انضم إلينا
اغلاق
"Avengers: Endgame".. أن نخسر البطل الطيب والعدو الشرير

"Avengers: Endgame".. أن نخسر البطل الطيب والعدو الشرير

آية طنطاوي

كاتبة
  • ض
  • ض

وقف الإنسان وحيدا، على سفوح الجبال الشاهقة تحتضنه الطبيعة وهو يشعر بضآلة حجمه وبالوحشة التي تتسلل إلى عروقه، السماء من فوقه صافية لكنها مخيفة، والأرض تحت قدميه كريمة على قدر اتساعها وغادرة في الطرقات المظلمة الوعرة، تشغله أسئلة الحياة فيسمع صدى صوته مدويا في الأفق الفسيح، ما من مجيب له ولا مفر من الواقع، وقبل أن يصل إلى إجابات تشفيه كان الموت يدركه. تربطنا الأساطير القديمة بالماضي الذي لم نره، فتخبرنا أنه في بدء الخليقة خلق الإله البشر الذين يحملون بالتساوي سمات الخير والشر، الصراع الأبدي الذي ينتهي بانتصار قوى الخير على الأشرار، تتعاقب فصول الحياة، وراح الإنسان ينفض غبار تلك الفكرة البالية لإدراكه أن الشر والخير وجهان لعملته الذهبية الوحيدة، وأن معركته الأساسية في الحياة يخوضها فقط أمام الموت.

  

يعاصر الآن محبو السينما والدراما التلفزيونية معركتين مهمتين، إحداهما في مسلسل "لعبة العروش" حيث حرب الأحياء مع جيش الأموات، والمعركة الأخرى في عالم مارڤل السينمائي أمام الشرير الأوحد للمنتقمين "ثانوس" الذي تحكّم في العالم بقبضة يده وترك الموت يزحف ليقضي على نصف سكان الأرض. تتداخل المعركتان في مخيلة الجمهور، فنعيد ترتيب حساباتنا من جديد، هل في الدراما نواجه الشر حقا؟ أم أن بقاءنا على الأرض في مواجهة الموت؟ يقول "جوزيف كامبل" إن البطل الناجح يتدفق من جسد العالم، وإن النعم الإلهية تمنحنا طاقات تسيرنا في الحياة، حين تُفقد ينهار العالم ونصبح فريسة حتمية للموت[1]، وهذا الفقد الإلهي هو ما يواجهه أبطالنا في كلا العملين.

 

سنترك "لعبة العروش" الآن، فالمعركة ما زالت مستمرة ولم تنتهِ بعد، ولنهبط الآن على أرض مارڤل حيث المنتقمون يراقبون الموت الزاحف الذي خطف نصف سكان الأرض في الجزء السابق "المنتقمون: الحرب اللا نهائية" (Avengers: infinity war) لتصدمنا النهاية غير السعيدة، الشرير انتصر، والأبطال يموتون، والموت قادم، إلى أن شاهدنا في الفيلم الأخير "نهاية اللعبة" (Endgame) أن الاستسلام لهذه النهاية ليس الحل الذي يرضاه فريق المنتقمين، وعليهم أن يلجأوا إلى حيلة تبدو مألوفة لكنها غير متوقعة.

   

  

ما زلنا مرتبطين عاطفيا بالنهايات الدرامية السعيدة، وهو الأمر الذي لم يحققه الفيلم قبل الأخير من سلسلة "المنتقمون"، لذا فإن أغلب توقعات جمهور عالم مارڤل أن فيلم "نهاية اللعبة" (Endgame) سينتصر للنهاية السعيدة، وسيتغلّب أبطالنا الخارقون على الشرير "ثانوس" بعد أن سرق الأحجار الستة من الأبطال، لكن السؤال هنا الذي شغل بالنا على مدار عام بأكمله ونتج عنه عشرات النظريات والاستنتاجات، الانتصار حتمي لكن كيف سيتحقق؟

  

هناك سؤال دائما ما يطاردنا، نسأله لأنفسنا وللآخرين، ماذا لو أننا رجعنا بالزمن إلى الوراء؟ هل سنجازف بتغيير قراراتنا في الحياة ونسلك مسارات أخرى؟ أم أننا سنهتدي إلى الطرق نفسها ونكرر أفعالنا مرة أخرى؟ يبدو التساؤل عابرا أو ساذجا، لكنه محور الفكرة الرئيسة التي أنقذت أبطالنا المنتقمين بعد مرور خمس سنوات درامية من الخسارة على يد ثانوس وتفشي الموت على كوكب الأرض، نعم سنعود بالزمن لنحارب ثانوس من جديد لكن هذه المرة سنتلافى أخطاء الماضي ونستولي على الأحجار الستة، وننقذ العالم من البطل الشرير، لكن هل اكتفى كُتّاب الفيلم "كريستوفر ماركوس" و"ستيفن مكفيلي" بأن تكون مدة الفيلم هي مجرد تخطيط وتتابع لمجريات الحرب الجديدة، أم تعمّقوا دراميا فيما هو أبعد من ذلك؟

 

"مفاجأة رائعة، كل دقيقة من الفيلم مفعمة بالإثارة والدراما والفكاهة والمتعة البصرية والخدع المسلية"

(باميلا باول)[2]

  

  

المراحل الخمسة للحزن

بعد الهزيمة في فيلم "الحرب اللا نهائية" يمر أبطال مارڤل الخارقون بما يُعرف بـ "مراحل الحزن الخمس"[3]، تبدو الجملة للوهلة الأولى غريبة وغير متوقعة خاصة على جمهور لم ينخرط يوما في عالم أفلام مارڤل، هل يشعر حقا الأبطال الخارقون بالحزن؟ هل يوجد في رسم شخصياتهم أبعاد نفسية واضحة؟ تقتصر نظرة الكثيرين على أن البطل الخارق هو مجرد شخص يطير في السماء أو يقضي على عدوه بقبضة واحدة دامية، لكن هذا التصور القاصر استطاعت مارڤل بذكاء أن تتجاوزه منذ البداية مع فيلم "الرجل الحديدي" (Iron man) أول أفلام عالم "MCU"*، إذا أردنا جذب الجمهور علينا أن نثير عاطفتهم تجاه البطل، وليحدث هذا التعاطف علينا أن نغوص في أعماق البطل الشخصية وأن نراقب جيدا جذوره ودوافعه، أن نعرفه أكثر وأن نشاهد عاطفته ونقاط ضعفه أيضا، والأمر هنا لم يقتصر على الأبطال فحسب، بل أيضا على الشرير ثانوس. يقول ستيفن مكفيلي كاتب سيناريو الفيلم إن تعاطف الجمهور هو جزء من التفكير في الطريقة التي ستسير عليها بداية فيلم "نهاية اللعبة" (Endgame)، ففي أفلام الأبطال الخارقين نعتاد على أن هزيمة البطل تستغرق فقط خمس دقائق، لكن هنا استمرت الهزيمة خمس سنوات وهو ما لم نعتد عليه من قبل، وانتقل الحزن بالتبعية من الأبطال إلى الجمهور، وهذا هو المهم[4].

 

بحسب التفسير النفسي فإننا في المرحلة الأولى للحزن ننكر الفاجعة التي وقعت لنا، وهو ما يفعله أبطال مارڤل، فرغم مرور خمس سنوات -دراميا- وتمكّن الموت من نصف سكان الأرض، ونصف الخارقين أنفسهم، فإن الأبطال لم يتعايشوا مع الفكرة، ما زالوا ينبشون الذكريات ويحملون إثم وذنب ما حدث، وهو ما يؤكد ثبات أقدامهم عند أرض الحزن، وتمتد معهم مراحل الحزن تلك، الاكتئاب الذي أصاب "ثور" وتحوّله إلى ذلك الرجل المخمور طيلة الوقت لينسى فشله الماضي، والغضب الذي حلّ بـ"كابتن أميركا" و"الرجل الحديدي" و"الأرملة السوداء".

  

لكن المرحلة الثالثة في الحزن والتي توقف عندها كُتّاب الفيلم لتحريك الأحداث هي مرحلة المساومة، هذه المرحلة تُعرف بـ "يا ليت"[5]، فيها يتمنى الإنسان لو عاد به الزمن ليُصلح بيده ما أفسده سابقا، وهذا هو الحل الدرامي الذي سيدفع به كُتّاب الفيلم الأبطال إلى التفكير حرفيا في العودة بالزمن، لكن العائق كان في مرحلة الحزن الأخير وهي التقبل، كان الرجل الحديدي يتعايش مع حالة الحزن والتظاهر بأن كل شيء في حياته على ما يرام، عندما ذهب له فريق المنتقمين ليعرضوا عليه فكرة العودة بالزمن لمحاولة استعادة الأحجار والانتصار على ثانوس من جديد رفض، لأن التأقلم على الحزن وفكرة الهزيمة تمكّن منه، لكنه في لحظة غير متوقعة من الأحداث يستفيق ليقودهم من جديد لتنفيذ الفكرة للوصول إلى نهاية جديدة سعيدة.

 

  

وفقا لتصنيف جورج بولت الكلاسيكي لأنواع الحبكات السينمائية، يمكننا استنباط المزج الواضح في فيلم "المنتقمون: نهاية اللعبة" (Avengers: Endgame) بين حبكة العودة، والانتقام، والتضحية[6]، لكن دعونا نسلط الضوء على فكرة رئيسة وهي أن كل أبطال الفيلم الخارقين يخوضون معا رحلة البطل الواحد لتحقيق النصر، والانتقام، وكلٌّ منهم يُضحّي بنفسه وحياته على طريقته الخاصة، وإذا كنا سنخلص لأسباب نجاح الفيلم فسيكون اتحاد الأبطال وتصالحهم مع ماضيهم الشخصي واحدا من مكاسب الفيلم والشخصيات الدرامية، وتصالحهم أيضا مع أنفسهم كفريق هو جزء من المسيرة التي تريد مارڤل أن تختتم بها رحلتها السينمائية الأخيرة في عالمها السينمائي، ونهاية جديدة للحرب الأهلية التي اشتعلت منذ أعوام بين الفريق في فيلم "Captain America: Civil War"، ليعود الأبطال من جديد في تكاتف يُرضي الجمهور وتتجلى قوته من الملصق الدعائي للفيلم، وفي المعركة الأخيرة حيث نرى كل الأبطال على الأرض نفسها يحاربون ثانوس ويستعيدون الأحجار من قفازه الذهبي، هذه المعركة هي الأهم في سلسلة أفلام "المنتقمون"، وهي الختام المثالي لانتصار الأبطال.

   

    

يهدم لنا الفيلم منذ البداية فكرة أن قتل الشرير هي الحل الوحيد، في البداية عندما يذهب الأبطال إلى ثانوس نجده يرتدي ثوب الشرير المتقاعد، هزم العالم بيديه ويجني الآن ثمار الفاكهة من حديقته حيث يعيش على أنقاض العالم، نهاية درامية لكنها لا تُرضي الأبطال، وإن كانوا في نهاية الفيلم سيسلكون المصير نفسه، حيث يقرر كابتن أميركا أن يتقاعد وأن يخلع عن ذراعه درعه الذي يحميه، وهذا القرار لم يأتِ إلا بعد شعوره بأن الفقد يحاوطه، فمنافسه الأول الرجل الحديدي مات في أرض المعركة وهو يحمي الأحجار الستة، ونتاشا من قبله ضحّت بنفسها من أجل استعادة أحد الأحجار. إن التفكير في موت الأبطال في نهاية المطاف فكرة أرعبت كُتّاب الفيلم من أن الجمهور لن يجد مساحة كافية للحزن على موت الرجل الحديدي والأرملة السوداء، لذا أفردوا مساحة جديدة بعد نهاية المعركة لتستكمل فيها الشخصيات مع الجمهور تعاطفهم مع فقد الأبطال، فكان مشهد عزاء الرجل الحديدي حالما للغاي،ة حيث نودع جثة لا نراها، بل نرى كل الأبطال يقفون أمام النهر يشردون بأنظارهم بعيدا إلى الموت، المستقبل، النهاية.

يترك لنا الفيلم أملا أخيرا وعابرا عندما نرى هارلي كينر يقف في الصف الأول لوداع توني ستارك/الرجل الحديدي، ربما لم ندرك أنه هو لأول مرة، فالصبي الصغير الذي ساعد توني ستارك في تجاوز اضطراب ما بعد صدمة هجوم نيويورك أصبح شابا طويل القامة، وبهدوء يفتح لنا عالم مارفل بابا مواربا لا يعدنا بشيء واضح، لكنه يخبرنا أن البطل يغرس وراءه جذورا ستمتد ولن تنقطع، وهارلي هنا فرع جديد يمتد بهدوء من جذور توني ستارك، وربما يجاور هذا الفرع مورجان الابنة الوحيدة لتوني، هذا الأمل يشوقنا للكثير من الاستنتاجات والأفكار اللا نهائية للقادم في عالم مارڤل[7].

 

نعم، يموت الأبطال، ويتقاعد آخرون، هناك دائما حياة وموت، لا يوجد شيء خالد في عالمنا الحقيقي والخيالي، الموت هو الحقيقة الوحيدة التي لم نقوَ على هزيمتها، هو الشر الذي يرعبنا، لأننا بكل الطرق لن نتمكّن منه وسيستمر هو في هزيمتنا إلى الأبد. كان ثانوس هو الشرير الذي يرغب في نشر الموت، لأنه بحسب نظرته هو الحل الوحيد ليكون العالم مكانا أفضل، لكن الحياة تعاند الموت دوما، حتى لو كنا نصارع الكثير من أجل البقاء، لكن في أعمق مساحة بداخلنا نريد أن نقاتل لآخر نَفَس فقط لنحيا، ليس للأبد، بل نحيا فحسب في هدوء تام.

 ______________________________________________

* هوامش:

The Marvel Cinematic Universe (عالم مارڤل السينمائي)

تقارير متصدرة


آخر الأخبار