انضم إلينا
اغلاق
"La Casa De Papel".. هل السرقة مبررة لمواجهة سُلطة فاسدة؟

"La Casa De Papel".. هل السرقة مبررة لمواجهة سُلطة فاسدة؟

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض

في مايو/أيار من العام 1989، وفي شارع سكني هادئ بمدينة كوبنهاجن، اكتشفت الشرطة الدنماركية ما لم يخطر لها على بال؛ في غرفة سرية بأحد بيوت ذلك الشارع، وجدوا ترسانة أسلحة كاملة وأدوات تجسس على أحدث طراز، وأقنعة وملابس تشبه ملابس الشرطة. كان ذلك البيت في حقيقة الأمر مقرا سريا لعصابة قامت على مدار عشرين عاما بسرقة البنوك. ورغم هذا، فبعد البحث عن خلفيات السارقين الخمسة، اكتشفت الشرطة أنهم يعيشون أسلوب حياة متواضع لا يتماشى على الإطلاق مع كمية الأموال التي استولوا عليها. وهنا كان السؤال: أين ذهبت كل تلك النقود؟

إن كان مداومة عصابة كتلك على السرقة لمدة عقدين من الزمن دون أن يكتشف أمرهم أحدٌ شيئا استثنائيا، فالأغرب من هذا كان الهدف الحقيقي وراء تلك السرقات. حيث لم يكن أعضاء جماعة بليكنجاد، كما أطلق عليهم الإعلام تيّمنًا بالشارع الذي اتخذوه مقرا لهم، في الحقيقة لصوصا، بل ثوار ماركسيون قضوا حياتهم في الكفاح ضد الإمبريالية الغربية والرأسمالية الفاسدة، ولم يسرقوا من أجل مراكمة ثروات شخصية، بل ليُهرّبوا كل تلك النقود لجماعات مقاومة الاستعمار حول العالم مثل منظمة التحرير الفلسطينية. نجد أنفسنا هنا أمام معضلة: هل هؤلاء الأفراد أبطال؟ أم مجرمون؟(1)


بعد تلك الحادثة بنحو ثلاثين عاما، سيُعرض على الشاشات مسلسل "لا كاسا دي بابل"، والذي يدور حول مجموعة من اللصوص يقتحمون "دار السك الملكية" ويطبعون أموالهم الخاصة. لن يفعلوا أي شيء بطولي على غرار الجماعة الدنماركية بتلك النقود، لكن، على العكس منهم، لن يستولوا على أموال تخص أي شخص. وفوق هذا، سيضرّون بصورة الدولة والحكومة أمام الجماهير، ويكشفون خلال العملية عن أولويات الحكومة الدبلوماسية والسياسية التي تضعها فوق مصلحة أفراد الشعب. نجحت العملية، وهرب أفراد العصابة بالنقود، لكن إلقاء القبض على واحد منهم بعدها بعامين كان الدافع لقيامهم بسرقة جديدة ضخمة في الجزء الثالث من "لا كاسا دي بابل"، من أجل تحدي الدولة وتحرير صديقهم، ويبقى السؤال: هل هؤلاء أبطال؟ أم مجرمون؟

السرقة فعل ثوري؟



ستعتمد إجابة هذا السؤال بشكل كبير على مَن تطرحه عليه: ففي عيون الدولة، من يخرق القانون هو مجرم يستحق العقاب، أما الجماهير التي ترى أنه لو كان المقياس الحقيقي للجريمة هو كونك تؤذي شخصا أم لا، فلن تصير جماعة بليكنجاد ولا العصابة في "لا كاسا دي بابل" مجرمين، بل الدولة والأنظمة العالمية التي تعاون قوى الاستعمار في الحالة الأولى وتقف بجانب الكيانات الاقتصادية التي تساهم في إفقار الشعوب في الحالة الثانية هم المجرمون الحقيقيون. ومن ثم، سيصبح الخروج عن طوع أولئك المجرمين وعصيانهم وأنظمتهم والثورة عليهم بمنزلة فعل مقاومة بطولي، يجعل ممّن يقومون به أبطالا.

يلعب مسلسل "لا كاسا دي بابل" باستمرار على هذا الوتر. فالبروفيسور يضع عملية السطو في الجزأين الأول والثاني، لا في إطار الجريمة، بل في إطار الفعل الثوري. وهو ما يفسر كون أغنية "بيلا تشاو"، التي غناها الثوار الإيطاليون قديما في مواجهة الفاشية بمنزلة النشيد الرسمي له وللعصابة، تروي لنا "طوكيو" هذا في الجزء الأول وتقول: "تتمحور حياة البروفيسور حول فكرة واحدة: المقاومة. علّمه جده الذي انضم للثوار ضد النظام الفاشي في إيطاليا هذه الأغنية، وقام هو بتعلمينا إياها".

وبهذا، يضع البروفيسور الأنظمة الحديثة في الكفة نفسها مع الفاشية القديمة، فكما ارتكبت الفاشية جرائم بشعة في حق الإنسانية، ترتكب الرأسمالية الحديثة جرائم، وإن كانت أكثر خفاء، فإنها لا تقل بشاعة عن الفاشية. فهي السبب وراء الازدياد المُطّرد للفجوة بين الأثرياء والفقراء، ومعدلات التضخم المرتفعة التي تحول مدخرات المعظم بمرور السنين إلى رماد، وتسوق أعدادا متزايدة من الموظفين من سوق العمل إلى البطالة، لتحكم على الملايين بالعيش في مستنقع من الفقر والحياة غير الكريمة. هنا، يتحوّل التلاعب بذاك النظام الفاسد، عن طريق القيام بما يفعله من طبع النقود وضخها مباشرة في الاقتصاد بحيازة أفراد العصابة عليها، بدلا من تحويلها مباشرة إلى رؤوس أموال إضافية للأثرياء كما تفعل الدولة، في وجهة نظر البروفيسور وعصابته وأعداد غفيرة من الجماهير، من جريمة إلى فعل تمرد.

يستمر المسلسل في اللعب على نغمة السرقة كفعل ثوري في الجزء الثالث. فالمحرك الأساسي للأحداث في هذا الجزء كان قبض السُّلطات على "ريو" وإخفاءه في بلد غير معروف وتعريضه للتعذيب. فكما يقوم الرفاق من أعضاء الحزب الواحد بالذود عن بعضهم بعضا، يتصدى البروفيسور وباقي أعضاء العصابة للقبض على ريو ويقومون بالاحتجاج عبر الشيء الوحيد الذين يجيدون فعله: السرقة. ومرة أخرى، ينأى البروفيسور عن تأطير عملية السطو في إطار الجريمة ويضعها عوضا عن هذا في إطار الفعل الثوري؛ وهو ما يظهر بوضوح في خطابه للجماهير بعد أن أمطر عليها من السماء 140 مليون يورو: "هذه الرسالة لكل من يرى في القناع رمزا للمقاومة، نحن نحتاج إليكم. لقد شنّت الدولة علينا حربا، حربا قذرة، ولقد قررنا أن نواجههم. اعتقلت الشرطة واحدا منا في بلد أجنبي بلا أي إجراءات قانونية في مكان مجهول، ويقومون على الأرجح بتعذيبه. نطالب بالإيقاف الفوري لهذا الاعتقال غير القانوني، لقد بدأت الدولة هذه الحرب ونحن لن نختبئ، سنقاومهم، ضربة أمام ضربة".

يمكنك أن تلاحظ بنفسك كيف أن خطاب البروفيسور هنا أقرب لخطاب زعيم ثوري منه لخطاب رئيس عصابة، حيث يُكثر من استخدام كلمات على غرار "المقاومة/الحرب"، والتي تنتمي للمعجم الثوري أكثر بكثير من انتمائها بالطبع للمعجم الإجرامي.

يولد المسلسل حالة شعورية من الانتصار لدى المشاهدين الذي تماهوا مع العصابة عندما يرينا كيف أن مجموعة صغيرة من الأفراد المهمشين قادرين على الإيقاع بالسلطة وهزيمتها في كل مرة

Netflix
 

ولقد كانت تلك النغمة الثورية -أغلب الظن- من أهم الأشياء التي اجتذبت الجماهير إلى المسلسل وميّزته عن عشرات الأعمال الأخرى التي تناولت عمليات سطو مسلح. فحول العالم اليوم، نجد أن سخط الجماهير حيال حكوماتها آخذ في الاشتعال، لأسباب أغلبها اقتصادي. ففي أميركا، تدفقت الجماهير في نهايات 2011 إلى حي وال ستريت، المقر الرئيسي للبورصة وسوق الأوراق المالية الأميركية، لتعبّر عن سخطها على سوء توزيع الثروات. وفي فرنسا العام الماضي، بعد زيادة إمانويل ماكرون لأسعار الوقود، تدفقت الجماهير إلى الشوارع في سترات صفراء احتجاجا على السياسات الاقتصادية للدولة. وتشهد عواصم عديدة حول العالم احتجاجات مماثلة بشكل دوري، ما يجعل النغمة التي يلعب عليها "لا كاسا دي بابل"، من مشروعية الخروج على النظام الفاسد وإن بسرقته، نغمة محببة لدى جماهير عريضة. (2) (3)


يستلهم "لا كاسا دي بابل" في لعبه على تلك النغمة تراثا طويلا من الأدب والسينما، يرى في السلطة رمزا للفساد والظلم، وفيمن يخرج عليها بطلا مغوارا. ففي قصص "زورو"، الأب الروحي للأبطال الخارقين، التي ابتدعها جونستون ماكالي في مطلع القرن الماضي، كان عدو زورو في كل القصص هي حكومة كاليفورنيا الفاسدة وممثليها الذين يظلمون الشعب وينهبون ثرواته. ولم يؤثر مرور الزمن على تلك الصورة النمطية السلبية للسُّلطة ورموزها، فما زلنا نجدها وبكثرة في الأعمال الدرامية اليوم، ولعل أبرز مثال على هذا مسلسل "بيت الورق" (House of Cards)، الذي أنتجته نتفليكس عام 2013.

كما يمد "لا كاسا دي بابل" في الجزء الثالث الخط الذي كان قد طرحه سريعا في الجزء السابق عن غياب الشفافية وكذب الحكومات على شعوبها حتى في الدول الديمقراطية، ووضعه هنا في قلب الأحداث. فالسبب الرئيسي لإحجام الشرطة عن قتل دينفر في أحد المشاهد رغم وجوده في مرمى نيرانها، هو تلويحه بصندوق يحمل وثائق سرية لم تنشرها الدولة من قبل؛ وثائق تدين إسبانيا والاتحاد الأوروبي وحلف الشمال الأطلسي، وتبيّن ارتكابهم لجرائم عديدة أودت بحياة الكثيرين، على رأسها كما ذكر رئيس المخابرات في أحد المشاهد: "تسبُّب أوروبا في حرب في ليبيا بسبب مصالح شخصية، دَفعُ نقود للمغرب حتى تترك المهاجرين في الصحراء، خَلقَ جماعة إرهابية جنوب فرنسا".

بالطبع لم يطّلع صانع العمل ألكس بينا على أسرار الدولة العليا ليكتب ذلك المشهد، كما أن الجرائم المذكورة فيه لم تقع حقا. لكن يمكننا اعتبار ما يرويه هذا المشهد بمنزلة محاكاة لجرائم حرب وفساد حقيقية ارتكبتها دول العالم الأول، كشف عنها البريطاني جوليان أسانج عبر موقع ويكيليكس.

يستغل المسلسل الإسباني المناخ العام الذي يسود العالم اليوم من استياء الشعوب من السلطة ورموزها ويخلق حالة من التماهي معهم عبر تصويره لتلك السلطة بشكل سلبي، فأفرادها دميمو الهيئة ذوو ذكاء متواضع مقارنة بأعضاء العصابة ورأسهم المدبر البروفيسور؛ كما يولد حالة شعورية من الانتصار لدى المشاهدين الذي تماهوا مع العصابة عندما يرينا كيف أن مجموعة صغيرة من الأفراد المهمشين قادرين على الإيقاع بالسلطة وهزيمتها في كل مرة. وباستخدامه لتلك الثيمة الفكرية ومزجها مع جرعات مكثفة من الإثارة والأكشن، نجح "لا كاسا دي بابل" بأجزائه الثلاثة في أسر الملايين حول العالم. لكن، هل يكفي هذا لجعل المسلسل، وبالأخص الجزء الثالث محل النقاش، عملا جيدا على المستوى الفني؟

المسلسل الأعظم في التاريخ فعلا؟


بالرغم من شعبيته الجارفة التي جعلت الكثير من معجبيه يلقبونه بـ "الأعظم في التاريخ"، وبالرغم من نجاحه في التقاط المناخ المسيطر على العالم الآن، فإن كل هذا لا يشفع للجزء الثالث من "لا كاسا دي بابل" امتلاءه بنقاط ضعف كثيرة على مستوى القصة؛ وهو في هذا لا يختلف كثيرا عن الجزأين الأول والثاني، الذي جاء بهما كمٌّ محبط من الفجوات ينم عن كتابة تتخذ الخيارات الأسهل سرديا أغلب الوقت، وإن أضعف هذا من منطق الأحداث. نجد هذا، وإن بكثافة أقل، في الموسم الثالث، الذي يمتلئ بفجوات كثيرة في الحبكة.

كما اختفت من هذا الجزء العلاقات العاطفية التي تحدث وراء كواليس السرقة بين أفراد ينتمون لفرق متصارعة: المختطف والرهينة في حالة دينفر ومونيكا، السارق والشرطية في حالة البروفيسور وراكيل. وتلك العلاقات التي وُلدت في الجزأين الأول والثاني، على كل ما بها من كليشيهات ومبالغات درامية، لكنها أضافت توترا محببا للأجواء وأعطت بُعدا آخر لعملية السطو. عوضا عن هذا، أعطانا الجزء الثالث علاقة مفتعلة بين الثلاثي نيروبي وباليرمو وهلسنكي، حيث تقع نيروبي في حب هيلسنكي ويقع هيلسنكي في حب باليرمو، كل هذا بلا أي بناء أو تمهيد سابق، ما يجعل هذا الخط مقحما يغلب عليه الافتعال بلا أي ضرورة درامية.

وقد شاب هذا الجزء أيضا الكثير من التطويل المبالغ فيه كما حدث في الجزأين السابقين. ففي هذا الجزء، نجد أنه كان من الممكن اختصار عدد الحلقات إلى النصف تقريبا دون أن نفقد شيئا مهما. فنجد مشاهد عديدة لا تنتمي لسياق حقيقي ولن يضر حذفها بالقصة على الإطلاق. كمثال على هذا، نجد في إحدى الحلقات مشهدا كاملا "فلاش باك" بين شخصيتي برلين وموسكو يتجادلان فيه حول المكان الأنسب للتبول، وبعيدا عن عبثية المشهد، فهو لا يؤدي لأي تطور لا في الشخصيات ولا في الأحداث، فبرلين وموسكو اللذان يتصدران الجدال ماتا في نهاية الجزء الثاني ويبقى وجودهما، خاصة في حالة موسكو، هامشيا في أحداث هذا الجزء. كل هذا يجعل وجود هذا المشهد، كحال الكثير من المشاهد والخطوط في "لا كاسا دي بابل"، غير مبرر على أفضل الأحوال، ويضر بالبناء العام وإيقاع الأحداث في أحيان كثيرة.



على كل تلك العيوب، فإن هذا الجزء لم يخلُ من بعض المزايا أيضا. على رأس تلك المزايا نجد كون الخطة لسرقة البنك قد جاءت تلك المرة على عجل بلا تحضير مُكثف كحال عملية السطو الأولى. فقد أدى هذا لكون البروفيسور غير مستعد لكل السيناريوهات التي يمكن أن تحدث، ما أضفى جرعة أقوى من الإثارة وتخلِّص بعض الشيء من النسق الرتيب للجزأين الأول والثاني حيث البروفيسور كيان خارق يتوقع كل شيء قبل أن يحدث وإما يحول دون وقوعه من الأساس، أو ينقذ الموقف في آخر لحظة. هنا البروفيسور أكثر ضعفا وهشاشة، أمام عدو ماكر ومستعد أن يعبر الخطوط الحمراء ويريق الدماء في سبيل السيطرة على الوضع. نعني بهذا العدو المحققة الشرسة أليسيا، التي تتولى تعذيب ريو في بداية الجزء لتحصل منه على معلومات، ثم تنتقل للبنك المركزي مع الشرطة وتترأس عملية الإيقاع بالبروفيسور. ويكفي القول إنها على عكس راكيل في الأجزاء الأولى، تمكّنت من أن تكون هي من تنصب الفخاخ ولم تكتفِ بحصر نفسها في موقع الدفاع. وقد ساهم هذا في شحن أجواء المسلسل بالتوتر وأضعف من ثقة المشاهد المُطلقة في كون البروفيسور مسيطرا على الوضع، ومن ثم زاد من ترقبهم لمعرفة أي منعطف ستأخذه الأحداث. لكن هذه النقطة الإيجابية لا تشفع للمسلسل في جزئه الثالث عيوبه الكثيرة.

هكذا، نجد أن "لا كاسا دي بابل"، من الناحية الفنية، هو عمل متواضع لا تخلو حلقة فيه من الأخطاء، التي على الرغم منها، نجح في أن يأسر الملايين في شتى بقاع الأرض. ففي النهاية، من منا لن يحب أن يتابع قصة مثيرة حول مجموعة من المهمشين وقائدهم الذكي يقومون بما نعجز نحن عن فعله: يتحدون ويهزمون السلطة في كل مرة.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار