انضم إلينا
اغلاق
في الموسم الأخير من "Game Of thrones".. هل سينجح التارجيريان في استعادة العرش؟

في الموسم الأخير من "Game Of thrones".. هل سينجح التارجيريان في استعادة العرش؟

آية طنطاوي

كاتبة
  • ض
  • ض

لم تعد الأساطير جزءا خرافيا من تاريخنا الإنساني، فعلى مر الأزمنة، تعاقبت الحكايات، وورثناها، حتى بتنا نتعامل معها كجزء من موروثنا الثقافي المحكي من الأسلاف، نعرف أنه ليس هناك وجود حقيقي لحرب طروادة التي استمرت تسع سنوات وأن هوميروس كتب ملحمته الشعرية الإلياذة والأوديسة بالكامل، لكننا نردد حتى الآن تلك الملحمة ونتغنى بجمال هيلين التي اشتعلت بسببها الحرب بين اليونان والإغريق[1]، حرب البشر والآلهة، الصراع الأبدي بين الخير والشر، الأبطال والأعداء، الأقوياء والضعفاء، الشمال والجنوب، كل الأساطير تستمد مفرداتها من حياتنا، ونحن بالمقابل نقضي أعمارنا نقتفي أثر أبطال خياليين أصبحنا نعتبر معاركهم الشخصية خاصة بنا.

 

في منتصف التسعينيات أصدر الكاتب البريطاني جورج ر.ر. مارتن رواية "لعبة العروش" لتكون الجزء الأول من ملحمة ثلاثية بعنوان "أغنية الجليد والنار" تدور في عالم خيالي لا يختلف كثيرا عن عالمنا الواقعي، لكن الملحمة تمزج بين صراعات البشر على حكم العالم وبين السحر وقوى الطبيعة في صراعها الأبدي مع الإنسان. ما يمتعنا في "أغنية الجليد والنار" أنها ملحمة جديدة ما زالت تسطر حروفها بينما نمارس نحن حياتنا اليومية، وتؤكد من جديد أن البشر مولعون بالملاحم والأساطير الخرافية، وأننا سئمنا أيضا من الأبطال الذين لا يقهرون، وسئمنا المثالية الزائدة وما ورثناه من تاريخنا البشري الذي لا ينتصر فيه دائما الخير على الشر.

 

"إنّ جورج مارتن شخص زاهد، عبد لشخصياته وللغاته المبتكرة التي أبدعها بكل ما للكلمة من معنى، مندفعا برؤية جامحة لأفضل قاصٍّ للحكايات"[2]

  

   

يملك مارتن مخيلة إبداعية لم تكفه الأجزاء الثلاثة لضخها فقرر أن تكون سباعية ما زال يكتب أجزاءها حتى لحظتنا الآنية، لكن يسبقها في الصدور مسلسل "صراع العروش" (Game Of Thrones) المقتبس من الملحمة والذي ننتظر موسمه الأخير في الأيام القليلة المقبلة[3]. عشرات الأسئلة تتدفق في عقولنا عن نهاية هذه الملحمة التلفزيونية، تُرى من سينتصر في نهاية الأمر؟ وكيف؟

 

"أنا دم التنين.. أنا دينيرس وليدة العاصفة، أميرة دراجنستون، من دم ونسل إجون الفاتح"

(رواية لعبة العروش)

 

ما زالت شابة صغيرة، لا تملك من الحياة سوى ذكريات طفولية وحلم بالعرش البعيد الذي جلس عليه أجدادها منذ ما يقرب من خمسمئة عام. اسمها دنيريس تارجيريان، هي الابنة الوحيدة المتبقية من نسل عائلتها التي اشتهرت بترويض التنانين وتوحيد الممالك السبعة في العالم الملحمي للعبة العروش[4]، هي أم التنانين، لحظة ميلادها هبت عاصفة من شدتها اقتلعت الأحجار من القلاع لذلك سميت بوليدة العاصفة، هي أميرة على أنقاض عرش سُلب من أبيها الملك ايريس تارجيريان بين عشية وضحاها بسبب خيانة تعرض لها من روبرت باراثيون ولاحقا سيصبح الأخير ملكا متوجا على عرش الممالك السبعة. عندنا الكثير من الأسباب لنتعاطف مع هذه المرأة ونحبها، فهي جميلة، مغلوبة على أمرها لأنها تتبع خطى أخيها الجشع الذي يرغب في استعادة ملك أبيه كأنه حلوى اختُطفت منه عنوة، لكنها كما تقول دوما عندها إيمان وحلم بأن ما أُخذ منها ستستعيده هي بقوة هذا الإيمان وبقوة ثلاثة تنانين تنفث النيران في جيوش الأعداء فتحوّلهم إلى رماد منثور، لكن هل هذا يكفي لتستعيد دينيرس العرش؟

 

"أرضنا بحق الدم، سلبت منا بالخيانة لكنها لا تزال أرضنا. لا أحد يسرق التنين، لا، لا، التنين يذكر كل شيء"

رواية لعبة العروش

  

 

رقصة التنين

يقول مارتن إنه لم يكن يعلم شكل التنانين قبل الكتابة عنهم، لأن التنانين انقرضت منذ قرون والسماء الآن لم تعد تحلق فيها سوى الطيور الحالمة التي لا تؤذي ولا تضر، وما يغيب عن بعضنا أن التنين هو جزء من ثقافة شعوب العالم القديم، فقد ورد ذكره في ملحمة جلجامش، وذُكر أيضا في سفر الإصحاح في الكتاب المقدس، كما ورد في الأحاديث النبوية، لكن لم يأت ذكره إلا وكان مصاحبا للخوف والعذاب[5].

 

"هناك الكثير من التنانين والمعارك والخيانات"

(جورج ر.ر. مارتن)

 

دعونا نتخيل أننا في عصر تعيش فيه تنانين تروضها حكومات أو جهات سيادية ما، إذا غضبوا على أحد ستحوّله التنانين إلى رماد، التنين قوة لا تعرف التفاوض ولا يستوعب منطقها الرحمة أو الجزاء، إنها تبيد بالأمر وتحلق بالأمر. على مدار الموسم الأول للمسلسل ودنيريس تضع كل قوتها في آخر ثلاث بيضات للتنانين، أخبرها الجميع أنهم لن يتحولوا إلى شيء لكنها تشبّثت بأمل ضعيف وما حدث أنه تحقق بالفعل وتحوّلت البيضات إلى ثلاثة تنانين يُشكّلون مصدر القوة التي تملكها دينيرس وتسير بها من قارة إيسوس في الشرق إلى قارة ويستروس في الغرب لتستعيد العرش المسلوب من عائلتها، لكنها بدون هذه التنانين لا تملك ما يكفيها للانتصار في معركتها الأخيرة.

 

"النساء قادرات على القيادة بالحكمة ذاتها كالرجال"

(رواية لعبة العروش)

 

في واحد من مشاهد الموسم الأول من المسلسل يتحدث روبرت باراثيون مع زوجته سيرسي لانسيتر ويخبرها بحكمة بسيطة هي جوهر مفهوم القوة لروبرت: "جيش واحد يتقدمه قائد واحد وبهدف واحد أقوى من خمسة جيوش"[6]، تبدو معادلة منطقية ويمكننا تتبعها إلى نهاية الموسم الأخير من المسلسل حيث تواجه سيرسي وحدها تحالف دينيرس مع عدد من العائلات لغزو ويستروس واستعادة العرش، لكن وفق معادلة روبرت -الذي انقلب على والد دينيرس وأطاح به- فإن دينيرس في موضع ضعف لا قوة، وأن سيرسي رغم أنها وحيدة أمامهم مجتمعين فإنها في هذه المعادلة قوية ومن الصعب كسرها.

  

عندما سُئل جورج مارتن عن سبب قتله لشخصيات الرواية قال إن الموت جزء من الحياة، والفن بدوره يعكس لنا جوانب الحياة

مواقع التواصل
  

لا ترفع لعبة العروش أي شعارات حالمة، بل تقودنا لمواطن الظلام قبل النور، وتعرفنا أكثر على الشر قبل الخير، وعلى قوة المرأة التي تتساوى في جبروتها مع الرجال، ووفق هذا الدرس الطويل الذي لم ينتهِ بعد تبدو أحلام دينيرس الحالمة محض أشعار تليق بأغنية سعيدة لكن نهايتها على الأغلب ستكون تعيسة للغاية، فالقوة ليست مجرد تنانين أو جيش كاسح مثل الدوثراكي أو الأنقياء*، لكن الدهاء هو القوة الأهم، والنيّات الطيبة لم تعد تكفي لينتصر أهلها.

 

عندما سُئل جورج مارتن عن سبب قتله لشخصيات الرواية قال إن الموت جزء من الحياة، والفن بدوره يعكس لنا جوانب الحياة[7]، وهذا هو جوهر الدراما التي يقدمها لنا مارتن وكُتّاب المسلسل، فلا يوجد كشف لجانب واحد وردي من الحياة، بل إن كل الألوان موجودة، وكل شخصية اختارت أن تنتمي إلى لون يعكس طبيعتها، ليتحوّل المشهد النهائي إلى الصراع الأبدي بين الجليد والنار، هل سينتصر أحد على الآخر؟ أم أن الاثنين سيختاران البقاء متجاورين دون أن يمسس أحدهما الآخر كما يحدث في حياتنا الطبيعية، وكما يحدث في تعاقب فصول السنة؟ ونحن بين الشتاء والصيف كما الرحالة بين الاثنين، نأنس بالملحمة ونستمتع بنسمات الصيف قبل انهمار الثلج من سماء ملبدة بالغيوم.

 

يكتب جورج مارتن الآن نهاية الملحمة "رياح الشتاء" و"حلم بالربيع" كأنهما المقطع الأخير في سباعية أنشودته الخالدة، يراقب فصول العام، مثل الموسيقي الشهير فيفالدي الذي وصف لنا ما تحمله فصول العام من خلال سونيتات موسيقية نسمعها فنشعر بالبرودة أو الدفء.

 

    

تحتاج "أغنية الجليد والنار" إلى كلا العنصرين لتكتمل المعادلة التي هي قوام العالم الدرامي للملحمة الأدبية والتلفزيونية، الجليد هناك في الشمال حيث الجدار والخطر القابع خلفه، والنار التي ينفثها التنين هي كل ما يحتاج إليه هذا العالم ليصبح متكاملا في صراعاته. لكل عملة وجهان أحدهما طيب والآخر شرير، لكن علينا ألا نثق في المظاهر الخادعة، وعلينا أيضا أن نقنع بأن الجنون والعظمة وجهان لعملة واحدة، وأن كل حكام التارجيريان يتأرجحون بين هذين الوجهين، ودنيريس في الموسم الأخير من "لعبة العروش" إما أن تُثبت للجميع عظمتها كآخر حكام عائلة التارجيريان، وإما سيصيبها الجنون وتفجر ما لم نعهده على ملامحها الهادئة كجبل لم يثر بركانه بعد وتنقلب الملامح الطيبة إلى غضب يشبه إيقاظ التنين من سبات طويل.

---------------------------------------------------------------

هوامش:

*الجيوش التي تقودها دينريس في رحلة غزوها لويستروس

تقارير متصدرة


آخر الأخبار