياسيا مثل عمل عاطف الطيّب "ناجي العلي" تقع عين المشاهد في بدايات الفيلم على راعٍ بزي ريفي يسوق قطيعا من الخراف. 

  

هذا الإصرار على معادلة الفلسطيني بالفلّاح له جذور تاريخيّة وأيديولوجية؛ في ثلاثينيّات القرن العشرين، تمركز الكفاح الفلسطينيّ المُسلّح في الأرياف، ولهذا كانت الكوفيّة علامة الثوّار آنذاك، وحماية لهم كان بعض سكان المُدن يرتدونها أيضا حتى يصعّبوا على الإنجليز تمييزهم واعتقالهم، وربما بسبب علاقات التجارة التاريخية بين فلسطين ومصر وهجرة بعض الفلسطينيين إلى مصر قبل النكبة، وخاصة في منتصف الثلاثينيّات، عُرِفَ بين المصريين ارتباط الثورة بالريف وهو ما سهّل تصور الفلسطيني فلاحا ثائرا سُرعان ما انزلق إلى فلاح فقط لاحقا. بالإضافة إلى هذا، يُمثّل الفلاح في الخيال الفني المصري التعبير الأنقى عن ارتباط الإنسان بالأرض، ومن ثم يسهُل تحويله إلى رمز مشحون عاطفيا للارتباط بالوطن والحنين إليه.

    

مشكلة هذا التنميط مُركّبة في السياق المصري؛ فهو أولا غير واقعي، لأن مستوى التطور الثقافي والاجتماعي الفلسطيني قبل نكبة ٤٨ لا يقل ثراء عن مثيله في باقي بلاد الشام، بل وعرفت فلسطين اثنتين من أهم حواضر الشام كله وهما يافا وحيفا. عرفت المدينة الفلسطينيّة آنذاك المسارح ودور السينما والصحف والأدباء والمجلات والنقابات والمصانع، وشهدت بزوغ برجوازيّة وطنيّة واعدة ونشاطا تجاريا واسعا. ثمّة دلائل كثيرة على مستوى المدينة الفلسطينيّة قبل النكبة ولكن قصة نشوء السينما العربيّة تستحق الذكر لارتباطها بموضوعنا؛ فأول فيلم عربي وُلد على يدي الأخوين لاما، وهذان فنانان من أصل فلسطيني -عائلة الأعمى في بيت لحم- قدما إلى مصر من تشيلي ومعهما معدات سينمائيّة، وتقول الروايات إنهما كانا متجهين في الأصل إلى حيفا لبدء مشروعهما السينمائي ولكنهما قررا أثناء مرورهما على مصر البقاء وإقامة مشروعهما فيها، وهكذا وُلدت السينما العربيّة (ج).

    

فيلم "ناجي العلي" لـ "نور الشريف" (مواقع التواصل)

    

الأمر الثاني أن علاقات مصر بفلسطين قبل النكبة كانت أكثر متانة مما يعتقد كثيرون؛ فالهجرة والسفر بين البلدين للعمل والسياحة كان أمرا شائعا -خاصة مع وجود سكة الحديد التي ربطت بين البلدين آنذاك- مع ما يجره هذا من علاقات نسب وتزاوج، وربما كان الأمر الواقعي الوحيد في فيلم "فتاة من فلسطين" هو إشارته إلى علاقات النسب هذه آنذاك. وعليه، من الغريب إصرار السينما على تصوير فلسطين ريفا بلا مدينة رغم هذا الارتباط التاريخي والاجتماعي والثقافي بين مصر وفلسطين. الأمر الثالث هو مزالق اختزال الفلسطيني في الفلّاح؛ فبرغم نبل المقصد من هذا الاختزال، فإنه يقود في آخر الأمر إلى نقيضه.

  

الارتباط الفلّاحي المباشر بالحقل ارتباط تقليدي حميم وصادق، ولكنه لوحده لا يوفّر أساسا لهويّة وطنيّة أو دولة حديثة؛ فالهويّة الحديثة لها مضمون ثقافي-اجتماعي مُركّب يُجَسّر المسافة بين الإنسان الحديث والأرض -وليس مساحة منها فقط- ويتشكّل أولا في المدينة التي تلحقها الأرياف. وبالتالي، اختصار فلسطين في الريف هو فعليا تركيز على الحنين إلى الأرض وليس على الهويّة، وتنويع على هذا التنميط هو أحد أعمدة الدعاية الصهيونيّة في تنميطها للفلسطينيين والعرب؛ فالمستوطن اليهودي هو "الثقافي" في مقابل الفلاح الفلسطيني "الطبيعي" (1)، الذي ربما يسكن الأرض ولكنه بدائي لا يعرف هويّة حديثة ولا يستحق دولة عليها، وفي كلام آخر، كانت السينما تروّج، بدون قصد، بعضا من صورة نمطيّة صهيونيّة عن الفلسطينيين.

   

ونلاحظ كذلك أن الرواية الفنيّة البصريّة المؤسسة للهويّة المصريّة مثل الأفلام والمسلسلات المقتبسة من أعمال نجيب محفوظ التي تتخذ من مصر الملكيّة في النصف الأول من القرن الماضي مسرحا لأحداثها، وأعمال أسامة أنور عكاشة في التلفزيون التي تركّز على التاريخ المصري منذ الحرب العالميّة الثانية وحتى الانفتاح الساداتي؛ كلها تدور في المدينة (القاهرة والإسكندريّة على وجه الخصوص) وليس في النجوع؛ فالهويّة الوطنيّة الحديثة تشكّلت في المدينة لا الرّيف.

  

المشكلة الأساسيّة الثانية في هذا التناول أن الرّيف نفسه مُفرّغ من التاريخ البشري؛ فلا تجد في أي فيلم عرضا للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية في الريف الفلسطيني، وعلاقاته بالمدينة وبمجريات الأحداث السياسية قبل النكبة، أو للفلكلور والتقاليد الشعبيّة. وهذا يعني أن اختزال فلسطين في الرّيف لم يصل إلى مستوى عرض مجتمع فلّاحي معقّد العلاقات والتعبيرات الثقافيّة، واكتفى باختزالها في الرّيف كإطار لمساحة فارغة من كل شيء إلا من حنين مُبرّح إلى أرض مسلوبة.

       

فيلم "أرض السلام" (مواقع التواصل)

      

بعد قرابة عشر سنوات من فيلم "فتاة من فلسطين"، كان فيلم كمال الشيخ "أرض السلام" أول أعمال التيّار الواقعي التي تناولت موضوع فلسطين بطريقة أكثر تطوّرا (د)؛ فنجد أولا جماعة فلسطينيّة تحوي شخصيّات متنوعة، بمقاييس تلك الفترة بطبيعة الحال، وحتى شخصيّة عبد السلام النابلسي الفكاهيّة في الفيلم أضفت على الفلسطيني لمسة إنسانيّة. نجد ثانيا أن "أرض السلام" ظل لقرابة أربعة عقود الفيلم المصري الوحيد الذي حاول ممثلوه تقديم اللهجة الفلسطينيّة باجتهاد -أما فيلم نيازي مصطفى "أرض الأبطال" 1953 فلم يوفّق في المحاولة- وإن كان الفنان توفيق الدقن أكثرهم تميُّزا.

   

٢- مُطبّبُ الأنا

التنميط في السينما لا يقتصر على هويّة المُنَمّط وصفاته النفسية والجسمانيّة فحسب، بل ويطول أمورا أخرى مثل دوره في سياق القصّة السينمائيّة، وفي هذا المستوى الأخير تتركّز عمليّات تنميط الفلسطيني؛ حيث يلعب دورا راسخا منذ "فتاة من فلسطين" 1948 وحتى "السفارة في العمارة" عام 2005 وهو دور "مطبب الأنا"، وشافي أمراضها إما بالعمل خادما للتحوّلات في الشخصيّة، أو بكونه موضوعا تؤكد فيه الأنا تورّمها بدون خجل فتبدو أمراضها وجراحها مفاخر. في الفيلم الأول تساعد الفلسطينيّة الطيارَ المصري على تخطّي حزنه وأزمته النفسيّة -المقدمة بتفاهة على كل حال- وتحوُّلُه إلى إنسان قادر على التعامل مع مشاعره.

  

في "أرض السلام" تُطبِّبُ، حرفيا، الفتاةُ الفلسطينيّة (فاتن حمامة) الفدائي المصري (عمر الشريف)؛ فتنقذه من الموت -بمساعدة امرأة فلسطينية أخرى- بعلاج إصابته، ومن الاعتقال بإخفائه عن الدوريات الصهيونية التي كانت تبحث عنه. وفي فيلم علي إدريس "أصحاب ولّا بزنس" 2001 تدفع تجربة السفر إلى الأراضي الفلسطينيّة المحتلة لتغطية الانتفاضة الثانية والتعرف على الشاب الفلسطيني هناك (عمر واكد) وتصويره وهو ينفذ عملية انتحاريّة المذيعَ المصري تافه الطموحات والاهتمامات (مصطفى قمر) ثم صديقيه (طارق عبد العزيز وهاني سلامة) إلى مراجعة المحتوى الهابط منعدم القيمة الذي كانوا يقدّمونه للناس والتجرؤ على اتخاذ خطوات صداميّة شجاعة بخصوص ما يؤمنون به، وتغيير نظرتهم للدنيا التي كان يحكمها السعي الجشع للنجاح والثروة والشهرة.

     

فيلم "أصحاب ولا بزنس" (مواقع التواصل)

  

أما في فيلم عمرو عرفة "السفارة في العمارة" فينقذ الطفلُ الفلسطيني في بداية الفيلم صديقَ والده، الكهلَ المتصابي (عادل إمام)، من سيارة كادت تدهسه بينما هو مشغول بملاحقة امرأة جميلة القوام، ثم يُستشهد الطفل في نهاية الفيلم فيَقدح التحول في شخصيّة المتصابي ويدفعه للتجرّؤ على طرد الإسرائيليين من شقته والتعامل بنضاليّة صادقة في معركته القضائيّة لطرد السفارة الإسرائيليّة من العمارة التي يقطن فيها.

  

قد يتراءى للبعض أن هذا دور جميل وإن كان مقولبا للإنسان. ولكنه باعتقادي، إذا فُحِص جيّدا، لا ينطوي على جمال البتّة بل على مشاكل عويصة، بعضها يخص تاريخ الصناعة وتعلقها الجبان بالتقاليد البالية مضمونة التأثير، وبعضها مرتبط بسلوك تنميطي كَرّسته ما تُسمى "السينما الشابة" (هـ) أو "الموجة الجديدة" التي ظهرت مع نهاية القرن الماضي وترافق مَدُّها مع الانتفاضة الثانية.

  

في تلك الفترة، حُشِرَت الانتفاضة في الأفلام بافتعال استثمارا لمشاعر الناس الصادقة تجاه نضال الشعب الفلسطيني -ولا يعني هذا افتراض غياب مشاعر صادقة مماثلة عند صناع تلك الأفلام- لتحقيق الربح، خاصة وأن الموجة الشابة تميّزت بنزوع ربحي لا مكان فيه للمغامرة بعمل فني عالٍ، وهذا نزوع واضح وله أسبابه التي تتعدّى الأشخاص إلى ظروف صناعة السينما منذ عقود. السعي للربح في الموجة الجديدة ترافق مع ترفع ناجح عن مستوى أفلام المقاولات سيئة الصيت من حيث الاهتمام بالتقنيات والتفاصيل الفنية والابتعاد عن الابتذال وجودة المواهب التي تشارك في العمل، ولكنها لا تخالف مجمل الركائز التقليديّة للقصّة في تاريخ سينما الأرباح مثل النهايات السعيدة المفتعلة، إهمال السياق، التصوّر المراهق للبطولة، الذكوريّة، اختزال قضايا إلى جمل وأحكام، إلخ.

       

فيلم "السفارة في العمارة" (مواقع التواصل)

    

نرى إقحام الانتفاضة في "السفارة في العمارة" و"جاءنا البيان التالي" 2001، وتسرع وتفكك مزعج في سيناريو فيلم "بركان الغضب" 2002، ونرى إجهاض ولادة فنيّة مجسّدا في فيلم علي إدريس "أصحاب ولّا بيزنس" -والذي يمكن أن يُكنّى بفيلم الفرص الضائعة- الذي كان قادرا نظريا على حل معادلة الجودة الفنيّة والهمّ التجاري، ولكنه فشل بسبب استعجال السيناريو وتخلي المخرج عن معالم رؤية جيّدة لصالح "اللعب في المضمون"، رغم تقديمه أنضج شخصيّات فلسطينيّة متخيّلة في السينما -والذي غيّر صورة الشاب والشابة الفلسطينية سينمائيا- منذ فيلم "الظلال في الجانب الآخر" (المعروض عام 1975).

  

ما يسبّبه إقحام القضيّة الفلسطينيّة في نسيج قصة سينمائية متهالك هو أن دور الفلسطيني النمطي يصبح مجرّد "خادم للأنا" وليس فعلا صانع تحوّلاتها. المسألة هنا لا تتعلق باستحالة الأمر منطقيا أو واقعيا؛ فالقضايا الإنسانيّة الكبيرة وتضحيات المناضلين خلّاقة وبإمكانها تغيير نظرة الإنسان إلى العالم، ولكن بشرط أن تغدو القضيّة مفصلا في حياته وأن تمتزج بأُفُقه الشّخصي بعد ذلك. ما يحصل في السينما إما عكس أو خلاف ذلك؛ نجد مثلا في فيلم محمود ذو الفقار أن الفتاة الفلسطينية (سعاد محمد) تساعد البطل (محمود ذو الفقار) على تجاوز محنته، ولكن التركيز لم يكن على الفتاة المطرودة من أرضها والمفجوعة في أبيها، بل على شخصيّة الطيار المصري ومشاكله وطباعه وكفاءته وغيرها من ممارسات التدليك النرجسي للذات الذكوريّة/الوطنيّة والتي تقتفي السينما والدراما فيها خطى هوليوود، مع فارق أن الأخيرة تمارسه بغطرسة المنتصر والأقوى، في حين أن السينما المصريّة تمارسه بمكابرة من يلعق جرحا نرجسيا ملتهبا.

  

وفي فيلم علي إدريس نلحظ أولا تفويت فرصة جيّدة لاستثمار واحد من أجمل مشاهد السينما، وهي نظرة الفدائي الفلسطيني (عمرو واكد) لكاميرا الفريق المصري قبيل تفجير نفسه؛ فعوضا عن استثمار تلك اللحظة في رصد الأثر العاطفي المروّع على الشخصيات، تُقطع اللقطة سريعا ويُقطع معها التفاعل الإنساني مع المشهد في ذروته.

    

  

كما أن التحوّل أيضا يُقطع في نهاية الفيلم ليظهر الأصدقاء فرحين وبشوشين وكأنهم لم يخوضوا معركة للتو لبث فيديو بطولي، ولا نعرف دور القضيّة الفلسطينية في أفق الشخصيات أصلا لأن الفيلم ينتهي وتخرج الشخصيات باستنتاج يخص تغيير سلوكهم الجشع والسطحي، ولكنها لا تخرج بأي استنتاج بخصوص القضيّة الفلسطينيّة تحديدا أو ما سيفعلونه بخصوصها: تلك التجربة المزلزلة "عالجتهم" من عيوب شخصيّة فحسب.

  

في "جاءنا البيان التالي" يُرسل المذيع الطموح (محمد هنيدي) إلى الضفّة الغربيّة لتغطية الانتفاضة، وفي لحظة صدق ينفعل المراسل ويرمي الحجارة على جنود الاحتلال، ثم ينتهي الموضوع ولا يُذكر لاحقا طوال الفيلم، لأنه أصلا أُقحم فيه ولا تترتب عليه أي نتائج أو تحولات حقيقيّة في القصّة.

  

أما في فيلم عمرو عرفة، فليس مصادفة أن استشهاد الطفل الفلسطيني يأتي في نهاية الفيلم كالعادة، لأن المهم ليس الأفق الجديد للبطل وتفاعله اللاحق مع القضيّة التي حوّلته، بل فكرة تغيّر البطل فحسب. كما أن استشهاد الطفل تم اختراعه وإقحامه في مناقَضَة للمنطق السليم ولمنطق القصة نفسها؛ فالطفل ابن مهندس بترول فلسطيني يعمل في الخليج، ولكنه لاحقا يوافق على إرسال طفله إلى الأراضي المحتلة ليشارك في الانتفاضة ويلقى حتفه! لقد وصل الأمر بالفيلم إلى انتهاك فطرة الأبوّة (أب يقبل بإرسال طفله للموت) وإلى تحطيم ترجيحات طبقيّة قويّة تفرضها القصة (مهندس مهاجر ومستقر وموسر يستسلم لا لضغط ولده الشاب، بل لإلحاح طفولي) لا لشيء إلا لكي تُرَمّم شخصية بطل الفيلم من الداخل وتعطيها بعض الشجاعة لمواجهة مشكلتها وتغيير سلوكها المستهتر، والذي لا يحدثه أقلّ من مقتل طفل!

    

الطفل إياد الفلسطيني بفيلم "السفارة في العمارة" (مواقع التواصل)

   

يتفرّع من هذا الدور العام دور آخر خُصّت به الفتاة الفلسطينيّة وهو دور مؤكدة الفحولة، وفي هذا ملاحظتان: الأولى أنه باستثناء فيلم "بركان الغضب"، في الأفلام والمسلسلات التي احتوت شخصيّات فلسطينيّة، تدور قصة حب أو زواج بين فتاة فلسطينية ورجل مصري وليس العكس، وهذا ليس مصادفة: ظهر هذا في مسلسل "ليالي الحلمية"، مسلسل "زيزينيا"، فيلم "فتاة من فلسطين"، فيلم "أرض السلام"، فيلم "أصحاب ولّا بيزنس"، فيلم "أرض الأبطال"، كما يتم التعامل بحساسيّة مع موضوع الجنس في هذا السياق؛ فلا تجد مشهدا جنسيا في سياق علاقات الحب أو الزواج إذا كانت الفتاة فلسطينيّة.

  

الملاحظة الأولى هي تعبير "خجول" عن الذكوريّة المُسيطرة على الفضاء الفني عموما، وهي تدخل في باب ممارسات تدليك الذات التي أُشير لها آنفا؛ فالذكر المصري "صاحب الجاذبيّة الجنسيّة العالية" لا يُسمح بأن "ينافسه" على الإناث غيره. هذه أيديولوجيا لا تخص الفلسطينيين وحدهم، بل تجدها في أغلب الأعمال السينمائية والدرامية التي تتفاعل فيها شخصيات مصرية مع غير مصريّة، ومن النادر فيها أن تقع مصريّة في غرام رجل غير مصري.

  

العلاقة الجنسيّة في الفهم الذكوري تعبير عن اختلال موازين القوى بين الأنثى والذكر لصالح الأخير (و). من هنا يسهل الربط الذكوري-العسكري بين اعتقاد التفوق الجنسي الذكوري والانتصار الوطني؛ فنلحظ ذلك بصراحة في المسلسلات التي تحدثت عن الصراع المصري الإسرائيلي مثل مسلسلي "رأفت الهجان" و"دموع في عيون وقحة"، أو تلك التي يقحم فيها الشعور الوطني، كما يسهُل على صناع السينما الاستخدام المُبتَذَل للمرأة المُغتَصَبة كرمز للهزيمة والاحتلال.

     

المسلسل العربي "دموع في عيون وقحة" (مواقع التواصل)

    

مع المرأة الفلسطينيّة التعبير أكثر مراوغة، ولكنه في جوهره لا يقل ذكوريّة عن السياقات السابقة: المظلومة التي تحتمي بظل الشهم المصري وتقع في شباك جاذبيته العاطفيّة والجنسية؛ فتؤكد أوهام تفوّقه وتُطبب بذلك الأنا الخاصة بالمشاهد المصري -وليس أنا الشخصيّة في الفيلم فحسب- الذي يتعاوره الإحساس العميق -مثل كل رجل عربي- بالهزيمة والاستباحة. أما الاحتشام في المشاهد الجنسيّة فهو متسق مع عدم تعامل الثقافة المصريّة عموما مع الفلسطيني كإنسان؛ فهو يُختَزل إلى المناضل أو اللاجئ أو المظلوم، ولهذا فالمشاهد الحميمة تبدو هنا تدنيسا "لطهارة القضية" المُختزلة فيه/ها (ز).

   

ثانيا- النفي الثاني: تجاهلات تُمَنهِجُ التجهيل

إذا كان التساؤل المفحوص في المحور الأول من المقالة هو حول قسمات الصورة النمطيّة لفلسطين والفلسطينيين، فإن التساؤل التالي هو: ما الذي جعل هذه الصورة ممكنة، أي ما الأيديولوجيا التي حكمت المجال السياسي وأنتجت بالتالي تلك التناولات المقولبة بصرامة؟ وفي سياق موضوع المقالة، لا تتكشّف الأيديولوجيا بتناول ما قيل بل بما لم يُقَل: تجاهل ما كان يلزم تناوله بناء على منطق التطور التاريخي للسينما، واتفاقا مع السياق الاجتماعي-التاريخي، وهي مبدئيا أربعة تجاهلات رئيسة:

   

أ- النكبة بداية التاريخ

  

فلسطين ما قبل النكبة غير موجودة في السينما، ولا نقصد هنا عدم وجود أفلام تتحدث عن فلسطين قبل 48 فحسب، بل عدم عثورنا في سياق البحث على فيلم واحد يتناول التشابك الاجتماعي بين فلسطين ومصر في النصف الأول من القرن العشرين أصلا. هذا أمر غريب، لأن العلاقات الاجتماعية والتجارية والثقافية بين المصريين والفلسطينيين كانت قوية وممتدة قبل النكبة، وثمة شهادات وشواهد كثيرة على وجود عمال وموظفين مصريين وعرب عملوا في المدن الفلسطينية قبل الاحتلال الإسرائيلي، كما أن ثمة عائلات تجارية فلسطينية كثيرة استقرت في المدن المصرية وتصاهرت مع عائلات فيها كغيرهم من "شوام مصر"، علاوة على العائلات التي نزحت إلى مصر في ثلاثينيّات القرن الماضي أثناء الثورة الفلسطينيّة.

   

بالإضافة إلى سكة الحديد التي كانت تربط بين البلدين، وزيارات المثقفين والفنانين المصريين إلى حواضر فلسطين. ونذكّر هنا أن ياسر عرفات وُلِدَ في القاهرة لعائلة فيها تشابك اجتماعي فلسطيني مصري كان شائعا آنذاك. هذا التعامل مع نكبة 48 كبداية للتاريخ بين مصر وفلسطين هو التواطؤ الموضوعي الثاني الذي ترتكبه السينما مع الدعاية الصهيونيّة التي روّجت أن فلسطين قبل مقدم المستوطنين لم تكن إلا مستنقعات وصحاري.

 

ب- لاجئو 48

لم نعثر في سياق بحثنا إلا على فيلم واحد يشير إلى موجة اللجوء إلى مصر أثناء النكبة، وهو فيلم سيد سعيد "القبطان" 1997، وهي مجرّد إشارة بصريّة عبر بضعة مشاهد لعشرات من مرتديي الزي الريفي وهم ينوؤون بثقل حقائبهم وأطفالهم، ونشير هنا في اتصال مع نقاشات المحور الأول أن أغلب اللاجئين إلى مصر آنذاك قدموا من يافا، أهم مدن فلسطين ثقافيا وتجاريا، ولكن المخرج صوّرهم كريفيين كالعادة.

     

فيلم سيد سعيد "القبطان" 1997 (مواقع التواصل)

    

هذا الفيلم مثال على مأساة الفكرة الجيّدة حين تعجز ترجمتها البصريّة؛ فأفكار الفيلم عموما، ومشاهد طوابير اللاجئين ودور الطفل الفلسطيني الصامت فيه خاصة، يدل على شيء جيّد أُريد له أن يُقال، ولكن المخرج -وهو كاتب السيناريو أيضا- لم ينجح في التعبير عنه بمهارة تربط بين حيوية الأفكار والتمكُّن من التقنيات. ما تجاهلته الثقافة حتى يومنا لم يكن وجود اللاجئين فحسب، بل اضطهادهم في العهد الملكي أيضا؛ فالحكومة المصرية آنذاك قيدت حركتهم، وتشددت في الإثباتات المطلوبة لكي يحصلوا على المعونات، ومنعتهم من تصاريح العمل، وعبّرت عن شكواها من وجودهم علنا بقولها إن مصر تعاني أصلا من مشكلة اكتظاظ سكاني وليست بحاجة إلى مفاقمتها (2)، هذا علما بأن تهجير الإسرائيليين للفلسطينيين تركز في الشمال، وأن كثيرا من اللاجئين توجهوا إلى بلاد الشام وليس إلى مصر. وبمجرّد انتهاء الحرب باشرت السلطات في تفريغ المخيمات ونقل اللاجئين إلى قطاع غزّة. هذا الفصل من التاريخ، المشحون بالألم الإنساني والمضمون السياسي والممارسات العنصريّة، يصلح مادة دسمة للسينما سواء كانت منحازة لقيم إنسانيّة أو سطحية هدفها الدعاية للأنظمة، ورغم ذلك، لم يروِه فيلم أو مسلسل واحد.

   

ج- اندماج الفلسطيني في البرجوازية الصغيرة

بحسب تقديرات الحكومة المصريّة، كان عدد الفلسطينيين في مصر بحلول عام 1969 يصل إلى 33 ألف فرد (3). في العهد الناصري، صدرت تشريعات خاصّة تسهّل حياة الفلسطينيين المقيمين في مصر بمعاملتهم كمواطنين مصريين (باستثناء الجنسية). هذه التشريعات فتحت آفاقا مُبشّرة أمام الفلسطينيين للترقي الطبقي والاجتماعي؛ فسُمِح لهم مثلا بالعمل كموظفين في جهاز الدولة، ودخول المدارس والجامعات مجانا بحيث بلغ متوسط عدد الطلاب الفلسطينيين في الجامعات المصرية من منتصف الستينيّات وحتى عام 1978 20,000 طالب وطالبة في العام الواحد (4)، بل وحتى تم استثناؤهم في نص التشريعات التي تمنع الأجانب من ملكية الأراضي. ولأن الفلسطينيين في مصر لم يكونوا في مخيمات وأحياء مغلقة -مع استثناء مؤقت عقب حرب 67- فقد اندمجوا وتشكلوا داخل البرجوازية المصرية الصغيرة التي انتعشت واتسعت في عهد عبد الناصر.

  

هذه الحقبة شكّلت قطاعا مهما في النخبة الفلسطينيّة، وهذا لا يظهر فقط في عدد الكوادر المهنية والأكاديمية، بل وفي الكوادر والتشكيلات السياسية والعمل التنظيمي؛ فكثير من أهم التشكيلات السياسية والتنظيميّة الفلسطينية إما ظهرت في مصر وإما لها جذور ناشبة فيها مثل الاتحاد الطلابي الفلسطيني بقيادة ياسر عرفات، ومنظمة التحرير الفلسطينية. رغم هذا التداخل والاندماج الاجتماعي للفلسطينيين داخل المجتمع في الحقبة الناصريّة، خاصة في الجامعات، لم تَظهَر في السينما إلا شخصيّتان تتحرّكان داخل هذا السياق بوضوح: الأولى، والأهم، "عُمَر" طالب الفنون الجميلة الفلسطيني (محمد لطفي) في فيلم غالب شعث "الظلال في الجانب الآخر"، والثانية شخصية مخرجة البرامج (الممثلة نور) في "أصحاب ولّا بيزنس"، مع إشارة عابرة في "السفارة في العمارة" حين يحكي بطل الفيلم (عادل إمام) أنه تعرف على صديقه الفلسطيني (محمد أبو داوود) حين كانا يدرسان معا في الجامعة.

     

فيلم غالب شعث "الظلال في الجانب الآخر" (مواقع التواصل)

   

باستثناء فيلمي غالب شعث وعلي إدريس، لن تجد فلسطينيا مندمجا في الحياة المصريّة اليوميّة بَلْهَ اليوميّات السياسيّة؛ فلا نجد أفلاما تشير إلى مشاركة الطلاب الفلسطينيين زملاءهم المصريين في المظاهرات ضد السادات مطلع السبعينيّات والاعتقالات والمظالم التي تعرّضوا لها، ودور القضية الفلسطينية والفلسطينيين في مُركّب الهويّة الوطنيّة المصريّة. وفي العمل التلفزيوني الأول، كما يزعم صُنّاعه، الذي يتخذ من الحركة الطلابية مطلع السبعينيّات مسرحا لأحداثه، وهو مسلسل "رجل طموح" 2000، لا توجد إشارة للطلاب الفلسطينيين أو العرب في الجامعات (ح).

    

د- المِحنة الثانية في مصر

ما حصل للفلسطينيين في عهد نظام السادات هو المحنة الثانية الممتدة إلى يومنا بعد محنتهم الأولى كلاجئين في أواخر العهد الملكي. منذ بدايات سيطرة جناح السادات على النظام، كان واضحا ضَجَر السلطة الجديدة من الفلسطينيين، خاصة مع مشاركة الطلاب الفلسطينيين في المظاهرات الطلابية ضد حالة اللا سلم واللا حرب، والدور المهم الذي لعبته الثورة الفلسطينية في الوعي اليساري والقومي الوطني لجيل السبعينيّات.

  

وبعد حرب 73، بدأ النظام في مضايقة المنظمات والتشكيلات الفلسطينية بإغلاق بعض المراكز التي تقدم الخدمات الصحية والاجتماعية للفلسطينيين، ثمّ مدّ النظام خطوط سياساته على استقامتها مطلع عام 1978، مستغلّا اغتيال منظمة أبو نضال وزيرَ الثقافة يوسف السباعي في قبرص، لممارسة سياسة العقاب الجماعي على عشرات الآلاف من الفلسطينيين؛ فأصدرت السلطات تشريعات جديدة، بعد أيام من اغتيال السباعي، تجرد الفلسطينيين من مساواتهم بالمواطنين المصريين (5)؛ فمنعوا من تملك الأراضي، ومن الدخول المجاني للمدارس والجامعات، والعمل في جهاز الدولة، والحصول على الرعاية الصحيّة، بموازاة حملات تحريض شوفينيّة قادها صُحف النظام ومثقفوه ضد الفلسطينيين. كانت نتيجة هذه السياسات ونشر الكراهية تكديحا للفلسطينيين وتحريضا عنصريا ضدهم شكّلا الأساس الأولي، السياسي والبلاغي، للسياسات العقابية والابتزازية التي تتبعها، والخطاب الذي تتبناه، نخب النظام السياسية والثقافية مع الفلسطينيين منذ نهاية السبعينيات مرورا بحرب الخليج وصولا إلى حصار غزة. هذا كلّه لن تجد له أثرا حتى في أكثر الأعمال السينمائيّة نقدا للنظام.

     

    

ثالثا: أيديولوجيا النظام سقفا للسينما

تتكشّف في ثنايا التجاهلات السابقة المفاصل الأيديولوجية التي حكمت الرؤية السينمائيّة للموضوع الفلسطيني، وقبل نقاشها علينا تأكيد الفكرة التالية: رغم أنها نتجت من اصطدام أيديولوجيا النظام ونخبه وقاعدته الاجتماعيّة، مع أفكار وانحيازات تيارات اجتماعيّة واسعة، تبقى أيديولوجيا مُسيّدة، لأن النظام فرض صيغتها النهائيّة ليس عبر نُخَبِهِ الثقافية فحسب، بل وقبل ذلك باستخدام القوة المباشرة منها والمتمثلة في التشريعات والقوانين وأجهزة الرقابة وربط النقابات بالأجهزة الأمنية، وغير المباشرة المتركّزة في الارتباط الزبائني لرأس المال بالنظام والبيروقراطيّة.

  

المشاهد لفيلم "فتاة من فلسطين" مثلا يجد سطحية غريبة في التناول. بعض الأخطاء والنواقص عائدة إلى تأخر السينما العربيّة على المستوى التكنولوجي، ولكن حقيقة أن الفيلم مثلا كان يصوّر في بيوت فارهة، وأن ليس فيه أي ذكر لمعالم الهزيمة وضياع فلسطين، بل ووجود أناشيد حماسية تعلي من "أمجاد العرب" -والملاحظة الأخيرة قد تفيد من يعتقد أن الأنظمة القومية هي التي اخترعت التغني بالبطولات في أثناء هزائمها- لها علاقة بأمور تتعدّى الجانب التقني المادي إلى الأفكار الإقطاعيّة السائدة في العهد الملكي عموما، ومنذ عام 1947 خاصة، حين صدرت قوانين تحدد بتشدد -بسبب حالة الفوران السياسي والاجتماعي عقب الحرب العالمية الثانية- ما لا يجوز للسينما تناوله مثل الثورات والانتفاضات ومناقشات العدالة الاجتماعيّة أو الترويج لمعاداة الملكيّة وذكر الوزراء والبشوات والضباط إلخ بسوء (6)، وكان المخرج المصري أحمد بدرخان قد عبّر عن هذه الأيديولوجيا قبل سنوات من صدور هذه القوانين في كتابه "فن السينما" الصادر عام 1936، فقال مثلا إن أماكن التصوير اللائقة هي الكازينوهات ونوادي القمار والمصائف (7) (وبالتالي ليس المقاهي والحارات والأرياف التعيسة)، وإن قصص الحب في السينما يفترض فيها التفاهة والسطحية ولا تحتاج إلى التعقيدات النفسيّة والسرديّة التي تحتاج إليها في المسرح.

  

كتاب بدرخان لم يكن مجرد "رؤية" خاصة به، بل إذعان واستبطان لأيديولوجيا النظام الإقطاعيّة وسياسات التمييز الطبقي والجهوي التي تنتجها، ولنتذكر أن السلطات عام 1927 حذفت مشهدا من أول فيلم مصري طويل "فيلم ليلى" لمجرد ظهور "طبلية" فيه (8) ،(ط)، كما لم يقبل مديرو أستوديو مصر إنتاج فيلم كمال سليم "في الحارة" ما لم يغيّر اسمه؛ فغيره سليم إلى "العزيمة" وتحصل على الإنتاج (9). من الطبيعي أن الفيلم كان سطحيا؛ فحتى لو أراد صناع الفيلم إنتاج عمل جيد، ليس مسموحا لهم ذكر الناس العاديين وتورطهم العاطفي في الحرب أو تصوير الشوارع والأرياف والأحياء الفقيرة، ولا الإشارة إلى هزيمة الجيش أو توجيه نقد للحكومة أو حتى إظهار فساد طبقة الإقطاعيين الأرستقراطية التي حكمت البلاد. ولكن بعد أن انهارت الملكيّة واستطاعت تيارات سياسية وثقافية أن تعبّر عن حضورها العنيد عبر تياري الواقعية والواقعية الجديدة، استطاعت السينما أن تنتج النقيض الفني، في ما يخص النقاش الداخلي، لـ "فتاة من فلسطين"، وهو فيلم خيري بشارة "الأقدار الدامية" 1982.

   

    

بالعودة إلى ركائز الأيديولوجيا المُسيّدة في الفضاء السينمائي التي تحكم تناول الشأن الفلسطيني، يمكن تعداد ثلاث ركائز تكوّنت منذ العهد الملكي واكتمل تعضّيها في عهد مبارك:

١- القيادة الأبوية للعرب: أب بلا أبناء

في عهد عبد الناصر كان النظام ينظر لنفسه كمسؤول أبوي عن العرب، بكل ما لهذا الدور من إنجازات وكوارث، ولكنه على الأقل كان ذا بلاغة ومنطق مُتّسقين: يفترض أنه أب ويؤدي مسؤوليّاته المفترضة. ولكن منذ عهد السادات دخلت النخبة في معضلة سياسيّة بلا حل: التشديد على شعار "مصر أولا" بمضمون إقصائي مُتطرّف وأداتي، مع التشديد أيضا على الحق المصري، المتحرر من أي التزامات، في اللقب الأبوي عربيا، هذا بموازة خطاب سياسي أبوي محافظ أطلقه رأس النظام (من مفرداته: كبير العيلة، أخلاق القرية، إلخ) وكرّسه صحف النظام ومثقفوه، مسنودا بتشريعات وقوانين تخصّ السينما تحديدا لإجهاض التقدميّة التي انتعشت في السينما لأنها أخذت الهامش الذي فُتح لها مطلع السبعينيات بجديّة، وأفشلت خطة النظام في حصرها داخل دور أداة الانتقام من العهد الماضي؛ فكانت النتيجة واحدا من أسوأ قوانين الرقابة عام 1976، والذي وصفته جماعة السينما الجديدة آنذاك بأنه امتداد -يكاد يكون في بعض عباراته نسخا- لقانون 1947 (10).

  

في هذا التصوّر الأبوي، يصبح تقدير النظام المصري سياسيا واجب العرب، تماما كواجب الأبناء تجاه الأب وإن كان الأخير غير مقيّد بالتزامات إزاءهم وباعتراف بهم. المسألة هنا ليست فهما أبويا فقط، بل أبوي بأشد المعاني رجعيّة، وهو يصب في نهاية المطاف في مستنقع النزعة الشوفينيّة-الإقصائيّة. من هنا، ليس مسموحا لفيلم سينمائي أن يشير إلى آثار كامب ديفيد على الفلسطينيين والعرب، ولكن يُفضّل أن يُشار إلى أولويّة مصر في سياساتها مع التأكيد اللفظي على دورها القومي (المعدوم فعليا)، وهذا التأكيد الأخير هو عنصر التوازن في صفقة النظام؛ فالسينما -منذ عهد السادات- كما لم تنتج أعمالا تكسر سقف النظام، لم تنتج كذلك أعمالا تعبّر بشكل مباشر عن سياسات الدولة وتحرض على الدول العربية حتى في عز خلافات النظام العربي.

  

هذا الإشكال أحد أسباب السطحية الغالبة على السينما حين تتناول شأنا عربيا بالقياس إلى التقدميّة والعمق في تناول الشأن الداخلي. كما أنها سبب تجاهلات تاريخية كثيرة؛ فلم نجد فيلما مصريا يذكر ولو عَرَضا الاشتباكات المصريّة الليبيّة عام 1977 -حتى فيلم "أيام السادات"- كما لن تجد فيلما يناقش تاريخ الفلسطينيين في مصر وما تعرضوا له في حقبتي فاروق والسادات، أو يتحدث عن اعتقال نظام عبد الناصر لوزراء ومسؤولين في الحكومة اليمنية عام 1966 وغيرها من الأحداث. السينما كانت تعبيرا توفيقيا بين التناقض القطبي في أيديولوجيا النظام أولا، ثم بين الأخيرة ومصادمتها لانحيازات تيار اجتماعي وسياسي واسع، فكانت النتيجة المتوقعة للتوفيق بين المتناقضات سينما الغياب والتجاهل.

      

فيلم "أيام السادات" (مواقع التواصل)

    

٢- المعادلة بين الرئيس والدولة والسياسات الخارجية

نضج تيار الواقعية الجديدة في السينما مع بدايات نظام مبارك، وتوصل الأخير إلى المعالم الأولى للصفقة الضمنيّة التي عقدها مع الفنون بعد فشل صفقة نظام السادات (ي): يبقى الرئيس والدولة خطين أحمرين، ولكن دون معادلتهما بالسياسات الداخليّة؛ فالنظام في نهاية المطاف فيه مراكز قوى ومستفيدون ومناطق نفوذ وتوازنات اضطراريّة يمكن نسبة كل الكوارث إليها، في حين أن السياسات الخارجيّة هي منتج نقي للطبقة العليا من النخبة الحاكمة ومرادف "سياسات الدولة" (ك).

  

من هنا، ظهرت أفلام كثيرة تناقش السياسات الفاسدة للنظام وتدميره للمجتمع، والتعذيب في المعتقلات، وتغوّل أجهزة الأمن، وتحالف رأس المال مع النظام، بل وحتى فساد الوزراء، في حين أن السفارات في السينما والدراما دائما فاعلة، وشخصيّة "السفير" تظهر دوما على قدر عالٍ من الرُّقي الوطني والأخلاقي. كما أن كل سياسات النظام الخارجية لا تناقش إلا من باب التقدير، وهذا أمر لا يخص السلام مع إسرائيل فحسب، بل كل الشؤون الخارجية: سياسات مصر مع أفريقيا، ومع الدول العربيّة وشؤونها ابتداء من القضية الفلسطينية وانتهاء باحتلال العراق، ونقل معتقلين بتهم الإرهاب من الولايات المتحدة إلى مصر لتعذيبهم، وحتى سلوكيات السفارات مع الجاليات المصريّة في الخارج، وغيرها.

  

٣- العربي المُتَجاهَل والأوروبيّ الجميل

عدم الاعتراف التاريخي بالعربي ولا بدوره في الريادة الثقافية والتطور الاجتماعي المصري في النصف الأول من القرن العشرين في مقابل التحسر على الجاليات الأوروبيّة ككنز ثقافي ضائع، سلوك شائع في الإنتاج الثقافي منذ عقود، وهو تعبير عن التناقض الثقافي-السياسي الأبرز تقريبا -والذي يمت بصلات إلى التناقض الأول المذكور آنفا- وهو تناقض الوطنيّة المتطرّفة مع المتروبول. كانت المدينة المصريّة (القاهرة والإسكندريّة) -ومن المفترض أن تبقى- مركز ثقل حضاريا عربيا يتداعى إليه رأس مال بشري من محيطها الثقافي العربي ومقابلها الجغرافي الأوروبي. من صعوبات هذا النوع من المراكز أن عمليّة إدراك الذات وتفاعلاتها تحتاج إلى توازنات دقيقة لكي يحافظ المتروبول على ذاته؛ فمن حق المتروبول ممارسة الفخار "الوطني" بصفته "الكوزموبوليتانيّة"، ولكن ما يمنع تحوّل التناقض النظري في هذه الممارسة إلى تناقض عملي، وبالتالي مشكل هويّاتي، هو تقديره الدائم كذلك لدور القادمين الحيوي في ثرائه الثقافي والاقتصادي والبشري.

     

في الحقبة الناصريّة تشكّلت ملامح التيار الواقعي منبثقا من النضال السياسي والثقافي في نهاية الأربعينيات؛ فرأينا أفلاما مثل "الناصر صلاح الدين"

مواقع التواصل
     

ما يميز المدينة المصريّة الحديثة من مثيلاتها في الغرب أنها لم تكن متروبولا مكتملا إلا للعرب فحسب، لأنهم قدموا للدراسة والعمل والثقافة والفنون وتحقيق حراك اجتماعي وملاقاة منتجات الحداثة في فضاء حضاري يتّسقون داخله، أما الأوروبيّون فجاؤوا للإثراء وممارسة التسلط تحت إغراء القوانين الحكومية في القرن التاسع عشر التي كانت تحابيهم وتعطيهم امتيازات على حساب أبناء البلاد، ثم بسبب الاحتلال وسياساته التمييزيّة ضد المواطنين، ولهذا مع رحيل الاستعمار وانعكاس تغيُّر أيديولوجيا الدولة في نظامها القانوني، بقيت مصر متروبولا عربيا وليس كوزموبوليتانيا.

  

في الحقبة الناصريّة تشكّلت ملامح التيار الواقعي منبثقا من النضال السياسي والثقافي في نهاية الأربعينيات ومدعوما جزئيا بوصول الأيديولوجية القوميّة إلى قيادة الدولة؛ فاستجابت السينما، عن إيمان حينا وعن تملق أحيانا، للانحيازات القومية، فرأينا أفلاما مثل "الناصر صلاح الدين"، و"جميلة"، و"ثورة اليمن". بغض النظر عن الرأي في مستوى هذه الأفلام، انتهت مرحلة الاهتمام بالعرب في السينما مع تشكُّل أيديولوجيا النظام في عهد السادات كما أشرنا سابقا.

    

   

منذ تلك المرحلة، أصبح شائعا ظهور أفلام ومسلسلات ومسرحيات تتحدّث عن "الخواجات" من يونانيين وإيطاليين وأرمن علاوة على الأتراك، بإعجاب وحنين، في مقابل لمحات عابرة -ومتواضعة المستوى- للسوريين من شوام مصر، ولكنّ الفلسطينيين منهم، وغيرهم من العرب تقريبا لا يُذكرون كوجود اجتماعي أو مصدر إنجاز ثقافي، وقد تشرّبت قطاعات الثقافة المختلفة هذا النزوع ووصل مداه المتوقع في قيادات الصناعة السينمائيّة -المرتبطة بأجهزة النظام- مع تصريحات نقيب الممثلين أشرف زكي عام 2008 عن منع -وتشديد شروط- عمل الفنانين العرب في السينما (11)، مع العلم أن أوّل نقيب للممثلين في مصر كان المسرحي اللبناني جورج أبيض!

     

الثقافة المصرية شهدت صراعا منذ بدايات عصر النهضة حول الهويّة والانتماء الثقافي للمجتمع، وكان التيار الذي تعبر عنه السلطة الحاكمة تيار إقطاعي-أرستقراطي يعادل الطبقات الفقيرة والفلاحيّة بالعوام والرعاع، وينظر لنفسه كامتداد للحضارة الأوروبية والتقاليد الملكيّة التركيّة وكمركز سياسي للعرب، وقد تشارك مثقفون متنورون أفكارا مع هذا التيار رغم انحدار بعضهم من أصول فلّاحيّة محليّة مُعدَمَة. في مقابل تيارات اجتماعية ماركسيّة وقومية وإسلاميّة معبّر عنها في النخب المثقفة والحياة السياسية، خاصة في الأربعينيّات، وكانت الأيديولوجيا المتشكلة في عهد السادات ثم المكتملة والمنقّحة في عهد مبارك هي إعادة اتصال مع هذا التيار الإقطاعي في العهد الملكي بانحيازاته الطبقيّة والثقافيّة والهويّاتيّة، ولكن بنسخة جمهوريّة تستوعب داخلها إرث النضال الوطني والحقد على المرحلة القوميّة دون القدرة على تجاوز منطلقاتها الغائرة في نسيج الدولة القمعيّة وتاريخ التشكل الاجتماعي.

  

من هنا مثلا نلحظ أنه في فيلمي "فتاة من فلسطين" و"أرض السلام"، يؤكّد حقيقة أن معركة فلسطين هي معركة العرب جميعا وأن محاربة إسرائيل ليست معروفا يسديه النظام للفلسطينيين بل واجب وطني لحماية مصر. في حين أن الأفلام والأعمال التلفزيونية منذ نهاية السبعينيات تُكرس الصراع باعتباره مصريا-إسرائيليا وليس عربيا؛ فلا تجد في عشرات منها إشارة مثلا للفلسطينيين المهجرين الذين شاركوا في القتال داخل الجيش المصري في حرب الاستنزاف، أو دور الجزائر وليبيا في دعم تسليح الجيش المصري بعد هزيمة يونيو/حزيران، كما تكاد الجبهة السورية وتضحيات الجنود العرب مع الجيش المصري تُمحى من سرد يوميات حرب أكتوبر 73. ما دامت الحال هذه في السرد السينمائي لمفاصل التاريخ المصري الحديث، فمن الطبيعي ألّا نجد ذكرا للفلسطينيين والعرب في السرد السينمائي والتلفزيوني للتطور الاجتماعي والثقافي.

  

خاتمة: فلسطين في كلّ تحرر

لأن تجاهل فلسطين هو حصيلة تسلّط أيديولوجي ورأسمالي معقّد، نجدها حاضرة في كل محاولة تحرر تقدميّة في السينما، وهذا حدث في أربعة أشكال:

أ- التشقّق الأيديولوجي للنظام

يبقى الزلزال الذي أحدثته هزيمة 67 هو التشقق الأبرز. ظهرت جماعة السينما الجديدة عام 1968 وأعلنت بحدّة عن طموحاتها لإنتاج سينما مختلفة اللغة الأفكار والتحيُّزات، وكان أول إنتاجاتها فيلم "أغنية على الممر" والذي يُعد نقديا علامة في مسار السينما. المشوّق في الأمر، أن ثاني إنتاجات الجماعة، وآخرها، كان فيلم "الظلال في الجانب الآخر" للمخرج الفلسطيني غالب شعث. هذا الأمر له، إلى جانب دلالاته الثقافية عن التداخل الثقافي المصري-الفلسطيني المنسي، محمول رمزي -لا ثقل تحليلي له- عن علاقة قَدَريّة غريبة بين الفلسطينيين وولادات السينما المصريّة: أولاهما على يد الأخوين لاما، وثانيهما بمشاركة غالب شعث. الفلسطيني "عُمر" الذي قدمه شعث كان مندمجا في الطبقة الوسطى والمجتمع الطلابي، مع التزامه الأخلاقي والوطني بقضيته بدون عُصاب وشعاراتيّة: فلسطيني مديني وهادئ وقادر على المحاججة العقلانيّة بخصوص قضيّته. كان هذا أول وآخر فلسطيني تقدمه السينما بهذه الملامح داخل المجتمع المصري (ل).

    

  

ب- الهرب من إكراهات النظام

فيلما "المخدوعون" 1972 (عن رواية غسان كنفاني "رجال في الشمس") و "باب الشمس" 2004 (عن رواية إلياس خوري "باب الشمس") من أهم الأفلام العربيّة عن فلسطين والفلسطينيين، وهما من إخراج المصريَّيْن توفيق صالح ويسري نصر الله على التوالي، ولكنّ الفيلمين ليسا من إنتاج مصري. ظاهرة التجاهل إذًا لا ترجع إلى مشكلة جينيّة داخل الثقافة السينمائيّة، وليست غلبة قناعات سياسية-اجتماعيّة معيّنة عند صنّاعها، بل ترجع أولا إلى تسلّط النظام وأدوات قمعه البيروقراطيّة، بالإضافة إلى رأس مال بلا دور وطني أو تنويري، متذيّل للنظام يخشى على امتيازاته من أجهزة الرقابة والأمن إذا أنتج أعمالا تُخالف الأفكار السائدة والمُسيّدة.

     

نضيف إلى هذا ملاحظة أخرى: كلا الفيلمين مأخوذ عن روايتَيْن غير مصريَّتيْن، كما أن شخصية الطالب الفلسطيني في فيلم غالب شعث كانت إضافة منه ولم تكن موجودة في رواية الكاتب المسرحي المصري محمود دياب "الظلال في الجانب الآخر" التي أُخِذ منها الفيلم. هذه الملحوظة تقدح تساؤلا عن مدى تورّط الأدب المصري في الشأن الفلسطيني وحجم تجاهله للعلاقات التاريخية بين مصر وفلسطين بالقياس إلى التجاهل السينمائي والعلاقة بين "التجاهلين".. هذا تساؤل لا أمتلك حوله الآن إجابة واضحة وأعتقد أنه يستحق البحث.

     

ج- التمرّد على مُسَلّمات النظام

بخصوص فلسطين، حدث هذا مرّة واحدة، في فيلم "ناجي العلي" 1991 لعاطف الطيّب؛ فقد تعدّى على ركائز أيديولوجيا النظام وأفكاره عن الوطنيّة الإقصائيّة: أولا الفيلم بطله فلسطيني، وثانيا لا يلعب النظام المصري دورا أبويا في القصة، وثالثا بطل الفيلم هو فنان "غير مصري" كان ينتقد بقسوة، في حياته الواقعيّة وليس في الفيلم، سياسات مصر الخارجية وتطبيعها مع إسرائيل وضربها القضية الفلسطينية ويسخر من رأس النظام (أنور السادات)، ورابعا ظهر الفيلم نهاية عام 1991، في غمرة حملات الكراهية وممارسات العقاب الجماعي ضد الفلسطينيين التي قادتها أنظمة عربية، منها النظام المصري، بُعيد طرد الجيش العراقي من الكويت، وخامسا كانت الشخصية المصرية في الفيلم "محمود الجندي" غير "بطوليّة" بالمضمون الساذج والنرجسي للكلمة كما تفهمها السينما التجارية المتوائمة مع تصورات النظام عن الوطنيّة متورّمة الذات.

  

رغم أن الفيلم لم يشر إلى معاهدة السلام وحذف من حياة العلي كل نقده للنظام، ربّما لم يُروَّع فيلم آخر وصُنّاعه كما حصل مع "ناجي العلي" حيث قادت الأجهزة الأمنية عبر صحف النظام حملات تشويه ضد نور الشريف وبشير الديك وعاطف الطيب ومحمود الجندي بل وحتى ناجي العلي، استخدم فيها الشتم والتخوين ودعوات سحب الجنسية وشارك فيها ممثلون وفنانون ونقاد ضد زملائهم. جعل النظام من هذا الفيلم عِبرة لكل من تحدّثه نفسه بنطح السقف الأخير في السينما، وكان سلوك نور الشريف الاعتذاري عن الفيلم أحد مؤكدات تحليل هذه المقالة لأيديولوجيا النظام: أدى الشريف دور البطولة في مسلسل "الثعلب" 1993 والذي يحكي "بطولات" المخابرات المصرية المكرورة ضد إسرائيل، وبطولة مسلسل إذاعي عن الرئيس حسني مبارك "مسلسل سيرة ومسيرة" 2001، وكأن الاعتذار عن خرق الحدود لا يكون إلا بالاعتراف بها وتأكيدها.

     

  

قيمة الفيلم في تحديه للمسلمات وفي توقيته الشجاع أخلاقيا، ولكنه في رأيي لم يكن ناجحا على المستويين الفني والسردي؛ مقابل التعقّل والشجاعة الأخلاقية عند بشير الديك، نجد نصا أقرب إلى التسجيل منه إلى العمل الدرامي المشحون والتي كانت توفره لكاتب محنك مثل الديك حياة ناجي العلي، كما أن نور الشريف لم يكن مقنعا في أداء الدور لا على مستوى التشخيص ولا على مستوى الانفعالات. ما أنقذ الفيلم، وجعله فيلما سينمائيا، هو شخصيّة المصري بذلك الأداء الممتاز لمحمود الجندي، ذلك التعبير العذب والمعذِّب عن دخيلة الإنسان العربي وآماله المقهورة (م). الطابع التسجيلي للفيلم، والذي لا يحيل المشاهد إلى أشياء لا يعرفها، تعود بنا إلى ملاحظتنا الفرعية في الفقرة (ب) عن مدى تجاهل الأدب لفلسطين ومدى عمق معارفه عنها.

  

نجح النظام في هدفه ورسم بحملته على الفيلم الحدود جيّدا؛ فلم يتجرّأ أحد بعد صناع "ناجي العلي" على تجاوزها، وهذا واضح بالأخص في أعمال كبار النقديين في جيل الثمانينيّات والتسعينيّات من المخرجين وكتاب السيناريو؛ فمخرج جيّد مثل شريف عرفة، الذي قدم مع السيناريست ماهر عوّاد -خاصة في فيلمي "سمع هس" و"يا مهلبيّة يا"- تهكّما جريئا على الفهم الرسمي المبتذل للوطنيّة، وأخرج مسرحية "الزعيم"، عاد حين تناول سياسة النظام إزاء إسرائيل في فيلمه "ولاد العم" 2009 إلى الإذعان لأيديولوجيا النظام والتقاليد البالية في تصوير الفلسطيني حتى تلك التي تجاوزتها أفلام الانتفاضة الثانية؛ فالفلسطيني الوحيد داخل المدينة الإسرائيليّة، رجل بحطة وعقال كما أنه جبان خاف من مساعدة البطلة المصريّة (منى زكي) بأن يدلها على طريق السفارة المصرية (وإن كان ذهب لاحقا وأبلغ السفارة عن المصرية التي استوقفته في الشارع!) وكأن عرب 48 لا يزالون في عهد الحكم العسكري في الخمسينيّات.

    

  

كما أن عرفة اجترح سابقة في الفيلم؛ فقد أُقحِمَت فكرة تهريب بطل القصة (كريم عبد العزيز) إلى إسرائيل كعامل بناء، رغم أن ثمة طرقا أخرى أكثر واقعية لتهريبه، لا لشيء إلا لكي يُصوّر ذلك المشهد الذي يظهر فيه عُمال فلسطينيون يعملون في بناء الجدار العازل، وهكذا إذا كانت مصر أضرت بالفلسطينيين و"اضطرت" إلى توقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل، فإن الفلسطيني نفسه أضطر إلى أن يعمل بيديه ضد بلاده وأبناء جلدته.

   

د- تحرر الثقافة من النظام

حدث هذا لمرحلة قصيرة بين ثورة 25 يناير وانقلاب الجيش في 2013. في هذه المرحلة كان رأس المال لا يزال خائفا على امتيازاته التي قد تذهب أدراج الرياح في حال تمكنت الثورة من إنتاج نظام ديمقراطي وجهاز قانوني محترم، بالإضافة إلى مخاوف استثمارية بحتة تخص الإنتاج السينمائي في وضع غير مستقر لا يضمن عائدا جيدا للاستثمار. ولكن مع ذلك ظهرت أفلام ناقشت المحرمات السابقة؛ فنجد مثلا في فيلم سامح عبد العزيز "صرخة نملة" 2011 كسرا مباشرا لمسلّمات النظام حول السياسة الخارجية، سواء كيف تعاملت السلطات مع المصريين العائدين من العراق، أو بيع الغاز لإسرائيل. وفي فيلم عصام الشمّاع "الفاجومي" 2011 يُتَهَكّم صراحة على الرئيس وتُهاجم السياسات الخارجيّة للدولة وتذكر فلسطين وثِقَل القضيّة الفلسطينيّة في الاحتجاجات الطلابيّة مطلع السبعينيّات.

    

  

للأسف لم تَدُم فترة التحرر من سطوة النظام إلا عامين ثم انتكست السينما بفعل انتقاميّة نظام الثورة المُضادة إلى وضعها الأسوأ تاريخيا فيما يتصل بحريّة التعبير ومدى القمع الممارس على كل فيلم يسوّل الخيال الفني لصُنّاعه التعبيرَ الحُر عن انحيازات سياسيّة غير الدعاية للنظام. مع ذلك، تجب ملاحظة بعض الأمور تجنُّبا للأوهام: لم تكن استجابة السينما لعصر التحرر القصير اقتحاميّة بخلاف قطاعات أخرى فنيّة وثقافية، ونلحظ في قائمة أهم أفلام عامي 2011 و2012 ترددا يعبر عن ذاته في سياسة "اللعب على المضمون"، وهذه ملاحظة تساعدنا في فهم السينما كصناعة؛ فهي أولا رأس مال، وفي فترة اضطراب تكون الجماهير فيها مستغرقة في يوميات السياسة كما المرحلة الانتقاليّة لا يكون الاستثمار في السينما مضمون العائد، أو هكذا يعتقد المنتجون ورجال الأعمال.

  

الأمر الآخر أن التقاليد البيروقراطيّة، بعكس الرئيس، يصعُب خلعها، وهيئات الرقابة على السينما هي، في نهاية الأمر، جهاز بيروقراطي يديره موظفون تربّوا عقودا على ممارسات وأيديولوجيا وشبكات مصالح وقوانين وتوازنات معيّنة، ولا يمكن تغيير هذا بمجرّد ذهاب رئيس عن الحُكم؛ فالأمر يحتاج إلى إصلاحات قانونيّة وتشريعات وصياغة علاقات جديدة بين الدولة ورأس المال. الأمر الثالث هو أن أيديولوجيا النظام ليست منقطعة الصّلة بالمجتمع أو السينما؛ فثمّة تيار داخل الأخيرة يؤمن فعلا بأفكار النظام عن الوطنيّة وعلاقة البلاد بالعرب ويستبطن انحيازاته الاجتماعيّة وتمييزه الطبقي والجنسي، كما أن للنظام الذي رَسَخ عقودا قواعد اجتماعيّة تتبنى الأفكار نفسها ويخاطبها هذا التيار السينمائي بسهولة؛ فهو لا يحتاج إلى التعبير عن ذاته/النظام إلى إبداع فَنّي أو روح ابتكاريّة، بل يعيد إنتاج الأفكار والمؤثرات نفسها وأحيانا العبارات من مئات الأفلام السابقة التي تشكلت تحت ضغط سياسات النظام والتصورات النمطيّة عند المخرجين، واستقرت في شكل تعليمات ثابتة لكسب رضا الجمهور العامّي ولاستثارة عواطفه في كل موضوع: الوطن والحب والبطولة والرجولة والأنوثة وغيرها.

  

وهذا يعني أنه حين تنفتح أبواب المجال العام من جديد ويتم تغيير أو إصلاح النظام، سنرى أفلاما ومسلسلات تتبنى خط النظام نفسه، لأنها مقتنعة فعلا به وتخاطب قواعد تؤمن بها. وفي المقابل، ستقول السينما الكثير عن مصر وعن فلسطين والفلسطينيين بفكر راق ورؤى خلّاقة ووطنيّة واثقة من نفسها، وهذا استنتاج من متن المقالة وتضاعيفها وليس نبوءة؛ فقد ثَبُتَ أن إكراهات النظام وتحالفاته الفاسدة مع رجال الأعمال هي الفارض الرئيس للذوق العامّي وسياسة التّجاهُل والتجهيل على السينما. كما أن بزوغ فلسطين بجديّة سينمائيا، كما رأينا أعلاه، يندفع دوما من قلب كل فعل تحرر خلّاق من قيود القمع والانحطاط والإكراه.

 --------------------------------------------------------------------

الهوامش:

أ-هذا خلط شائع حتى بين المختصين، أنظر مثلًا الكتاب المهم للمؤرخ السينمائي الفلسطيني بشّار ابراهيم فلسطين في السينما العربيّة (نسخة إلكترونية دون بيانات النشر)  كما حاول محمود قاسم استحضار فكرة مقاربة لهذا التمييز في كتابه الفيلم السياسي في مصر (القاهرة: الهيئة المصريّة العامة للكتاب، 2012)،  ولكنه لم يوفق في تطبيقه باعتقادي.  

  

ب- توخيًا للإيجاز، كل حديث في المقالة عن السينما والمجتمع والتاريخ و..إلخ بدون ذكر الصفة الوطنيّة (مصري، فلسطيني، ..الخ)، يقصد به الحديث عن مصر، مالم يُذكر خلاف ذلك في المتن.

 

ج- لا تعتبر كثير من الكتب المؤرخة للسينما المصرية فيلم الأخوين لاما "قبلة في الصحراء" أول فيلم مصري، رغم أنه عرض قبل فيلم "ليلى" -أول فيلم مصري كما تقدمه هذه الكتب- بنصف عام تقريبًا.

    

 د- بعد أربعين عامًا، سيكون كمال الشيخ، من موقعه عضو لجنة تحكيم في مهرجان القاهرة السينمائي، أحد الأدوات الفاعلة في حملة النظام على صناع فيلم "ناجي العلي".

 

هـ -لمطالعة أبرز أفلام هذه المرحلة، أنظر: هاشم النحاس، السينما الشابة: الموجة الجديدة في السينما المصريّة، ط١ (القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة،2008). مع التنويه إلى أن الكتاب  فقير نظريًا واكتفي فيه بذكر الأفلام وصياغة بعض المقارنات والتقييمات.

  

و- ثمّة عشرات التعبيرات المراوغة -رغم وقاحتها- عن هذا الإدراك الذكوري في السينما، ولكن التعبير الفج، والصادق -وأكاد أقول الجَميل في جزالته!- كان في جملةٍ على لسان ضابط الشرطة (هشام سليم) في فيلم محمد علي "الأولة في الغرام"  2007، وهو يبدي إعجابه بالشاب (هاني سلامة) الذي ضُبِطَ وهو يمارس الجنس مع سائحة أمريكيّة، قائلًا له: إنتَ مواطن مصري أصيل؛ خليت أمريكا تحت واحنا فوق!

  

ز-من النجاحات الأساسيّة في فيلم يسري نصر الله "باب الشمس" المشاهد الجنسيّة؛ فبها كُسِرَ نسقٌ من الصور الإدراكيّة النمطيّة والأفكار المسبقة عن الفلسطيني، وهذه حالة نادرة؛ بعكس ما يُردد المُخرجون، نادرًا ما كانت المشاهد الحميمة متسقة مع السياق الدرامي أو مثلت فعلًا ثوريًا في السينما، هي غالبًا أداة تشويش على سطحيّة التناول وفقر الرؤية، وتكريس للأفكار النمطية.

  

ح-هذا التجاهل في المسلسل كان واعيًا، وهذا يؤكد زعمنا بأن ممارسات التجاهل المفروضة من النظام على السينما والتلفزيون بخصوص فلسطين ترقى إلى سياسة تجهيل تاريخي ممنهج، والدليل على ذلك تصريحات كاتب سيناريو المسلسل محمود الطوخي قُبيل الانتهاء من تصويره والتي يشير فيها إلى دور أنصار الثورة الفلسطينيّة في تشكل وعي الحركة الطلابيّة آنذاك، ومع أن المسلسل "تجرّأ" وناقش في منتصفه احتجاجاتهم -رغم تصويرهم كغارقين في الشعارات ومتعصّبين- لا أثر في الأحداث لأي شخصيّة فلسطينيّة أو عربيّة، أنظر الرابط (تاريخ الاطلاع: 15.03.2019)

    

ط- في كثير من الكتب التي تناقش تاريخ السينما العربيّة، يُذكَرُ كتاب جان ألكسان السينما في الوطن العربي (عالم المعرفة، 1982) كمرجع. في الكتاب المذكور لاحظنا التالي: رغم إشارة المؤلف لكتاب سعد الدين توفيق قصة السينما في مصر وأهميته وذكره في هوامش الفصل الخاص بالسينما المصريّة، سطا ألكسان عمليًا على كتاب توفيق ونسخ فصولًا منه، كلمةً كلمة، وضمها لفصل السينما المصريّة في كتابه!

ي- للمزيد حول هذه النقطة، أنظر: أيمن نبيل، ندماء الرشيد ، على الرابط (تاريخ الاطلاع: 15.03.2019)

   

 ك- إحدى الحالات المعبرة عن هذا التمييز قصة مسلسل "نقطة نظام" مع الرقابة؛ قال محمد صفاء عامر، كاتب السيناريو، إن الرقابة لم تمس عرض المسلسل  للفساد الحكومي والعلاقات العاطفية، ولكنها أعملت مباضعها فيما يخص إسرائيل، أنظر التصريحات على الرابط (تاريخ الاطلاع: 15.03.2019)

   

ل- كان الفيلم على مستويات عدّة محاولة جريئة لتقديم رؤية مختلفة، خاصة على مستوى تكنيك السرد واستخدام الأغنية الممتاز (أغنية "النيل مسافر").  ولهذا من الغريب أن بعض النقّاد يتهكّمون على الفيلم ويركّزون على نقاط ضعفه  دون الأخذ بعين الاعتبار أنها ناتجة عن جرأة المحاولة وحدود إمكانيات صُنّاعه الماديّة، كمثال على هذا النقد أنظر: إبراهيم العريس، المجتمع والسينما في الوطن العربي: القاموس النقدي للأفلام، ط١( بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة، 2015) ص 288- 290

   

م- للمزيد، أنظر الفيلم الوثائقي حول أزمة فيلم "ناجي العلي" على الرابط (تاريخ المشاهدة: 15.03.2019).

تقارير متصدرة


آخر الأخبار