انضم إلينا
اغلاق
دستور التوحش والرأسمالية.. لهذه الأسباب يحب الديكتاتوريون فيلم "العراب"

دستور التوحش والرأسمالية.. لهذه الأسباب يحب الديكتاتوريون فيلم "العراب"

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض

بعد النجاح الساحق الذي حققه فيلم "الأب الروحي" عام 1972، أراد أستوديو بارامونت إنتاج جزء ثانٍ للفيلم. ورغم أنهم قبلوا بإخراج المخرج المغمور حينها فرانسس فورد كوبولا للجزء الأول على مضض، فإنهم ما لبثوا أن أصروا على أن يكون هو من يخرج الجزء الثاني للفيلم. رفض كوبولا في البداية، ولم يرد أن يكون له أي صلة بأي أجزاء أخرى للفيلم، فقد امتلأت كواليس الجزء الأول بخلافات ضارية بينه وبين الأستوديو وصلت لحد تفكيرهم في استبداله في منتصف التصوير. لكن الأستوديو أعطى كوبولا عرضا لا يمكن رفضه: هذه المرة، سيكون لديه حرية إبداعية كاملة في أن يفعل ما يشاء دون أي تدخل منهم، وقد كان. [1] في الجزء الثاني، يبني كوبولا على الثيمات التي سبق وأسس لها في الجزء الأول، وتأخذ القصة والأحداث منحى ينتقد بعضا من أهم عناصر الثقافة الأميركية: الحلم الأميركي، والرأسمالية.

    

زيف الحلم الأميركي

  

في تعريفه للحلم الأميركي، يقول المؤرخ جايمس تارسلو آدمز: "هو الحلم بأرض تكون عليها الحياة أفضل وأكثر ثراء واكتمالا للجميع، أرض تعتمد فيها فرص كل شخص على قدراته وإنجازاته، بغض النظر عن الظروف القدرية لنشأته ومنصبه".[2]

  

لم يكن ذلك الحلم في أفضل أحواله سوى محض خيال منبت الصلة بالواقع، وفي أسوأ الأحوال، بروباغندا سياسية تود أن تُبقي أعين الناس مُغمضة عن واقع الأمور. أما الأعين المفتوحة في توق وأمل للمهاجرين الفقراء من شتى أنحاء أوروبا، ومنها عينا فيتو أندوليني من قرية كورليوني، فلم تملك سوى أن تبصر كيف كانت الحياة في أميركا نسخة مختلفة كثيرا عن تلك التي يصفها الحلم الأميركي المزعوم.

    

  

يقول المخرج فرانسس فورد كوبولا عن هذا: "رحل الناس عن العالم القديم بسبب ما كان يسوده من سيطرة أرستقراطيات وتقاليد تعطي عائلات بعينها امتيازات بسبب ما يمتلكونه من علاقات ومناصب. وقد كان من المفترض ألا يوجد أيٌّ من ذلك في أميركا، فهناك حكومة واجبها أن تحميك وترعاك. وإلى حد ما، كان هذا صحيحا، إلا إذا كنت مهاجرا فقيرا، فحينها، لن تنطبق عليك غالبا تلك الحماية.[3]

  

عايش فيتو ذلك بنفسه. ففي الأحياء الفقيرة لمدينة نيويورك، قضى طفولته ومطلع شبابه؛ عاش مواطنا صالحا ملتزما بالقانون، يعمل ويكد ليلا ونهارا في وظائف بسيطة ليعول أسرته الصغيرة. وبالرغم من أن الحلم الأميركي وعد كل من يكد ويشقى بفرص في النجاح والمال تتساوى مع قدر ما يبذله من مجهود، فإن فيتو بالرغم من عمله الشاق والدائم لم يكن يجني من المال سوى ما يعيش به حياة تقف بالكاد على حافة الفقر، بعيدة كل البعد عن الثراء والوفرة الموعودين.

  

لكن حتى تلك الحياة البسيطة كانت مهددة. فعلى الطرف الآخر من فيتو وغيره من المهاجرين الصالحين الملتزمين بالقانون، وقف الدون فانوتشي، الرجل الإيطالي ذو الثياب الأنيقة التي تدل بلا شك على وفرة في الأموال؛ وفرة لم يكن مصدرها العمل الشاق، بل ما يمتلكه الدون من قوة وسيطرة وعلاقات تضعه فوق القانون، وتُمكّنه من أن يضع سكينا فوق رقبة أي من يرفض ما يفرضه من جبايات. سرعان ما وجد فيتو المسالم نفسه ضحية لفانوتشي، ففي صباح أحد الأيام، وجد رب عمله يستبدل به مضطرا أحد أقرباء الدون؛ وهكذا، حُرِم حتى من حقه في عمل شريف.

    

  

بهذا، لم يكن الوضع بالنسبة لفيتو وغيره من المهاجرين الفقراء مختلفا كثيرا عمّا كان في البلدان التي فروا منها. الظلم وعدم المساواة نفسيهما في توزيع الفرص، السطوة نفسها التي يمتلكها صاحب النفوذ فوق من لا نفوذ له، الغياب التام نفسه للقانون. أدرك فيتو حينها القواعد الحقيقية للعبة: ليس الحلم الأميركي بالنسبة لمن أتوا من خلفية فقيرة سوى شعار خاوٍ، ففي غياب الحماية المفترضة للحكومة والقانون، لا يكمن الطريق الحقيقي للارتقاء في العمل النزيه والالتزام، بل في عكس ذلك تماما: أن تكسر سلطة مَن فوقك وتحل محله، أن تلتف حول القانون القائم الذي لا يقف في صفك، وتضع أنت القانون.

  

أراد فيتو حقا أن يضع قانونا جديدا، أن يحقق العدل ويصبح سندا لمن يطلب عونه من الضعفاء، أن يعطي لنفسه أخيرا الفرصة الموعودة بالثراء والحياة الكريمة، وأن يفعل كل هذا بأي طريقة، سواء كانت خاضعة للقانون الرسمي أم لا. وفي الظهيرة التي انطلقت فيها أولى الرصاصات من مسدسه لتستقر في صدر الدون فانوتشي، أخذ أول خطوة في بناء عهده الجديد.

  

فيتو وتحقيق العدالة الغائبة

  

جاء قتل فيتو للدون فانوتشي نوعا من تحقيق العدالة الغائبة بفعل غياب سلطة القانون؛ فلم يكن قتلا انتقاميا أعمى، بل قتل دقيق ومحسوب، غرضه في البداية استرداد كرامة فيتو وغيره من فقراء المهاجرين التي كان فانوتشي يمتهنها، والتخلص من شخص لا يجلب وجوده عليه وعلى أقرانه سوى المصائب والشرور. بهذا، يصبح فعل القتل، على وحشيته، خاضعا لكود أخلاقي يتمركز حول إرساء العدل، ودرء الضرر عمّن يكترث فيتو لأمرهم.

   

في "الأب الروحي" بجزئيه، نجد ذلك الكود الأخلاقي البسيط في القلب من كل أفعال فيتو، الإجرامي منها والعطوف؛ فقد منحه إقدامه على تحقيق العدل ولو بالدماء سلطة مشوبة بالمهابة والاحترام، وارتقى من ذلك العامل البسيط إلى رجل يلجأ له الناس في الشدائد واثقين من أنه لن يردهم خائبين؛ يؤسس الفيلم لذلك المعنى منذ أول مشهد في أول جزء، فيبدأ بقول المهاجر الإيطالي بوناسيرا: "أنا مؤمن بأميركا، أميركا صنعت ثروتي"، ثم ينتقل بعد هذا لاستطراد بوناسيرا الطويل حول اغتصاب ابنته وتشويهها على يد شابين أميركيين، ولجوئه هو، كأي مواطن صالح، للشرطة والقانون؛ لكن أميركا التي آمن بها خذلته خذلانا تاما، وحكم قانونها بتبرئة المعتدين. لم يجد بوناسيرا حينها من يلجأ له سوى فيتو، الذي ذهب إليه مستنجدا يقول: "أيها الأب الروحي، أعطني العدالة".

  

  

يُكوّن فيتو بهذا سلطة موازية لسلطة الدولة، يتعهد عبرها بتقديم يد المساعدة والعون لكل من يطلب حمايته، ويصبح بهذا ملجأ لكل من خذلته أميركا بعد أن كشفت له التجربة زيف وعودها. وفي مقابل ما يقدمه الدون من حماية وخدمات، يصير على كل من يقع تحت حمايته أن يطيعه فيما يريد، ولا يرد له طلبا متى احتاج.

  

منحت تلك السلطة لفيتو بدورها شبكة متنامية من العلاقات، سهّلت من التفافه حول القانون، ومن ثم الوصول للثراء الذي نراه عليه في بداية الجزء الأول. فيخترق الدون كورليوني دوائر رأس المال والسلطة، مكوّنا إمبراطورتيه الشاسعة. وفي سبيل الحفاظ على تلك الإمبراطورية، يُؤمِّن الدون صمت وتسهيلات رجال الحكومة والقانون، وتزييف الصحفيين للحقائق، غالبا بإغرائهم بالمال، وأحيانا بترهيبهم. يؤسس كوبولا بهذا بداية المجاز الذي لن يلبث تولي مايكل زمام الأمور أن يوطده، والذي جعل كوبولا عبره عائلة كورليوني رمزا لأميركا الرأسمالية.[4]

 

توحش الرأسمالية

  

في أحد الحوارات، قال كوبولا عن الفيلم: "ليس من قبيل المصادفة أن "الأب الروحي" كان الفيلم المُفضل لعدد كبير من حيتان الأعمال، وكبار الدكتاتورين على غرار صدام حسين والقذافي، وهذا لأن المنطق الذي يحرك كل شيء فيه هو الرأسمالية الخالصة".[5]

  

نستطيع أن نرى بالفعل المنطق الرأسمالي وراء كل ما يحدث، خاصة في ظل حُكم مايكل للمافيا في الجزء الثاني. فمع أن فيتو هو المؤسس الأساسي للعلاقة الآثمة التي تجمع عائلة كورليوني بالأعمال الخارجة عن القانون، وهو أيضا أول من يبدأ السير على نهج بقية عائلات المافيا ويعقد صفقات مع رجال السلطة ليؤمن مصالحه، فإنه حتى اللحظة الأخيرة يبقى ملتزما بمجموعة من القيم تتمثل في تحقيق العدالة لمن يقعون تحت حمايته، والحفاظ على العائلة وعدم إراقة الدماء دون ضرورة. أما مايكل، فيتنصل تماما من أي قيمة أخلاقية، ليأتي حُكمه ممثلا للوجه المتوحش للرأسمالية: لا يحركه سوى قيم تعظيم الربح والنفوذ، وشهوة لا تخمد للسلطة تصبح معها السيطرة التامة غاية في حد ذاتها.

  

وفي ظل حكم الرأسمالية وسيطرة الأسواق الحُرّة، تلعب الدولة دورا هامشيا للغاية، دورا حدده المنظر الاقتصادي الشهير ميلتون فريدمان في الآتي: "للحكومة ثلاث وظائف أساسية، أن تُؤمّن الحماية العسكرية للدولة، وأن تفرض تنفيذ شروط العقود بين الأفراد، وأن تحمي المواطنين من الجريمة. أما التدخل في الاقتصاد، أو تشريع المبادئ الأخلاقية، فذلك يقع خارج نطاق اختصاصها".[6]

    

  

يتلخص دور الدولة في النظام الرأسمالي إذن في الوقوف بعيدا، وتنظيم قوانين اللعبة، والتأكد أن أحدا من اللاعبين لن يخرقها للتغلب على منافسيه، أو يأتي بحركة خارجة على القانون تؤذي سائر الأفراد. لكن حتى ذلك الدور الهامشي يتم الالتفاف حوله وتجاوزه، ففي الأروقة المُعتمة والغرف المغلقة تجري صفقات آثمة بين أصحاب المال وأصحاب السلطة، يشتري عبرها أصحاب المال تواطؤ أصحاب السلطة، ومن ثم يختل ميزان العدالة وتوزيع الثروات بعنف لصالح الأثرياء، ويصير القانون محض عبارات فارغة لا تحمل أي معنى أو تأثير حقيقي دون وجود من يُطبّقه.

   

يُصور كوبولا كل هذا ببراعة في جزئي فيلمه، فلا يوجد على مدار الجزأين شرطي أو قاضٍ أو سياسي واحد نزيه، فكل واحد من هؤلاء يتقاضى أموالا طائلة من عائلة المافيا التي يحميها. ومن ثم، تصبح فكرة العدالة وحق المواطن في المعرفة محض تمثيليات هزلية، فالقانون ينحني لمن يملك قدرا أكبر من المال، والصحافة والإعلام بدورهم ليسوا أيضا سوى أذرع لمن يدفع لهم أكثر، نرى هذا بوضوح في الجزء الأول عندما يقوم الصحافيون التابعون لعائلة كورليوني من الباطن بكشف العلاقة بين الشرطي الذي قتله مايكل وعصابات المخدرات، كشف لم يكن سيقع لولا أن ذلك يصب في مصلحة عائلة كورليوني.

  

وبالمثل، ففي اللحظات القليلة التي يتم فيها بالفعل التلويح بالقانون كقوة قادرة على تهديد الخارجين عليه، كما يحدث في الجزء الثاني عندما يستدعي مجلس الشيوخ مايكل، فإن ذلك بدوره لا يكون سوى لأن أحد أعضاء المافيا الأكثر سطوة ومالا قد قرر اللعب بمن يسيطر عليهم من سياسيين للتخلص من أحد منافسيه، وهو ما حدث بالفعل، فالسيناتور الذي قاد التحقيق هو في الحقيقة تابع لخصم مايكل الذي حاول قتله، هايمن روث. يقول الناقد كريس ماسنجر عن هذا: "إن كوبولا وبوزو -مؤلف الرواية التي اقتبسها الفيلم وكاتب السيناريو- على وعي تام بمدى التداخل القائم بين أصحاب الأعمال والحكومة، وبين السياسة وسيطرة العصابات".[7]

   

  

وحتى ذلك الدور الصوري والهزيل الذي تلعبه الدولة قد يسبب في بعض الأحيان بعض المشاكل بالنسبة لأصحاب رؤوس الأموال، فلا يلبث هؤلاء أن يتوسّعوا وينقلوا جزءا من أعمالهم في دول يد الحكومة فيها أكثر ارتخاء حيال تنفيذ القانون، وترحب بشكل مفتوح بأيٍّ من المستثمرين الأجانب ليقيموا مشاريع على أرضها قد تؤدي بشكل مباشر إلى إيذاء الاقتصاد المحلي، وزيادة نسبة الفقر. وهذه الدول في الغالب تكون ديكتاتوريات يحكمها جنرالات الجيوش، لا يملك رأى المواطنين فيها أدنى ثقل.

   

  

يُمثّل كوبولا ذلك في الجزء الثاني بوضوح، فيوسع مايكل وهايمن وروث وغيرهم من المستثمرين الأميركيين وأرباب عائلات المافيا أعمالهم في كوبا ما قبل كاسترو، تلك الواقعة تحت الحكم القمعي المدعوم من الولايات المُتحدة للعقيد فولغينسيو باتيستا. يبيّن كوبولا بهذا نفاق السُّلطات الأميركية التي لا تمل من التشدق بأهمية قيم الديمقراطية والحرية أمام كاميرات الإعلام، بينما هي في الواقع من أكبر داعمي الديكتاتوريات، كون تلك الأخيرة تُمثّل بسبب فساد أجهزتها وسلطاتها التام المناخ الأمثل بالنسبة لأصحاب رؤوس الأموال الأميركيين.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار