انضم إلينا
اغلاق
بعد تصدره أعلى الإيرادات.. "كازابلانكا" يخوض معركة جديدة لنجاح أفلام الأكشن

بعد تصدره أعلى الإيرادات.. "كازابلانكا" يخوض معركة جديدة لنجاح أفلام الأكشن

ليلى يوسف

كاتبة
  • ض
  • ض

في البداية دعونا نتفق على أمر مهم، عندما ندخل قاعة السينما لمشاهدة أي فيلم علينا أن نترك توقعاتنا خارجا، وأن نضع الفيلم بكامل عناصره نصب أعيننا، وعندما ننتهي من المشاهدة علينا أن نعيد وضعه في مكان ما في ذاكرتنا الخاصة حيث نحتفظ بكل الأفلام التي شاهدناها سابقا، إذا كان الفيلم سيئا مقارنة بالأفلام الأخرى من النوع نفسه فعلينا أن نحذفه من ذاكرتنا سريعا، أما إذا كان جيدا أو مقبولا فعلينا أن نضعه في مكان ملائم يليق بمقارنته مع غيره. إذا كنتم شاهدتم أحدث الأفلام المصرية "كازابلانكا" الصادر منذ أيام قليلة في دور العرض السينمائي على الأغلب لن يخيب ظنكم كثيرا بشأن موضعه في الذاكرة، وعلى مدار ساعة ونصف لن يصيبكم الملل، وستفكّر في مكانة "كازابلانكا" بين أفلام الأكشن المصرية التي شاهدتها مؤخرا.

       

عصابة من ثلاثة أصدقاء متخصصة في السرقة والنصب يخفقون في آخر عملية سطو لهم للاستيلاء على شحنة ألماس مهرّبة عبر البحر، لكن البحر غادر، والهروب من تلاطم أمواجه ألقى بأحدهم (عمر المر/أمير كرارة) في السجن منذ الدقائق الأولى من الفيلم، لنعرف أننا أمام رحلة انتقام سيخوضها البطل بعد الخروج من محبسه، والمعركة التي يهدد باشتعالها طيلة الوقت ستنفجر في أقرب لحظة. القصة الرئيسة للفيلم معتادة، وهذا أمر شائع في ثيمة أفلام الإثارة، لكن ما يحكم جودتها هنا هو المعالجة الدرامية من جهة، والإخراج من جهة أخرى، وهل نجح بيتر ميمي مخرج الفيلم في تقديم نسخة مكررة من أفلامه السابقة؟

    

   

سنغزو العالم

لم يلتفت الكثيرون لاسم المخرج الشاب "بيتر ميمي" في أولى تجاربه السينمائية فيلم "سبوبة" عام 2012، خاصة وأن ساحة الإنتاج السينمائي بعد ثورة 25 يناير غلب عليها حالة من الكساد والفقر الفني، وكان الرابح الوحيد فيها شركة السبكي وأفلام محمد رمضان، لكن ما حدث أن اسم بيتر ميمي أصبح دائم الوجود في السنوات اللاحقة، ولا يخلو اسمه من تصدر الملصقات الدعائية للأفلام والمسلسلات المصرية، وبخُطى محسوبة بدأت ملامح هويته الفنية في الوضوح تحديدا عام 2017 بعد إخراجه فيلم "القرد بيتكلم" والجزء الأول من مسلسل "كلبش"، حينها أصبح اسم بيتر ميمي مقترنا بأعمال الإثارة والتشويق، لكن هذا الاقتران لم يُقابل بإجماع الآراء على جودة أعماله الفنية، إلى أن أخرج فيلم "كازابلانكا"، هنا تغيرت المعادلة قليلا.

     

إلى جانب اقتران اسم بيتر بأفلام الأكشن والإثارة أصبح أيضا الاقتباس من الأفلام الأجنبية وصفا جديدا يلاحقه، لكنه اقتباس دون إشارة إلى مصدره، وهو ما أضعف ثقة البعض في ما يقدمه بيتر ميمي، بينما حظي بإعجاب نسبة كبيرة من الجمهور الذي يدفع بأفلام بيتر لتتصدّر شباك التذاكر وتحقّق أعلى الإيرادات. من جهته لا ينفي بيتر هذا الاقتباس ولا يقف عنده كثيرا، وبذكاء يُفضّل الاعتراف به بخجل والانسحاب سريعا قبل أن يتحول إلى متهم في محاكمة، في أحد اللقاءات معه يقول بيتر: "دعونا نرتقِ بجودة الأفلام ونقترب من الغرب أكثر وألا نكتفي بالحضور المشرف، لأننا سنغزو العالم"[1].

     

يملك بيتر ميمي حلما يسعى لبلوغه وتنضج على أثره أفكاره وأدواته، أفلامه لا تنكر تأثره بالسينما الهوليودية، لكنه متصالح مع حلمه البعيد بأن يصنع سينما مصرية تشبهها، لن يعتبر الكثيرون أن هذا الحلم أصيل، وسيتم مهاجمته، لماذا تنظر بعيدا يا بيتر طالما أرضك خصبة ومليئة بالحكايات؟ لكن علينا الآن أن نقف على مسافة محايدة من هذا الحلم، أن نتوقف عن انتقاد ماهية الحلم وأن نحاسب بيتر نفسه على خطواته التي يخطوها لتنفيذ هذا الحلم، والتي جاء "كازابلانكا" ليغيّرها.

        

بيتر ميمي (مواقع التواصل)

   

يتحدث المخرج المصري أحمد بدرخان عن عناصر المخرج السينمائي لتشكيل هوية فنية خاصة به، أهم هذه العناصر هي الرؤية التي يستعرض بها حكايته الدرامية، كل القصص والأفكار جيدة ومكررة أيضا، لكن من واقع اهتماماته الشخصية وطريقته في معالجة أفكاره وقصصه الدرامية يستطيع المخرج أن يكشف لنا عن هويته[2]، في المرحلة التالية للقصة سيتفحّص المخرج أدواته، والممثل الجيد هو البطاقة الرابحة ليفوز المخرج باللعبة. يعترف بيتر ميمي أن كل ما يحتاج إليه في بطل أفلامه أمران لا ثالث لهما: "عينان، وكاريزما"، وهاتان الصفتان بحسب بيتر تجتمعان في أمير كرارة.

      

خاض أمير كرارة وبيتر ميمي رحلتين متوازيتين في عالم الفن في مرحلة ما بعد 2011، وإن كان كرارة له شهرة سابقة ولكنها متواضعة في تقديم البرامج وتقديم عدد من الأدوار التمثيلية الصغيرة لم تبرز بصمته في التمثيل، إلا أنه بدأ في الظهور بالتدريج وبخطوات ثابتة، في حين كان غيره من الممثلين يقفز بسرعات جنونية ليتصدّر الملصقات الدعائية للأفلام مثل محمد رمضان. أراد رمضان أن يكون النجم الأوحد، لكن كرارة يعترف بتواضع أنه ليس الأول في مكانه وليس الأنجح بين الفنانين، لكن يليق به أن يكمل المسيرة بعدهم، وإذا كان أحمد السقا هو الممثل الوحيد في جيل التسعينيات والألفينيات الذي أكمل منفردا لواء أفلام الأكشن المصرية، فإن السقا سيعطي -راضيا- الراية لكرارة ليستمر هذا النوع السينمائي في صالات العرض.

   

الهوية الفنية

بالعودة مرة أخرى إلى "كازابلانكا"، علينا الوقوف عند محطات النضج الفني التي يقدمها لنا الثنائي بيتر ميمي وأمير كرارة، سنجد أن الأخير لم يتطور كثيرا في أدائه التمثيلي ووجهه المصمت الخالي من الانفعالات، لكن بيتر استطاع هذه المرة أن يفلت من النمطية في تصميم المعارك وشكل المطاردات، والابتعاد عن الإيقاع البطيء الذي يقتل أفلامه السابقة، ليقدم لنا في "كازابلانكا" إيقاعا سريعا وصورة جيدة ومعارك غير مفتعلة تتراقص فيها الأجساد والحوارات والمؤثرات الصوتية ودراما الفيلم على أنغام أغنية روك سريعة، سينتهي بك الفيلم وأنت راضٍ عما شاهدته لتوك، وتردد عددا من الجمل الحوارية والمواقف الكوميدية العالقة في ذاكرتك.

      

  

في بداية الفيلم نتعرف على أبطال الفيلم الثلاثة في عملية السطو على السفينة وفق خطتهم السابقة، وبفنية شديدة تستعرض الشخصيات نفسها من خلال الحوار ولغة الجسد، "عرابي/عمرو عبد الجليل" هو ملك "الإيفيهات" الكوميدية، "عمر المر/أمير كرارة" هو البطل الجسور الذي يقفز في الماء كما تقفز أسماك القرش في قلب المحيط، "رشيد/إياد نصار" يقفز في الماء كما الثعبان ويحمل في يديه بطاقات "الكوتشينة" التي تخبرنا أنه الساحر الماكر الذي يجب ألا تأمنه. هذا الثلاثي يملك تاريخا دراميا طويلا يوثّقه حوار الفيلم بينهم، وتوظيف اللغة واستخدام العبارات الدارجة جاءت موفقة وملائمة لأجواء الفيلم، ولأن أفلام الأكشن سريعة ولن تعلق في ذاكرة المشاهد سوى الفكرة الرئيسة وعدد لا نهائي من المطاردات، يأتي الحوار ليكون العلامة التي لن ينساها الجمهور فور خروجه من الفيلم، لذا فإن الكثير من الجمل القصيرة التي تشبه تلك العبارات المكتوبة على خلفية وسائل المواصلات هي الأثر الباقي الذي سيمتد طويلا في الذاكرة، ولأن الأبطال هم أفراد عصابة فلا تتوقع منهم حكما أو مواعظ، بل عبارات خفيفة هي من قلب الشوارع والأزقة.

    

"دعونا ننسَ أخطاء الماضي ونعمل أخطاء جديدة"

     

هناك معادلة مهمة في كتابة أفلام الأكشن يجب أن توازن بين الضحك والإثارة، إذا زاد أحدهما عن حدوده تحول الآخر إلى عنصر مقحم، وهو ما حرص عليه مؤلف الفيلم "هشام هلال". دعونا نتفق أن دخول عنصر الضحك في أفلام الأكشن ليس شرطا مقدسا، لكن بمعايير جمهور السينما الهوليودية فإن المواقف والحوارات الكوميدية تضفي أجواء خفيفة للفيلم ولا تنزع عنه طبيعته الجادة، وهو على سبيل المثال ما أصبح يُوظّف بشكل متكرر مؤخرا في سلسلة أفلام "مهمة مستحيلة" (mission impossible) لتوم كروز، وحتى أفلام الأبطال الخارقين باتت تُضفي تلك اللمسات الكوميدية طوال أحداث الفيلم لأن الجمهور أصبح يعجبه الأمر، بل إن عنصر الضحك بات مؤثرا في جودة هذا النوع من الأفلام مثلما حدث في أفلام مارفل و"DC"، بل إن الكوميديا أضحت عنصرا مهما لا يمكن أن يخلو من أفلامهم مثل شازام، سبايدر مان، وغيرها من الأفلام.

    

حشد النجوم

إلى جانب الثنائي "بيتر وكرارة" اللذين تتوافق رؤيتهما للنجاح باتباع نظرية حشد النجوم والبعد عن نظرية البطل الأوحد، في فيلمهما السابق "حرب كرموز" لم يكن كرارة في صدارة الملصق الدعائي وحده، بل جاوره عدد كبير من النجوم المصريين إلى جانبهم الممثل الإنجليزي سكوت أدكنز، وهذا العام وإلى جانب توليفة النجوم المحيطة بكرارة كان بجوارهم أيضا الممثل التركي هاليت إرجنتش صاحب الشعبية العربية التي ذاع صيتها مع المسلسل الشهير "حريم السلطان". لكن ما يعيب "كازابلانكا" هو ضعف الدور النسائي في بطولة الفيلم الذي لعبته غادة عادل، ويأتي هذا الضعف من عدم تماسكه في قلب الحدث الدرامي، فإذا تم حجب دورها لن يختل توازن الفيلم، وهو ما يؤكد ضعف توظيف البطولة النسائية في أفلام الأكشن، وأن ظهور غادة إلى جوار نيللي كريم ولبلبة -ضيفات شرف الفيلم- جاء من منطلق حشد النجوم.

     

  

على مستويات أخرى جاء الفيلم محكما في أدواته، ربما تكون معتادة أو مكررة، وأن مشاهد الأكشن والمعارك وغيرها مأخوذة من روح أفلام أجنبية شاهدتها من قبل، سيبدو الأمر صحيحا، لكن إذا قارنها المشاهد في ذاكرته مع تاريخ أفلام الإثارة المصرية سيجد أن "كازابلانكا" يحقق خطوة ناضجة بشكل ملحوظ في مسيرة أفلام الأكشن المصرية. إذا كانت السينما المصرية هي ملكة الدراما التراجيدية، فإن تاريخنا القديم لا يخلو منه أفلام العصابات، وفتوة الحارة فريد شوقي الذي لا يمر مرورا عابرا في أي فيلم دون أن يخوض معركة أو يطارد المجرمين، إلى أن انتهى زمن فريد شوقي وحل محله أفلام الإثارة الغربية والآسيوية التي أزاحت السينما المصرية عن ميزان المقارنة، لكن لأن أفلام الإثارة تطورت أدواتها ولم يعد الضرب وحده محور الأكشن فإن تنفيذ المعارك ومشاهد المطاردات باتت أكثر تعقيدا وأكثر إمتاعا للجمهور.

    

سيتفق ويختلف الكثيرون حول ما يقدمه بيتر ميمي من فن، لكن شئنا أم أبينا فهو يحفر اسمه بيده في تاريخ نوع سينمائي أصبح من الصعب الحكم على استمراريته وتقديمه بشكل فني محترف، ولأن بيتر ميمي قرر أنه سيغزو العالم فهو لن يتنازل عن صعود السلم والاستمرار بهذه النوعية من الأفلام التي تجعله مختلفا عن غيره من أبناء جيله الحالي، ربما يستعير الكثير من الأدوات ليعيد ضبط أدواته ومنهجه الخاص، لكنه يسعى إلى استمرار سينما الأكشن المصرية التي تنافس نفسها في نطاق السينما العربية، وتترك بصمة لن تنساها الأجيال القادمة.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار