انضم إلينا
اغلاق
"ولاد رزق 2".. هل تنجح أفلام "الأكشن" دائما؟

"ولاد رزق 2".. هل تنجح أفلام "الأكشن" دائما؟

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض

على ساحة الأفلام المصرية، يتصدر الملصق الدعائي لفيلم "ولاد رزق" إلى جوار الملصق الدعائي لفيلم "الفيل الأزرق" ليشتد الصراع على شباك التذاكر بين الفيلمين، بينما يقف فيلم أحمد حلمي "خيال مآتة" وفيلم "الكنز: الحب والمصير" في مساحة مظلمة قليلا. هذا هو حال شباك التذاكر في الموسم الحالي لأفلام عيد الأضحى، كما أن هناك تغيرا واضحا طرأ على سلوك المشاهد، والذي أصبح يفكر أكثر من مرة ويستشير الآخرين قبل اختيار الفيلم الذي سيشاهده وينفق عليه أمواله. لكنّ أفلام هذا الموسم تختلف قليلا عمّا سبق، لأننا أمام أجزاء ثانية من أفلام شاهدها الجمهور سابقا واختبر نجاحها ويريد أن يستكمل معها الحكاية.

  

   

عودة أسود الأرض

يغلب على الساحة السينمائية في مصر حالة فنية ذات طابع معين، يمكننا أن نتتبّعها بسهولة باستعراض "الأنواع الفيلمية" المتصدرة لشباك التذاكر منذ فترة ليست بالقليلة، والغلبة هنا تنتصر لأفلام الأكشن، كأن السينما المصرية متعطشة لهذا النوع من الأفلام. قديما، تصدر فريد شوقي أفلام الأكشن واحتكرها لنفسه، وقد مثّل جماهير سينما الدرجة الثالثة وقود هذا النوع من الأفلام التي تُثبت عبر تاريخها الطويل في السينما المصرية افتتان الجمهور بها، وولعه بأن يرى بطله المفضل ينتصر على الشرير بلكمة واحدة، كأن اللكمات التي يسددها فريد شوقي، أو أحمد عز، هي الفعل الذي يريد أن يفعله المشاهد في حياته الشخصية، هنا، يجد الجمهور ملاذا خاصا في جسد البطل الذي يهزم أعداءه ويطاردهم ويفلت من مؤامراتهم بحنكة وخفة.

  

تستعيد سلسلة "ولاد رزق" تلك الروح القديمة للأكشن التي يجب عليها أن توجد بثبات على الساحة، وهو المنطق نفسه الذي يرى به المخرج طارق العريان صناعة السينما حاليا ويقول إن الجمهور هو مبتغانا الآن، وعلينا -صناع الأفلام- أن نجذب الجمهور لدخول السينما[1]، ولأن كل فنان له أدواته الخاصة التي يخاطب بها جمهوره، يحب العريان أن يجذبهم بالطريقة التي يجيدها ويميل إليها، وهي الأكشن، وبأبطال لنا معهم وقفة لأنهم على كل الأصعدة "غير مثاليين".

 

ولاد رزق ومنطق الـ "Bad Boys"

  

ينتمي أبطال فيلم ولاد رزق -بجزأيه- إلى سينما الأبطال الـ "Anti Heros"، وهو مصطلح سينمائي نطلقه على الأبطال غير المثاليين الذين يرتكبون الجرائم ورغم ذلك نُعجب بهم دراميا وننتظر في النهاية أن ينتصروا على أعدائهم الأشرار حتى لو كان هذا الشرير هم رجال الشرطة أنفسهم. أما المختلف في هؤلاء الأبطال أننا -وبصورة لا إرادية- نضعهم في مصاف الأخيار حتى لو كانوا تجار مخدرات أو عصابة مافيا، لكن لعبة الكتابة الذكية تجعلك تنحاز لهم، مثل انحيازنا لعائلة الدون كورليوني في فيلم "العرّاب" (الأب الروحي) رغم أنهم عصابة مافيا إيطالية، ومثل انحيازنا لأولاد رزق الأربعة رغم أنهم عصابة خارجة عن القانون، تنهب وتسرق من أجل العيش وكسب المال.

  

بالعودة مرة أخرى إلى فيلم "الأب الروحي" نجد أن البذرة الأولى التي ربطت الجمهور بعائلة كوريليوني هي فكرة العائلة، والترابط بينهم وإخلاصهم لصلة الدم بينهم، فإذا وقع أحد الأبناء في مأزق، فإن العائلة بأكملها تتكاتف لأجله وترتكب كل الجرائم شريطة ألا يُمس أحد منهم بسوء، وهو الحال ذاته الذي نجده مع ولاد رزق، والتأكيد الدائم حتى في الجزء الجديد أن رابط الأخوة أهم عندهم من أي شيء، وأن قرارات الأخ الكبير "رضا/أحمد عز" أمر لا يجب مناقشته، فالإخوة يصنعون قانونهم الخاص. على جانب آخر يتسم هؤلاء الإخوة بأنهم ظرفاء، ويُلقون النكات بصورة مستمرة، وهو ما يجعلهم "قريبين إلى القلب"، فعندما تراهم في أحد المشاهد وقد نجحوا في سرقة بنك تجاري أو محل مجوهرات ستفرح لانتصارهم رغم رفضك التام في أعماقك لمثل هذا النوع من الجرائم وغيرها من أفعال محرمة وغير مشروعة كالقتل وشرب الخمر وممارسة الجنس.

  

 "إنه شيء أقرب إلى فكرة وعالم الأب الروحي ورجال المافيا، حيث نبدأ من العائلة لنعود إليها، وحيث لا نجاح إلا بالمجموعة، وبقيادة الأب، أو بديله ووريثه"

(الناقد محمود عبد الشكور)

  

المؤلف صلاح الجهيني (مواقع التواصل)

    

الخلطة القديمة

يدافع كاتب الفيلم صلاح الجهيني عن الجزء الثاني باعتباره مُختلفا تماما عن الجزء الأول، يقول إن عالم أولاد رزق اختلف، وانتقلنا من جرائم المستوى الشعبي إلى جرائم في أروقة القصور الفاخرة، والمطامع أصبحت ثمينة، فتصب أنظارهم على مجوهرات تعود للأسرة المالكة ونصابين من أصحاب النفوذ والملايين، وهذا في نظر الجهيني التغيير الرئيس في الفيلم الجديد. لكن، إذا عقدنا مقارنة دقيقة بين بناء السيناريو في جزأي الفيلم نجد أنهما يسيران على النهج نفسه، ويتشاركان في التعقيدات والأزمات والحبكة الملتوية (Plot Twist) نفسها كجزء من البناء الدرامي، وأيضا النهاية السعيدة نفسها، وهو أمر قد لا يهم الصناع لأسباب يمكننا شرحها الآن.

   

دائما ما تواجه أفلام "الأجزاء" (Sequel) أزمة النجاح الجماهيري، هل سينجح الفيلم في جزئه الثاني أو الثالث أو العاشر؟ وعبر تاريخ طويل من أفلام الأجزاء نجد أن النجاح متغير وغير ثابت، فالأمر مجازفة يخوضها صناع الفيلم دون نتيجة متوقعة مضمونة. البعض يفشل جماهيريا، أو بالأدق لا يحقق النجاح الأول نفسه مثل سلسلة أفلام "Jaws" و"Rocky" و "Ocean's"، والبعض يزداد نجاحه مع كل جزء جديد مثل سلسلة أفلام "مهمة مستحيلة" (Mission Impossible)، والحل الوحيد الذي يضمن استمرارية النجاح هو الكتابة في مساحة آمنة والسير على نمط البناء الدرامي ذاته الذي سار عليه الفيلم منذ البداية وأعجب الجمهور، بالإيقاع نفسه ونمط البناء، وبذات الحبكة الملتوية إذا لزم الأمر، لكن دون المجازفة بتطوير الشخصيات أو الاقتراب منهم مخافة ألا يُعجب الجمهور بالتغيير، فأولاد رزق سيظلوا عصابة الإخوة المتكاتفين دون أي رتوش زائدة. لكن على صانع الفيلم أن يتطور بصريا وأن يقدم مستوى مختلفا وأكثر تطورا في مشاهد الأكشن، حينها يضمن صناع الفيلم نجاحا آمنا لسلسة طويلة من الفيلم. هذا هو منطق المخرج طارق العريان، لكن الجمهور سيصيبه الملل حتما إذا قدمت له في كل مرة الحكاية نفسها وتم حكيها على المنوال نفسه.

  

على مستوى آخر، يميز الجزء الثاني من "ولاد رزق" حشده لعدد أكبر من الممثلين، والحشد هو خلطة سحرية أيضا تساعد الفيلم في دفع عجلة نجاحه، وهو سر يتميز به أفلام البطولة الجماعية، وعلى مدار الفيلم يزداد إعجاب الجمهور بوهج "نجوم شرف" الفيلم فيصبح مأخوذا بظهورهم حتى لو كان عابرا وغير مؤثر في مسار الأحداث، مثل ظهور غادة عادل، وإياد نصار، وسوسن بدر، وآسر ياسين، ويسرا، وماجد المصري، والمطربة أصالة. لكن هل هذا الحشد أفاد الفيلم على نحو جيد؟

     

إياد نصار في مشهد من فيلم "أولاد رزق 2" (مواقع التواصل)
 

للأسف، لم يكن مفيدا على نحو كبير، بالتأكيد على مستوى الدعاية كان أمرا جيدا وناجحا، لكن، وبالنظر للفيلم من الداخل، فهناك شخصيات سينتهي بها الحال إلى نسيان وجودها مع الوصول لنهاية الفيلم، وربما لن تتذكر لماذا ظهرت من الأساس؟ وهل حذفهم سيؤثر على الحكاية؟ الحال ينطبق على شخصية (نانسي/غادة عادل)، وشخصية (الصقر/إياد نصار)، فإذا ما حذفنا شخصياتهما من سيناريو الفيلم لن يختل على الإطلاق، فنحن في جزء ثانٍ من الفيلم لسنا بحاجة إلى حدث يشغل النصف الأول من أحداث الفيلم لنتأكد أن أولاد رزق عادوا كالأسود إلى مجال الجريمة. وتفاصيل عملية السرقة التي ينفذها أولاد رزق والتي يحكيها منذ بداية الفيلم (عاطف/أحمد داوود) لـ (كمال/خالد الصاوي) الذي يختطفه كرهينة في ملابسات جريمة أخرى تورط فيها الأخير مع أولاد رزق، كل هذه التفاصيل هي جزء من خدعة أولاد رزق لكمال، لكن ما هي إلا محض استهلاك للبناء الدرامي نفسه المستخدم في الجزء الأول دون أي محاولة للتجديد في ابتكار تتابع جديد للأحداث، أو التركيز فقط على مُلابسات اختطاف عاطف بالتحديد دون الإغراق في أحداث أخرى هدفها فقط أن تبهرك بصريا رغم إخلالها بإيقاع الحكاية التي تريد أن تخبرك أن أولاد رزق مراوغون وهو أمر لسنا بحاجة إلى التأكيد عليه في الفيلم الجديد.

  

إلى جانب حشد النجوم والإغراق في تقنيات الأكشن، أضر الأمر بالأبطال الرئيسين، وبالكتابة في الأساس، حيث شهد الفيلم تراجعا ملحوظا لشخصية رجب/أحمد الفيشاوي على حساب شخصية عاطف/أحمد داوود، وربيع/عمرو يوسف استمر على مساحته السابقة نفسها لم يتطور عنها ولم يتراجع، في حين أن شخصية رمضان/كريم قاسم بدت كأنها شخصية مضطرة للحديث والدخول في الحوار فقط لأنه من الإخوة وسيصعب التخلي عنه، لكن دوره الدرامي لم يكن دافعا للأحداث كما كان سابقا، رمضان الذي فقد عينه وإصبعه في جريمة تصفية حسابات شهدناها في الجزء الأول من الفيلم، ألم يكن من المنطقي أن نشاهد تغييرا في شخصيته؟ أو ردعا لهم عن جرائمهم بعد ما حدث له؟ لكنه ظهر ظلّا تابعا لإخوته ومثارا للسخرية فقط لا غير.

  

وفي المقابل يحافظ رضا/أحمد عز على شخصية الزعيم المحافظ على الأسرة وأعمالها، وهو المنقذ لهم في آخر لحظة، لأنه البطل الذي يمسك بزمام الأمور منذ البداية، ولا يجب بحال أن يخفت بريقه أو يقل ميزانه بين الشخصيات، وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى السيناريو الذي استغرق في تفاصيل وشخصيات ثانوية على حساب شخصياته الرئيسة التي لم تكن تدفع بالأحداث للأمام ولم تتطور بمنطقية وبقدر كافٍ.

   

أكشن محلي أم مستورد؟

  

عام 1990 بدأ طارق العريان مسيرته في الإخراج السينمائي مع فيلم "الإمبراطور"، والعمل الأول للمخرج يضعنا حتما أمام الإشارات الأولية لذائقته الفنية، وبوضوح يمكننا استكشاف العريان من خلال فيلمه الأول وهو تمصير للفيلم الأميركي الشهير "الندبة" (scarface) بطولة آل باتشينو وإخراج براين دي بالما.

   

اعتادت السينما المصرية على تمصير الأفلام الأجنبية، لكن اختيار العريان لأن تكون بدايته السينمائية بفيلم أكشن شهير يتصدر به الساحة الفنية، وببطولة أحمد زكي، هي علامة تخبرنا عن افتتانه بهذا النوع السينمائي (الأكشن) الذي توقف عند فريد شوقي ولم تعد تواكبه السينما المصرية باحترافية بينما يحقق تطورا ملحوظا في سينما هوليوود حتى يومنا هذا. في أحد اللقاءات مع الفنان محمود حميدة يتحدث عن علاقته بالمخرج طارق العريان في فيلم "الإمبراطور"، وقال إن الأخير طلب منه أن يشاهد فيلم "الندبة" (scarface) ليقدم نفس أداء الشخصية التي يلعبها حميدة في الفيلم[2]، هذه التفصيلة الصغيرة تؤكد أيضا أن العريان مفتون بالفيلم الأصلي إلى الدرجة التي تدفعه لتقديم فيلم مطابقا له، بالعناصر نفسها والأداء التمثيلي، كأنه يستقدم قالبا مستوردا ويضعه في سياق مغاير، والمطلوب منه أن ينجح في منتجه الفني النهائي الذي نسميه باللغة الفنيّة "النحت".

     

المخرج طارق العريان (مواقع التواصل)

  

تشغل طارق العريان فكرة الصناعة، ويصرح أن ما يميز "ولاد رزق 2" هو تطوّر عملية الإنتاج[3]، وأن استخدام تقنيات متطورة كمشاهد المعارك ومطاردة السيارات وديكور العالم الجديد في حياة ولاد رزق يشكل مساحات جديدة لتطور الصورة والإبهار التقني والبصري، لكن على مستوى الكتابة والسيناريو فالأمر لم يتطور كثيرا، فقط تغيرات طفيفة طرأت على الشخصيات الخمس الرئيسة.

   

ورغم تحقيق "الفيل الأزرق" إيرادات عالية منذ عرضه قبل موسم عيد الأضحى بأيام، فإن نزول "ولاد رزق 2" قاعات العرض السينمائي جعلته يتصدر الآن المركز الأول في الإيراد اليومي لشباك التذاكر، ليصل إجمالي ما حققه في أسبوع واحد 49 مليونا و6 آلاف و601 جنيه[4]. هذا الموسم الناجح جماهيريا يضعنا أمام حالة جيدة تشهدها صناعة السينما المصرية، والتي تنجح فيها سينما الأكشن باستثمار نجاح أفلام سابقة، وهي حالة انتعاش جديدة للصناعة بعد سنوات من التيبس والضمور التقني والفني.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار