انضم إلينا
اغلاق
حملة فرعون.. ما فعله بيتر ميمي بشمس الزناتي

حملة فرعون.. ما فعله بيتر ميمي بشمس الزناتي

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض

في قرية صغيرة يخيّم على أهلها الذل والمسكنة، يعيش الجميع في خوف وذعر. بين ليلة وضحاها، انهار أمن القرية الهش وسقط فوق الرؤوس، فأولئك المزارعون الذين لم يعرفوا في حياتهم يوما سوى البذر والحصاد، ولم يسعوا لأكثر من أن يجدوا في كل يوم ما يتغذون عليه ويطعمون الصغار، صاروا الآن مهددين من قِبل عصابة مسلحة تحول دون أمانيهم البسيطة؛ ففي نهاية مواسم الزراعة، يأتي أفراد العصابة وينهبون المحصول تاركين أهل القرية أشباحا للجوع والخوف والذل.

  

أمام هذا الخطر الوجودي الذي باتت تُمثّله العصابة، يرى حكيم القرية ضرورة القتال دون الأرض؛ لكن بما أن أهل القرية ليسوا سوى مزارعين عُزّل لا يعلمون عن القتال شيئا، يصير من اللازم عليهم الاستعانة بمقاتلين مخضرمين ليساعدوهم في الدفاع عن أنفسهم ضد العصابة. ينجح أهل القرية بالفعل في إقناع مقاتل شجاع وكريم الخُلق للانضمام إليهم، وهو يعلم أنه لن يتقاضى على ذلك أجرا يُذكر، ومن ثم ينجح هذا الأخير في إقناع ستة مقاتلين آخرين لينضموا إليه ويكونوا معا جبهة مضادة للعصابة، ستذود عن أهل القرية يوم الحسم.

  

تلك القصة على بساطتها سافرت من اليابان، حيث جاءت للوجود لأول مرة عام 1954 في فيلم أكيرا كوراساوا "الساموراي السبعة" (The Seven Samurai) لأقاصي الأرض، حيث تحولت إلى أفلام عديدة في ثقافات مختلفة، لعل أشهرها فيلم "العظماء السبعة" (The Magnificent Seven) الأميركي، والذي عنه اقتبس سمير سيف فيلم "شمس الزناتي". وفي كل مرة تسافر فيها القصة فإنها تتسربل بثقافة المكان الذي تدور فيه الأحداث، فحوّل الفيلم الأميركي فضاء القتال من قرية يابانية يدافع عنها مقاتلو ساموراي، لإحدى قرى الغرب الأميركي ويدافع عنها رعاة بقر، بينما جعلها الفيلم المصري واحة فقيرة في الصحراء.

    

   

وفي آخر اقتباسات الفيلم الذي وصل إلى شاشة العرض منذ نحو أسبوع تحت اسم "حملة فرعون"، والذي كتب المخرج بيتر ميمي قصته، طالت التغيرات بالطبع القصة كما طالت الاقتباسات السابقة، ويبقى السؤال: هل أفادت تلك التغيرات القصة هذه المرة أم أضرّت بها؟ وهل نجح الفيلم في هذا في الحفاظ على الشحنة العاطفية التي حملتها الاقتباسات السابقة؟

   

من أجل الذات لا من أجل العدالة

بعيدا عن الزمان والمكان اللذين يتغيران في كل اقتباس ليلائم ثقافة المتلقي، نجد أن التغييرات في "حملة فرعون" قد ضربت في عمق القصة نفسها، وهو ما نكتشفه منذ المشاهد الأولى. فنقابل أول ما نقابل مسلحين يقومون باختطاف جماعة من العُزّل في سوريا، وبعد بضعة مشاهد دموية نعرف فيها حدود إجرام العصابة، يقوم زعيم العصابة بإطلاق سراح البالغين ويُبقي على أطفالهم في حوزته. وفي المشهد التالي، نرى إحدى النساء التي اختُطف منها ابنها تستنجد بأبي الطفل، يحيى فرعون، ليسافر وينقذ ابنه. يستعين بعدها يحيى بمجموعة من رفاقه القدامى، وبعد أن أوهمهم أنهم سيغيرون على عصابة في سوريا ليضعوا يدهم على مبلغ قدره 10 ملايين دولار كان قد تركها زعيمهم قبيل موته، يوافقون على مساعدته وتبدأ الرحلة.

    

  

هنا، ندرك أن الهدف الذي يدور حوله القتال قد تحوّل من هدف إنساني نبيل قائم على الدفاع عن أبرياء لا يجدون من يذود عنهم في الأصل الياباني والاقتباس الأميركي إلى هدف شخصي بحت في الاقتباس الحالي، ينقسم بين رغبة أب طبيعية في إنقاذ ابنه، وطمع البقية في المال والثروة. ينزع هذا عن القصة الكثير من زخمها العاطفي وثرائها المعنوي، فما كان صراعا ملحميا في سبيل إرساء العدالة ولو كان الثمن التضحية بالذات، يصير هنا محض قتال عادي تحرّكه غرائز محضة.

   

لكن حتى تلك الغرائز لا يتم البناء إليها بشكل جيد يستميل المُشاهد لأعضاء الحملة ويجعله يتعاطف معهم. فمقارنة بالأصل الياباني والاقتباسات السابقة كلها التي تبدأ من القرية المهزومة وتبقى فترة طويلة نسبيا مع أهلها تصوّر لنا معاناتهم، لا تتأسس العلاقة بين يحيى وابنه سوى عبر فلاش باك وحيد لا تتخطى مدته دقيقة واحدة، مدة لا تكفي بالطبع لإرساء أهمية الصغير بالنسبة لأبيه في عاطفة المُشاهد. أما بقية أفراد المجموعة فنكاد لا نعرف عن خلفياتهم شيئا سوى ما يرددونه في الحوارات عن دافعهم الأساسي للانضمام للحملة، وهو التخلص من الفقر. لكن هذا الفقر الذي لا يطيقون عليه صبرا لا توجد أمارة واحدة عليه فيما نشاهد، فكل الشخصيات ترتدي ملابس أنيقة طوال الوقت تتناقض بشكل صارخ مع ما يروونه عن معيشتهم الضنك.

 

لكنّ ضعف السيناريو في تلك النقطة يتخطى التأسيس للدوافع ويصل لرسم الشخصيات. فنسمع طليقة فرعون تتحدث كثيرا مثلا عن كونها قد تركته وهربت بابنهما حتى لا ينتهي الطريق بالفتى بمثل ما انتهى بأبيه -تكرر: "عشان ميبقاش زيك"- لكننا نبقى لا نعرف أي شيء حتى اللحظة الأخيرة عن طبيعة عمل يحيى الإجرامية التي دفعت بزوجته بعيدا. نتحدث هنا عن بطل الفيلم، أي من يُفترض كونه أهم الشخصيات، لذا، فلا عجب أن تترك القصة أيضا مكان ماضي بقية الشخصيات مجموعة من الفراغات.

    

الممثل عمرو سعد في دور "يحيي فرعون" (مواقع التواصل)

   

وبالمثل لا نعرف أي شيء يُذكر عن طبيعة العلاقة بين يحيى وبين بقية أفراد حملته؛ فباستثناء ما يتم التلميح إليه لكون العلاقة بين يحيى من ناحية ودهب وراضي من الناحية الأخرى متوترة نتيجة لخلافات سابقة، لا يضع الفيلم أمامنا مكانا ما يجمع تلك الشخصيات سوى علامة استفهام كبيرة، ستضر بمنطق القصة فيما يلي من أحداث.

  

البحث عن المنطق المفقود

يقول السيناريست كريم بهاء: "عندما نسمع عن حدوث جريمة قتل أو جريمة سرقة وتبدو تفسيرات البعض لها -سواء الصحافة أو السلطة- غير مقنعة، نستخدم حينها لفظ أن هذه التفسيرات "غير محبوكة". وعندما يرى المُشاهد قصة غير محبوكة في السينما، فإنه يصير غير مصدق للأحداث ويخرج من حالة الاستمتاع بالفيلم إلى حالة السخرية من الفيلم".[1] وهذا بالضبط ما يحدث في "حملة فرعون"، فيكسر افتقاد الكثير من الأحداث للمنطق اندماج المشاهد مع الفيلم، ويتركه بدلا من هذا في حالة من الاستنكار.

  

يظهر ضعف المنطق منذ المشاهد الأولى، فبعد أن رأينا مدى دموية فرانك وافتقاره لأدنى معاني الرحمة، نراه يطلق سراح البالغين ويكتفي بالقبض على الأطفال. والسؤال هنا: لأي سبب فعل هذا؟ لا يعني أولئك الأشخاص بالنسبة له شيئا حتى يعتقهم، ومن خطف منهم أبناءهم بالتأكيد سيحاولون العودة للقضاء عليه، أفلم يكن من الأسهل والأكثر منطقية هكذا أن يتخلص من أهالي الأطفال حتى يوفر على نفسه عناء قتالهم في المستقبل؟

   

  

بعدها، نعرف أن طليقة فرعون قد هربت منه وسافرت بولدهما لبلاد عديدة حتى لا يأخذ الفتى. والسؤال هنا: من كل بلاد العالم، ألم تجد بلدا سوى سوريا بحربه الأهلية حتى تذهب إليه؟ كما يتجلى افتقاد الأحداث للمنطق أيضا في انطلاء القصة الساذجة التي جعل فرعون طليقته ترويها على المجموعة، فقالت لهم إنها كانت تعمل لدى فرانك، وبعد أن مات، قامت بدفن عشرة ملايين دولار كان يمتلكها في مكان مجهول في ضيعة سورية تحت الأرض، وما عليهم الآن سوى الذهاب لاقتناصها بعد تخطي عصابة فرانك. لكن، إن كانت مثل هذه الثروة موجودة بحق، ما الذي جعلها تدفنها وتعود لمصر حتى تستدعي آخرين يقتسمونها معها، بينما كان يمكنها بسهولة أن تأخذ هي النقود بدلا من دفنها؟ الأكثر إثارة للتعجب ليس سذاجة القصة، بل كون جميع من استدعاهم فرعون، الذين من المفترض أن لهم باعا طويلا في عوالم الجريمة، قد سارعوا في تصديقها دون تشكيك أو جدال أو حتى تردد كونهم سيذهبون لساحة حرب أهلية يعمّها الدمار والموت وليس من المستبعد أن يلقوا حتفهم فيها.

   

لكن، وبافتراض أن حبهم للمال قد أعماهم، فما الذي دفعهم يا تُرى للبقاء بعد أن اكتشفوا أن فرعون كان يخدعهم وأنه جرّهم للهلاك من أجل هدف شخصي بحت؟ هنا أيضا يساهم ضعف رسم الشخصيات في بيان اختلال المنطق، فنحن لا نعرف عن العلاقة التي تجمعهم بفرعون شيئا، ما كان يمكن أن يبرر ولاءهم له.

  

كل هذا الضعف في المنطق لا يؤدي إلى مثل الاستنكار الذي قد يشعر به المشاهد أمام مشاهد غاية في العشوائية تبدو مقحمة من أجل أهداف لا علاقة لها بالفيلم، مثل هذا المشهد الذي يتلو فيه فرانك على فرعون آية "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها"، أو المشهد الغريب حيث يدخل شخص مجهول في الصورة ويعلن أنه ضابط في الشرطة المصرية يقبع في سوريا منذ عام ونصف لمراقبة مخطط فرانك ليمنع الخطة الإجرامية الموضوعة من تكرارها في مصر، الأمر الذي لم يكن له أي معنى أو جدوى أو تمهيد طوال الفيلم.

   

الملاكم الأميركي "مايك تايسون" والممثل الأيسلندي "هافتور جوليوس جورنسون" (مواقع التواصل)

  

ربما ظن صُناع الفيلم أن الاستعانة بأجانب كالملاكم الأميركي مايك تايسون والممثل الأيسلندي هافتور جوليوس جورنسون، الشهير بشخصية "الجبل" في مسلسل "صراع العروش"، سيحقق إقبالا جماهيريا يغطي على الأخطاء السابقة، إلا أن أداء الاثنين اللذين اكتفيا بإلقاء جمل السيناريو بلا أي محاولة لتمثيل حقيقي ما كان سوى عيب جديد ينضم لعيوب الفيلم الكثيرة. وربما ظن صناع العمل أيضا أن كون الفيلم ينتمي لنوع الأكشن سيجعل كل المطلوب هو تنفيذ مشاهد قتال جيدة، وتلك المشاهد وإن لم تكن بالفعل في حد ذاتها سيئة، فإنها جاءت وسط مجموعة من أحداث تفتقد المنطق وشخصيات كان رسمها أقرب للرتوش منه للوحة حقيقية، ما يكسر بدوره اندماج المُشاهد مع ما يرى، واهتمامه بمعرفة من سينتصر ومن سيموت؛ فليس على اللكمات وحدها يقوم أي عمل فني، وصراع لا يأتي في نسق درامي معقول هو صراع، على أفضل الأحوال، خاوٍ.

المصادر

تقارير متصدرة


آخر الأخبار