انضم إلينا
اغلاق
"Us".. ثنائية الرعب النفسي والتلاعب بالعقول

"Us".. ثنائية الرعب النفسي والتلاعب بالعقول

آية طنطاوي

كاتبة
  • ض
  • ض

المرآة هي انعكاس لصورتنا عبر الزجاج، هي المساحة الوحيدة التي نرى فيها أنفسنا دون رتوش أو خداع، محدِّقين فيها طويلا دون ملل. تخبرنا حكايات الجدات أن الإطالة في النظر إلى المرآة قد تصيبنا بالجنون، لماذا نُجن؟ هل من الجنون أن نرى أنفسنا؟ أم أننا نعيش في خدعة سندركها عند إطالة النظر لانعكاسنا؟ أم أننا نحن أصل الجنون والخدعة؟

 

يقدم المخرج والسيناريست جوردن بيل في فيلمه الجديد "نحن" (Us) سردية لا تبتعد كثيرا عن الرعب النفسي الذي قدمه في فيلمه السابق "غيت آوت" (Get out)، هذا الرعب الذي يتخلص من نمطية أفلام الرعب التي يطارد فيها الأبطال أشباحا أو مسوخا أو مصاصي دماء، بل يضعنا جميعا أمام المرآة، ليخبرنا أن الإنسان وحده هو العدو المرعب لنفسه، وإن كان "غيت آوت" (Get out) يثير قضية العنصرية من بوابة الرعب، فإن "نحن" (Us) يدفعنا إلى رعب أميركي جديد تحت وهم الاتحاد بين البيض والسود.

 

    

مفردات جديدة لدراما الرعب

تنطوي أفلام الرعب في مفهومها الكلاسيكي على تحول أحد الأفراد إلى شبح أو حيوان أو نصف بشري، وعلى هذا النمط استمرت أفلام الرعب لعقود طويلة تستنسخ من تلك الفكرة ثيمة أساسية للرعب[1]، عام 2001 قدم لنا المخرج أليخاندرو آمينابار فيلم "الآخرون" (The Others) ليضعنا أمام سردية مختلفة نوعا ما، جعلت من الأشباح الذين يحاصرون البطلة "نيكول كيدمان" وأبناءها بشرا عاديين، وأن نيكول هي الشبح الذي يخيفهم، ومن هنا كانت الخدعة التي نكتشفها مع البطلة بأنها هي الشبح، هي مصدر الرعب الحقيقي وأنه لا يوجد أشباح مخيفة تحيطهم بل بشر طبيعيون، وهو ما يعيدنا إلى الأدب القوطي في القرن التاسع عشر* الذي حول المسوخ إلى محاكاة صريحة لمخاوفنا الشخصية، كأن يتحول الخوف من الوحدة مثلا إلى خوف حقيقي يتجسد في شبح[2].

 

يعيدنا جوردن بيل إلى زاوية جديدة في أفلام الرعب تنطلق من هاجس مجتمعي شخصي يتحول في النهاية إلى فيلم رعب، هنا يلعب جوردن على مفردات بسيطة ومجردة ويحولها إلى عناصر سينمائية تليق بفيلم رعب، وفي فيلمه الأخير "نحن" (Us) يمكننا أن نضع صوب أعيننا دلالات تعكس رسائل خفية عن وحشية العنصرية الأميركية، كاشفا إياها عبر قصة درامية تبدو عادية، لكنها مرعبة للغاية.

      

الأم مصدر الرعب

في دراما الرعب تتعدد مصادر الخطر، لكن هناك خطر حقيقي لا يمكننا تجاوزه بسهولة، فالأم حينما تُشكّل مصدر الخطر، فإنها تتحول إما إلى مسخ، أو باعتبارها مسكونة من الأرواح الشريرة، أو أنها تتجه لتلعب دور المصدر الرئيسي للتعاسة تجاه أسرتها. كل هذا يقودنا إلى رعب حقيقي، فقط لأن الأم هي مصدر الخطر، وكلما زاد الخطر بداخلها سينطفئ الشعور بالأمان، والسم الذي تحمله في عروقها سيمتد بالتبعية لأبنائها. في "نحن" (Us) تحمل الأم معها ذكرى سيئة من الماضي، وذلك عندما تم تغفيلها من قبل قرينها، ذكرى بدأت بالامتداد تدريجيا لتشكِّل خطرا على أسرتها. لكن، إذا ما جردنا البطلة الأم من ردائها، واستبدلنا مفردات جوردن بيل بها، فإن الأم هنا ستكون هي البذرة الأصلية للسود، هي الجذع والقوام، وعندما تم التلاعب بعقلها وخداعها بوهم كبير اسمه الوحدة الأميركية، أصبحت الأم خرساء لسنوات طويلة وتائهة، تشعر أنها في جسد آخر لا يخصها، رغم أن ملامحها في المرآة لم تتغير، تمر السنوات وتكوّن الأم أسرة صغيرة، لكن العطب الذي أصابها يوما يمتد بجذوره ليصل إلى الابن الصغير الذي سيستمر في الخدعة التي وقعت الأم في شباكها، مما يعني تشكّل جيل كامل استحوذت عليه الخدعة، فقط لأن الأم استسلمت لها في السابق.

  

   

رعب الحلم الأميركي

في مايو/أيار عام 1986، وقف قرابة ستة ملايين مواطن أميركي ممسكين بأيديهم، ومُشكّلين بأجسادهم المتلاحمة حائطا بشريا امتدت أواصره عبر الولايات المتحدة في حملة خيرية هي الأشهر في حقبة الثمانينيات لمكافحة الجوع والتشرد في أميركا[3]. في بداية فيلم "نحن" (Us) نرى فتاة صغيرة تجلس أمام التلفاز وتشاهد فعاليات هذه الحملة، أميركا تتحد من أجل هدف إنساني يعكس وجها شديد النُبل لأميركا التي تتكاتف من أجل حلم الاتحاد؛ في نهار الفعالية وقف الأميركيون في مشهد رائع تتضافر فيه مشاعرهم الإنسانية، وتلقي الشمس بظلالهم على الأرض كأنهم أشباح، كأنهم في انعكاس حقيقي بين ما يظهرونه وما يكتمونه حقا في صورة ظل رمادي مصمت، فأميركا التي تحب الجميع هي في حقيقة الأمر توهمنا جميعا بعكس ذلك، ومن هنا يكمن الرعب.

 

في دراما الرعب، تبدو الشخصيات طبيعية حتى يثبت العكس، والوجه البريء سيظل مثيرا للشكوك إلى أن يثبت أنه يحمل بداخله مسخا خادعا يستدرج فريسته حتى تقع في شباكه، فيمتص دماءها أو يزهق روحها أو يؤذيها لأي غرض، وهو ما يتماس مع مخاوفنا الشخصية ويذكرنا بالآخر الشرير في حياتنا الذي يستهدفنا ليمحو هويتنا، وإذا كان أبطال جوردن بيل "السود" يواجهون خطرا من آخرين فهذا الخطر سيكون أبيض بالضرورة كما شاهدنا في فيلم "غيت آوت" (Get out)، أو سيكون أسود كما يخبرنا فيلم "نحن" (Us).

 

"إنه فيلم غريب، وإجابة ضمنية للأسئلة التي طرحها بيل نفسه في "غيت آوت" (Get out). ماذا لو لم يكن هناك نهاية سهلة؟ ماذا لو كان الصراع الحقيقي يحدث بالأساس في الداخل؟"

جوزفين ليفينجستون[4]

  

 لم يتفوه أيٌّ من شخصيات الفيلم بعبارات سياسية أو مناهضة للعنصرية، لكن كل المعاني تكمن في الرعب الذي نراه في أجساد الأبطال السود

مواقع التواصل الاجتماعي
   

في تحليله للخوف يرى البروفيسور جلين سباركس أنه عاطفة سلبية تتولد بداخل الفرد عندما يكون تحت الحصار أو التهديد[5]، في سينما جوردن بيل يمكننا اعتبار أفكاره هي الحصار الذي يهددنا كمشاهدين، يرعبنا بأن يبث في عقولنا أن هناك من يتحكم فينا، أو أننا مجرد قرين في حياة موازية، لكننا في حقيقة الأمر نشاهد رعبنا الشخصي في وجوه الأبطال فنجد أنهم مكبّلون لا قوة لهم لمواجهة الشر الذي يسيطر عليهم منذ قرون، وهو الشر الذي يجتاح البشرية التي يتسيد فيها القوي على الضعيف، الأبيض على الأسود.

 

جلوس الفتاة "اديليد" أمام التلفاز يذكرنا بـ"كريس" بطل فيلم "غيت آوت" (Get out) الذي جلس أمام التلفاز ليشاهد روحه التي سُلبت منه وهي تغوص في أعماق التنويم الذي أوقعته فيه أم حبيبته، ويذكرنا أيضا بحديثه عن فقده لوالدته في طفولته بينما كان يجلس أمام التلفاز لكنه لم يفعل لها شيئا عندما ماتت بل جلس ساكنا يشاهد التلفاز، هنا يحول جوردن بيل فكرة الإعلام التي تتلاعب بالعقول من خلال تلك اللحظة المخيفة التي سلبت قوة البطل فلم ينقذ أمه، وسلبت أيضا عقل اديليد بينما تشاهد تلك الخدعة الأميركية السخيفة عن الاتحاد. لم يتفوه أيٌّ من شخصيات الفيلم بعبارات سياسية أو مناهضة للعنصرية، لكن كل المعاني تكمن في الرعب الذي نراه في أجساد الأبطال السود، في عيونهم التي يملؤها الرعب. عند مواجهة اديليد للشخصية التي تجسد دور قرينها تسألها: "من أنتم؟"، فتخبرها قرينتها: "نحن أميركيون".

 

"هأنذا جالب عليهم شرا لا يستطيعون أن يخرجوا منه ويصرخون إليَّ فلا أسمع لهم"

(سفر إرميا، الإصحاح الحادي عشر)[6]

 

في أكثر من مشهد تتكرر الإشارة إلى سفر إرميا 11: 11 حيث الآية التي تحمل معانيها تجاهل الإله لبني إسرائيل بعد أن قطعوا عهودهم مع ربهم، لكن بعيدا عن بني إسرائيل، ما مدلول هذا التجاهل في السياق الدرامي للفيلم؟ هنا يجب أن نعود من جديد إلى زمن الفيلم الذي يتأرجح بين الماضي والحاضر، عام اتحاد الأميركيين في الثمانينيات والعصر الحالي، اديليد الطفلة والأم الحالية، عندما تلوح أمامها الإشارات إلى تلك الآية التي تعني تجاهل الإله لعبيده يمكننا ربطها بفكرة القرين والعالم السفلي الموازي والمنسي تماما، وهذا العالم أيضا يشبه ظلالنا التي تتابعنا، هي امتدادنا وجزء منا لكنها مخيفة ولا يمكن إنكار وجودها، وهي الفكرة الرئيسة التي يدور حولها الفيلم، القرين، النسخة الأخرى المنسية منا.

  

  

"حتى في الكتب الخارقة للطبيعة فإن الرعب الدائر فيها ناتج عن أمور نفسية تدور في عقلية وأحاسيس شخصياتها"[7]

  

رعب أن نرى حقيقة أنفسنا

ما نخلص له بعد مشاهدة الفيلم أن لكل فرد منا نسخة، لكن هذه النسخة هي الأكثر رعبا على الإطلاق، تلك الأسرة التي تظن أنها سعيدة هي بالأساس مصدر شر لنفسها وللآخرين، نشاهد نموذجين لأسرة تنتمي للعرق الأبيض والأخرى -أبطال الفيلم- تنتمي للعرق الأسود، كلاهما يُشكّلان الصورة التقليدية للولايات المتحدة الأميركية، لكنهم في الحقيقة مسوخ مرعبة تتظاهر بالوحدة والانتماء، بل إنه مجرد وهم يرفعون لواءه ويظنون حقا أنه موجود، والمراوحة بين الماضي والحاضر تؤكد هذا الوهم، فالواقع الأميركي اليوم لا يختلف عن ما كان عليه في السابق، بل إن أثر تلك الصورة الزائفة مستمر وسيمتد طويلا، والمزيد من الأجيال ستأتي لترفع راية تلك الخدعة، وما زال العالم السفلي يسير في المسارات الخادعة التي نرسمها له، أو بحسب الفيلم ربما يكون العالم السفلي هو الوقود الذي يحركنا، ونحن محض ظلال أو أقنعة لكننا نتوهم أننا الأصل في حين أننا مسوخ دميمة للغاية.

 

-----------------------------------

هوامش:

* أدب الرعب Gothic fiction

تقارير متصدرة


آخر الأخبار